الجمعة 22 رجب 1442 - 5 مارس 2021

فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء (15)

الأربعاء 8 جمادى الأولى 1442 - 23 ديسمبر 2020 184 العلامة محمد الغزالي
فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء (15)

الصلاةُ على المؤمنين كتابٌ موقوت، ترتبط بحركة الشمس الظاهرة، قبل الشروق بنحو ساعةٍ ونصف، ثم بعد ما تتوسَّط كبد السماء، ثم بعد ما تميل وتتضاعف الظلال، ثم بعد ما تغرب، ثم بعد ما يختفي الشفقُ الأحمر.

وكما يرعى المسلمون الشمس لضبطِ عبادتهم اليوميَّة، يرعون القمر لضبط فرائضِ الصيام والحج. 

إنَّ الزمن في حياتهم مطيَّة إلى الآخرة، وقد لفت النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنظارهم إلى الشمس في سمائها الصاحية، وإلى القمر وهو بدرُ تِمٍّ، وأشعرهم أنهم سوف يرون ربَّهم في الدار الآخرة بهذا الوضوح.

أفما ينبغي الاستعدادُ لهذا اللقاء بأعمال تنضر الوجوه وتجمل العقبى؟.

إنَّ أهم الأعمال أن يُذكر هذا الرب فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وألا تكون مخلوقاته حجاباً دونَه، أو عقباتٍ أمامَ ما يجب له.

وقد كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربَّاني الشعور والسلوك، يستغلُّ كلَّ شيء لتحية الله تعالى، وإعلان حُبِّه، وتقرير وحدانيَّته.

عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال: (الله أكبر، اللهم أَهِلَّه علينا باليمنِ والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحبُّ وترضى، ربُّنا وربُّك الله).

وفي رواية أنَّ نبيَّ الله كان إذا رأى الهلال قال: (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد. آمنت بالله الذي خلقك- ثلاثاً- ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا).

هذا قلب عابد يرصدُ الزمن الدوَّار، ليحمد مُقلِّب الليل والنهار، ويتفاءل بنعمة قادمة، ويشيع نعمة ذاهبة، إنَّ الزمن عنده هبة مبذولة في طاعة الله تعالى، وهو ما يُضيِّعُ من هذا الزمن السائر لحظة في لهو أو غفلة، إنَّه في صلاة، وصيام، وجهادٍ، وسعي دؤوب لقيادة الخلق إلى الله.

والناس إذا ذكر الصيام يذكرون رمضان، لأنَّه شهر الفريضة، ولكن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم حتى يُقال: ما يفطر، وقلنا: إنه كان في رمضان يواصل الصيام أحياناً فما يفطر عند الغروب وهذا من خصائصه التي تفرَّد بها.

وكلماته صلى الله عليه وآله وسلم عندما يفطر تدلُّ على نوع المعاناة التي كان يحسها في صيف يجفِّفُ لهيبُه الحلوقَ، ويرهق الأبدان. 

فعن ابن عمر رضي الله عنهما: كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله).

وقد يقول (اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت).

وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: (إنَّ للصائم عند فطره لدعوةً ما تُردُّ) قال ابن مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو- راوي هذا الحديث ـ إذا أفطر يقول: (اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي).

سمعتُ مُتحدِّثا كأنه يعتذر عن مناسك الحج، يقول: إنَّ الله يختبرنا بما نعقل حكمته، وبما لا نعقل حكمته، لتظهر طاعتنا في هذا وذاك!.

قلت: تعني أنَّ المناسك التي كلَّفنا بها في الركن الخامس غير معقولة؟ فسكت تهيباً، ثم قال: ذاك ما أريد، وأنا أطيع الله جلَّ وعزَّ في كل ما يكلفني به.

قلت: إنَّ هناك أموراً كثيرة لا صلة لها بقضايا العقل، لا سلباً ولا إيجاباً، ووصفها بأنَّها (لا معقولة) غير صحيح. فنحن نكتب لغتنا العربية من اليمين إلى اليسار، وأسرة الدول الغربية تكتب لغاتها من اليسار إلى اليمين، هذه أوضاع لا توصف بأنَّها مع العقل أو ضدّه، هذه شؤون تواضع الناس عليها، ومن حقهم ذلك دون مَلام على ما سَاروا فيه، واختاروه لأنفسهم. 

عند استعراض الجيوش يُكلَّفُ الجند بأداء التحية على نحو معين، فيرفعون السلاح بحركة خاطفة، ثم يصوبونه إلى إحدى الجهات، ثم يردونه إلى أخرى، ثم يستقرُّ على مناكبهم، ثم يتَّجهون صوبَ منصة القائد برؤوسهم...إلخ، ما هذا؟ أمورٌ تواضع الناس عليها، يمكن أن نرفض منها ما ينبو عن الذوق اللطيف، وبمكن أن نستملح ما يوائمُ طباعنا، ولا صلة لهذا كله بقضايا المنطق العقلي.

إنَّ الإسلام يرفض ما يخالف العقل والفطرة، ولكنه لا يعترض المسالك البعيدة عن هذا المجال إلا إذا خدمت باطلاً!.

قال: تقصد أنَّ أفعال الحج من هذا القبيل السائغ؟ قلت: نعم.

قال: لماذا يكون الطواف سبعة أشواط مثلاً؟ قلت: السؤال الدوري يسقط تلقائياً، لأنه لو كان أقل أو أكثر لتكرَّر السؤال. لماذا كان اسمك فلاناً، ولم يكن فلاناً؟ إنه سؤال دائر لا نلتزم له بإجابة، ومع ذلك فإنَّ أفعال الحج في جملتها معقولة، ولها حِكَم بيِّنة.

من حقِّ الإنسانيَّة أن تعتز بذكرياتها القديمة، وأن تحيط هذه الذكريات بأسوارٍ من المهابةِ والتقديس إذا كانت تتصل بعقائدها وقيمها.

ومناسك الحجِّ جزءٌ من تاريخ جليل، ومَفاتحٌ لخزائن من الروحانيَّة الدافقة والعاطفة الجيَّاشة، ومن ثَمَّ كان الارتباط بها ركنا في الدين: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

ويحتاجُ هذا الكلام إلى شرح معقول! لماذا تنطلق قوافلُ البر والبحر والجو صوبَ البيت العتيق، مُقبلة من القارَّات الخمس، وفي الأفئدة شوق وفي العيون بريق؟ 

الحقُّ إنَّ البيت المقصود جدير بهذا الإعزاز كله، فقد بناه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ليكون حصناً للتوحيد ومُلتقى للركع السجود، بعدما اشتبك عليه السلام مع الوثنيَّة الأولى في صراع حياة أو موت، وقد انتصر سيدنا إبراهيم في معركة الوحدانية، ورفع هو وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعدَ هذا البيت توكيداً للنصر، ومُراغمة للكفر: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ٩٦ فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[آل عمران:69-97].

إنَّ المسجد الأول في العالم جدير بأن تُشدُّ إليه الرحال، وأن تجيء إليه الوفود بين الحين والحين لتؤدي له التحيَّة. 

وكل مسجد يُبنى في المشارق والمغارب بعده ينبغي أن يرتبط به وأن يتجه إليه، ولذلك كان هذا المسجد المحترم قبلة للمؤمنين كافة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...﴾ [البقرة: 150].

وشيء آخر في تاريخ الإنسانيَّة يشدنا نحن المسلمين خاصَّة إلى هذه الكعبة المشرفة، إنَّ أمَّتَنا الكبيرة كانت أملاً عندما بدأ هذا البناء، وإنَّ رسالتنا الخاتمة كانت دعوة حارَّة عندما برزت هذه القواعد.

كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يقولان: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ١٢٨ رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ﴾[البقرة:128-129]. 

إننا نحن الذريَّة المسلمة المعنيَّة في هذا الدعاء، وإنَّ رسولنا الخاتم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو والدنا الروحي والثقافي وصاحب أطهرِ أنفاسٍ حنت على العالم، وألهمته رشده. أفلا نرتبط بعدئذ بهذا البيت، ونزوره ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً؟ ما أعظم الذكريات التي تحفُّ به! وما أوفى الوفود التي طوت الأبعاد لرؤيته، والتزوُّد من خيره وبرِّه!.

ونحن نحيي البيت العتيق بالطواف حوله والصلاة إليه، نجعل الحجر الأسود إلى يسارنا ثم نلفُّ سبع مرات، أو سبعة أشواط. وماذا نقول خلال ذلك؟ نقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر. وندعو بما نشاء من حوائج الدنيا والآخرة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] والبشر فقراء إلى الله تعالى، وهو صاحب الخزائن التي لا تنفد.

كلهم سائل وأنت مجيب = تلك نعماك ما لها من نفادِ! 

بعض الحمقى من المبشرين يظنُّ للمسلمين علاقاتٍ ماديَّةً بالكعبة، وبالحجر الأسود خاصَّة، وهذا ظنٌّ ما يبوءُ إلا بالسخرية والضحك، فإنَّ التوحيد الذي يعمر قلوبَ المسلمين طراز من اليقين الحرِّ لا نظير له في الدنيا، والهتاف الذي يسود مواكب الحجيج منذ تحركها النبيل هو: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك..).. 

وهو هتاف يزداد هديرُه كلما عَلوا ربْوَة، أو هبطوا وادياً، أو لاقوا جمعاً، وكلما أظلتهم هدأة الليل، أو سكينة الآخرة.. 

ويشعر الملبي أنَّ الكون كلَّه يتجاوبُ معه مصداق ما ورد في الحديث: (إذا لبَّى الحاج لبَّى ما عن يمينه ويساره من شجر، وحجر، ومدر، حتى مُنقطع الأرض من ها هنا، وها هنا).

ولا عجب أنْ يتجانس الكون المسبِّح بحمد الله سبحانه مع إنسانٍ انخلع عن نفسه، وانطلق في سفرٍ صالح يبغي مرضاةَ الله تعالى. 

وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يُريد سفراً إلا قال حين ينهض من جلوسه: (اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اكفني ما أهمني وما لا أهتم به. اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد).

إنَّ الحاجَّ إنسانٌ متبتِّل إلى الله، مُتلهِّف على رضاه، مُتطلِّع إلى مثوبته متخوِّفٌ من عقوبته، يتحرَّك كل شيء في بدنه بمشاعر الشوق والرغبة والحب، ولا أعرف جمعاً أهلاً لرحمة الله ومغفرته كهذا التجمع الكريم. 

والسعي بين الصفا والمروة يقع عادةً بعد الطواف، وشعائر السعي تجديد وتخليد لمشاعر التوكُّل على الله تعالى، كما استقرَّت في قلبِ (هاجر) أمِّ إسماعيل، وكما استقرت في قلب رجُلِها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. 

يتبع 

الحلقة السابقة هـــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية 1400 هـ.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا