السبت 28 شوال 1443 - 28 مايو 2022

أهل البيت في الحديث النبوي (10): التعريف الاصطلاحي

الأحد 13 جمادى الآخرة 1443 - 16 يناير 2022 133 مالك دياب العلو
أهل البيت في الحديث النبوي (10): التعريف الاصطلاحي

المطلب الثالث

مناقشة أدلة العلماء في المراد بأهل البيت رضي الله عهنما

في هذا المطلب أتناول الردود والاعتراضات الواردة على ما استدل به أصحاب كل قول، وما يمكن أن يجيب أو يناقش به المتخالفون.

أولًا: الردود والاعتراضات على القائلين بأن أهل البيت هم المتقون من أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

1- الرد على استدلالاتهم بالقرآن الكريم:

الآيات التي استدل بها أصحاب هذا القول على أن أهل البيت هم المتقون، لا تفيد ما ذهبوا إليه، وبيان ذلك أن الولي هو المحب والنصير،([1]) وقد يكون من الأهل والآل وقد يكون من غيرهم.

وارتباط اثنين بعلاقة الولاية لا يجعل أحدهما من أهل بيت الآخر، كما أنه قد يوجد في الأهل مَن لا يصح أن يكون وليًّا، وهذا لا يخرجه عن مسمى الأهل.

والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ^ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ^﴾ [المائدة:55-56]، ويقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ^﴾ [التوبة:71]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ^﴾ [المائدة:51] فالأولياء في كل ما سبق لم يشترط فيهم أن يكونوا من نفس أهل بيت الرجل، ولم يوصفوا بذلك.

وقول الله تبارك وتعالى لنوح صلى الله عليه وآله وسلم عن ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:45] لا يخرجه عن أهله ونسبه، وإنما يعني أنه: ليس من الذين أمره الله تعالى بحملهم معه في السفينة، لأنه سبحانه قال لنوحصلى الله عليه وآله وسلم سابقًا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ^﴾ [هود:40] وقال تعالى أيضًا لنوح صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ^﴾ [المؤمنون:27]. فابنه غير مشمول بالذين كتب الله تعالى لهم النجاة أصلًا، فهو من الذين سبق عليهم القول إنهم مغرقون، لأنه ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.([2])

2- الرد على استدلالاتهم بالسنة النبوية:

الأحاديث التي استدلوا بها على ما ذهبوا إليه، على نوعين:

إما ضعيفة، لا يصح الاستدلال بها، كالحديث المروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن أولياء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كل تقي»،([3]) فإنه يروى عنه من طريقين: في أحدهما: نافع السلمي أبو هرمز، وفي الآخر: نوح بن أبي مريم، وكِلاهما متهم بالكذب والوضع، فلا يحل الاحتجاج بحديث أي منهما.

وإما صحيحة، ولكن لا يستدل بها على المدَّعَى، كالحديث الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واثلة رضي الله عنه من أهله، وهو حديث صحيح، ولكنه من باب التشبيه بمن يستحق هذا الاسم، لا أنه منهم على التحقيق والحقيقة، أو أنه خاص به وحده، دون عموم الأمة.([4])

والأحاديث التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ أَوْلى الناس بي المتَّقون، مَن كانوا وحيث كانوا»([5])، القصد منها التَّصريح والتَّوضيح بأن منهج العبوديَّة الحقَّة لله عز وجل إنما يكون بالسير على منهاج النبوة، وأن سبيل النجاة يوم القيامة إنما هو بالإيمان بالله واليوم والآخر والعمل الصالح، وأن أكرم الخلق عند الله أتقاهم لله سبحانه، دون اعتبار آخر من نسب أو جنس أو مال أو.... وهذا كله ليس تحديدًا لأهل البيت، فالمتقون ليسوا أهل بيته حقيقة، وفي أهل بيته المتقون وغير المتقين، وأَوْلاهم به صلى الله عليه وآله وسلم المتقون، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجِّه أهل بيته ليكونوا من المتقين، فيضيفوا إلى عراقة النسب التقوى التي هي مقياس التفاضل يوم القيامة، وهذا لا يلغي الحقيقة القائمة على النسب، وإن كان نسب أقرب من نسب.

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينصح أقرب الناس إليه فيقول لا تأتوني يوم القيامة بالدنيا تحملونها على ظهوركم ويأتي الناس بالآخرة يحملونها. كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نَسَبٌ أقرب من نسب. فلا يأتيني الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد. فأقول: هكذا، وهكذا، لا». وأَعْرَضَ في كِلا عِطْفَيْه.([6])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214]، قال: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا».([7])

وعلى فرض صحَّة حديث: آل محمد: «كل تقي»، فإنه يحمل على كل تقي من القرابة.([8])

ولا يصح أنْ يقال: إنّ هذا هو مذهب جابر بن عبد الله رضي الله عنه، لأنه رضي الله عنه نفسه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: «يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».([9]) فكيف يعمِّم بعد هذا؟!

والحديث عنه رضي الله عنه -لو صح- يُحْمَل على أنه أراد بالآل: الأتباع.

وعن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين أقرنين أملحين موجوءين. فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ. وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.([10])

وفي هذا دلالة على أن اسم الآل للقرابة الخاصة، لا لعامة المؤمنين من الأمة.([11]) إذ العطف يقتضي المغايرة، فلما ذبح صلى الله عليه وآله وسلم الكبش الأول عن أمته، وذبح الثاني عن نفسه وآله، دل ذلك على أن آله غير أمته.

والصدقة لا تحل لآل محمد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد».([12])

ولو كانت الأمة كلها آله ما حلَّت لأحد منهم الصدقة، وهذا لا يقول به قائل.

وقال الشوكاني: ((ولكن ههنا مانع من حمل الآل على جميع الأمة وهو حديث: «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه، وعترتي» الحديث وهو في صحيح مسلم([14]) وغيره، فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك والأمر المتمسك به شيئًا واحدًا، وهو باطل)).([15])

ولذلك فتعميم القول في أهل البيت ليشمل كل أمة الإسلام، قول غير صحيح وغير مقبول.

نعم يصح أن يقال: إنَّ آله هم كل أمته، بتفسير الآل على معنى الأتباع والأنصار، لا أنهم من أهل بيته. وعليه يمكن أن يحمل قول القائلين بأنهم الآل، وخصوصًا إذا علمنا أنهم قالوا ذلك حين الكلام على تفسير معنى الآل حين الكلام على شرح حديث تعليم الصلاة على الآل أو صرحوا بأن مرادهم الكلام على الآل.

وهذا على المجاز سائغ ومقبول في اللغة، ويمكن أن يكون مقبولًا من الجميع.

انظر الحلقة التاسعة هــنا

([1]) قال في مختار الصحاح:376: الْوَلِيُّ ضد العدو، وكل مَن ولِيَ أمر واحد فهو وَلِيُّه، والموْلَى المعتِق والمعْتَق وابن العم والناصر والجار والحليف. وانظر: مفردات الراغب:533، لسان العرب:15/405.

([2]) الرازي:18/3، القرطبي:9/46، ابن كثير:4/325، الألوسي:12/68، التحرير:12/84. وفي تاريخ دمشق:62/265: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ قال: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

([3]) السنن الكبرى للبيهقي، سبق تخريجه، ص40.

([4]) السنن الكبرى للبيهقي:2/152

([5]) أحمد، سبق تخريجه.

([6]) البخاري في الأدب المفرد:1/309، رقم:897. العِطْفُ: جانِبُ الرقبة. فتح الباري:1/158

([7]) البخاري: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب:3/1012، رقم:2602، مسلم: كتاب الإيمان باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214]:1/192، رقم:204

([8]) شعب الإيمان للبيهقي:3/151

([9]) الترمذي، سبق تخريجه، ص60.

([10]) ابن ماجه: كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:2/1043، رقم:3122. وحسَّن البوصيري إسناده في مصباح الزجاجة:1/456. فيه: عبد الله بن محمد بن عقيل الهاشمي، صدوق، في حديثه لين، ويقال إنه تغير بأخرة. تقريب التهذيب:1/530، تهذيب التهذيب:6/13.

((موجوء: الوجاء: رضّ الأنثيين(الخصيتين)، والإخصاءُ: سلُّهما)). فتح الباري:9/110.

([11]) شعب الإيمان للبيهقي:3/151

([12]) مسلم: كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصدقة:2/756، رقم:2531

([14]) هذه الرواية ليست في صحيح مسلم بهذا اللفظ. وإنما ورد حديث زيد بن أرقم، وقد سبق تخريجه، ص29.

([15]) نيل الأوطار:2/327

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا