الثلاثاء 5 ذو القعدة 1439 - 17 يوليو 2018

الدكتور محمد عادل الهاشمي: كلمات في وداعه ورثائه (2)

الاثنين 21 شعبان 1439 - 7 مايو 2018 190 كاتب الترجمة : أعدها وراجعها: مجد مكي
الدكتور محمد عادل الهاشمي: كلمات في وداعه ورثائه (2)

 

نشرت في الحلقة السابقة كلمتي في رثاء الدكتور محمد عادل الهاشمي والتعريف به ، وكلمة وقصيدة ابن أخته الأستاذ المهندس الأديب الشاعر محمد زاهد أبو غدة . 

وأتابع في هذه الحلقة الثانية نشر بعض الكلمات التي وقفت عليها في رثائه. 

كتب ابنه الأصغر سعد محمد عادل الهاشمي: 

وكأنَّ جراح تشتّت العائلة وآلام ظروفها القاسية وسنوات غربتها الطويلة لم تكن صفعاتٍ كافية، لنُفجعَ الأربعاء الماضي برحيل والدنا وكبيرنا الدكتور محمد عادل الهاشمي، الحضن الحنون الذي كان درعنا الحامي من غدرات الزمان، ومربّينا الأرقى والأعذب، وحبيبنا الذي امتلك شغاف قلوبنا. 

اختاره الرحمن لجواره، وتركنا في ظل الصدمة مذهولين من فكرة حياةٍ بلا "أبو النضر" مجهشين ببكاءٍ يصهر العيون ويغيّر ملامح الوجوه.

برحيلك يا أبي .. خسرتُ نصف روحي وثلث عقلي وكل اتزاني .. فلتحُفّكَ الرحمات وتتزيّن بك الجِنان .. أما أنا فسأتغذّى يائساً .. على قطراتٍ من الصبر والسلوان ..

أسألكَ يا عليّ يا عظيم يا خالق الرحمة ومانحنا بعضاً منها، أسألك برحمتك التي فاقت رحمة الأم بوليدها، أن ترفق بروحه الطاهرة وتُبعد عنها كل مشقّة .. فقد كان أبي حانياً متسامحاً حتى مع المسيئين وحتى مع آكلي حقوقه وحقوق أبنائه .. كان نموذجاً للصفح والتغاضي والترفّع لم أعهد له مثيلاً معاصراً .. 

يا من لك المثل الأعلى في العفو، اعفُ عنه بلطفك وغفرانك .. وحرِّم جسده على الأرضِ وآفاتها .. فقد كان رفيقاً بنا أيّما رفق .. وحريصاً على تفاصيل سعادتنا وراحتنا كل الحرص بكل طاقته .. وكان مدرستنا الأكبر في تعلّم فنون الذوق والجَمَال والأناقة واللباقة واللطف والأنَفَة وعزة النفس ورقيّ التعامل مع مفردات الحياة ..

أبي الحبيب الذي لم أصدّق حتى الآن نبأ رحيلك .. لأنَّ حجم الفاجعة أكبر من مساحة حواسي .. أطلب منكَ أن تشفع لي عند ربك - وأمثالك خير من يُشفّعون - أن يرزقني صبراً يكفيني لأتنفّس جيداً .. فقد قرنتُ أنفاسي بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) وما زلتُ أشعر أني على وشك الموت اختناقاً من عَبراتي .... التي يكويها الحزن بوحشية .. وتتسلّل لها سوداوية الأفكار ومرارة الواقع .. فمئاتُ المعزّين الحزانى سيعودون أدراجهم ويتناسون بديع رثائهم وسينامون في حضن الوفاء الأبتر لحبيبهم الراقد تحت التراب ... الظانِّ بهم خيراً كعادته ... مكتفين بكلماتٍ وأمنيات ..

أبي الحبيب الذي عرفتُ الدنيا من خلال دلاله ومحبّته المفرطة لي ... أدعو لكَ في كل لحظةٍ ولمحةٍ وصلاةٍ وسجود .. وفي كل خطوةٍ أخطوها رغماً عني .. لأن عدم اتزاني أمرٌ مستجد ... 

أستودعكَ رحمة الرحمن يا سَنَدَي .. 

يا صاحب الفضل العظيم على كل حرفٍ كُتِبَ وكل حرفٍ .. ما زال في خلَدِي ..

(أصغر أبنائك .. سعد محمد عادل الهاشمي).

وكتب أيضا في رثاء والده: 

منذ 7 أيام وصلني الخبر خلال إجازتي التي أقضيها مع العائلة في القاهرة، وهذه من لطائف الأقدار، فزوجتي كانت بجانبي لتفهم حالة الهستيريا التي أصابتني فجأة وتجيد التعامل معها، ولولا ذلك كانت العواقب البشعة في الانتظار.

حضور أبي في حياتي كان يفوق دور الأب الكلاسيكي في حياة أبنائه، فقد كان رحمه الله، أيقونةً أدبيةً وهّاجة في محيطه المهني والاجتماعي، ونموذجاً حيّاً للمربّي الذوّاق الراقي في المنزل، المهتم بكافة التفاصيل المكتسبة لأبنائه كي يكونوا جديرين ببنوّة الأديب الكبير والمفكّر المخضرم، من آداب الطعام والشراب للملبس والهندام والحديث ومفرداته المنقّحة ونبرات الصوت وإيماءات الوجه ولغة الجسد اللائقة في التعامل مع الضيوف، وصولاً لحدائق المعرفة والوقوع في شغف القراءة والمطالعة وتناول اختلاف الأفكار بأناقة ورويّة واكتساب خصومة الفكرة وليس أصحابها.

أبي الناقدُ الفذّ، كان ناقداً قاسياً على قلمي منذ البدايات، فلا يروقه سوى المذهل من بلاغتي، والذي يعتبره بدوره (مقبولاً)، كان لموقفه الغريب هذا أثرٌ كبيرٌ على نضوج حاسة التحدي والتطور والكفاح لديّ كي أواصل مسيرة الكتابة بلا حوافز إيجابية عائلية ! حتى انتزعتُ منه عدة مراتٍ إعجاباتٍ رسمية بمقالات نُشرت في صحفٍ رسمية آنذاك.

"أبو النضر" لم يعد بيننا .. هذه المعلومة لم يتم السماح لها بأخذ حيّز في عقلي حتى الآن .. رحيل والدي عن الدنيا فكرة لفَظَتها ذاكرتي ملايين المرات خلال هذه الأيام السبعة.

أعيش حالةً من الإنكار دفاعاً عن صحتي ولا أعلم مصيرها !

لم يسبق لي أن رجوتُ أصحابي أن يدعوا لي بالصبر والصبر والمزيد من الصبر ! لم أفقد توازن عقلي وعواطفي هكذا من قبل ! 

لم أختبر شعور الحاجة الماسة للدعم النفسيّ العاجل .. والغرق في فيضانات الحزن الرهيب .. فقدان الطاقة كلياً أمرٌ مروّع لم أجرّبه من قبل.

(برحيلك يا أبي .. خسرتُ نصف روحي وثلث عقلي وكل اتزاني .. فلتحُفّكَ الرحمات وتتزيّن بك الجِنان .. أما أنا فسأتغذّى يائساً .. على قطراتٍ من الصبر والسلوان ..أستودعكَ رحمة الرحمن يا سَنَدَي .. يا صاحب الفضل العظيم على كل حرفٍ كُتِبَ وكل حرفٍ .. ما زال في خلَدِي).

وكتب ابن أخيه الأستاذ عمار بن محمد علي الهاشمي : 

الدكتور محمد عادل الهاشمي وعلى يمينه ابن أخيه عمار وعلى يساره ابنه النضر

ننعي للأمتين العربية والإسلامية وفاة الأديب الإسلامي الأريب وصاحب أول دراسة دكتوراة في الأدب الإسلامي وتأسيس علم الأدب الإسلامي العم الحبيب الفاضل الدكتور محمد عادل الهاشمي أخو الوالد رحمه الله. الشقيق الذي فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها المولى عز وجل عصر هذا اليوم الأربعاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا ما يرضي الله، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

كان عالماً فذا في اللغة العربية والأدب الإسلامي، وداعية إسلاميًا كبيرًا وأديبًا إسلاميًا رائدًا وضع الخطوط الرئيسية الأولى في علم الأدب الإسلامي، وقد درس الأدب الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عقودًا عديدة في المملكة العربية السعودية.

رحم الله العم الحبيب، وتغمد روحه الجنة، وغفر له وجعل قبره روضة من رياض الجنة. 

وكتب أيضا:

نجمان هاشميان أفلا......

الدكتور محمد علي الهاشمي ... 

صاحب كتاب "شخصية المسلم" و"المرأة المسلمة " و"المجتمع المسلم كما يصوغه الإسلام في الكتاب والسنة" وكتب أخرى عديدة إسلامية وأدبية ودعوية وعلمية.... 

والدكتور محمد عادل الهاشمي....

الرائد الأول ومؤسس نظرية الأدب الإسلامي، وصاحب كتاب "الإنسان في الأدب الإسلامي" وكتب أخرى عديدة أدبية وفي الأدب الإسلامي...

الشقيقان المبدعان في سماء الأدب والحياة الملتزمة الإسلامية ... بدءا حياتهما بالجد والاجتهاد والكفاح والعصامية والنزاهة وخوف الله عز وجل...

قادا الحركة الإسلامية في سوريا وخاضا الصعاب والمخاطر والتضحيات ثم الغربة والبعد عن الوطن من أجل الدعوة في سبيل الله....

أفلا وقد سطرا حياة حافلة وعامرة بالعطاء والعلم والأدب الرفيع والخلق الإسلامي ويشهد لهما القاصي والداني بسيرتهما العطرة.

رحمهما الله رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جناته.

الحلقة الأولى هــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات