السبت 2 جمادى الآخرة 1442 - 16 يناير 2021

فنُّ الذكرِ والدعاءِ عند خاتم الأنبياء (9)

الاثنين 14 ربيع الثاني 1442 - 30 نوفمبر 2020 82 العلامة محمد الغزالي
فنُّ الذكرِ والدعاءِ عند خاتم الأنبياء (9)

متاعب الدنيا:

البشرُ محكومونَ بقوانينِ اللذَّة والألم، قد يضعفون مع المتاعب إلى حدِّ الهوان وقد يشتدُّون مع المنافع إلى حدِّ الطغيان؟ والمطلوب من المؤمن الكيِّس ألا يَزيغ، وألا يطغى، وأن يظلَّ مُتماسكاً على حاليه كلتيهما.

وهو ما بقي حياً لن يستريح من اختبار بعد اختبار، وتلك طبيعة الفترة التي نقضيها في هذه الدنيا.

والآلامُ تكشفُ الضعفَ الإنساني، وتدفع العاقلَ دفعاً إلى الوقوف بباب الله تعالى يطلب العافية، ويرجو رحمةَ ربه، ومطلوبٌ من المؤمن أن يلجأَ إلى الله في كل ما ينوبه، ولو كان تافهاً، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليسترجع أحدكم في كل شيء حتى في شسع نعله، فإنها من المصائب)- والشسع رباط الحذاء.

والمقصود من ذلك أن يُعوِّل المسلم في شؤونه كلها على معونةِ الله سبحانه، وألا يتصوَّر انقضاءَ شيء منها دون إذنه تعالى، ولو كان لا يُلقي له بالاً، فإنَّ مصالح المرء صغراها وكبراها مرهونة بالتوفيق الأعلى.

فإذا عَظُمَ الخطبُ اشتدَّ إلى الله فزعه، وطالت ضراعته. فعن ثوبان أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا راعه شيء قال: (هو الله، الله ربي لا شريك له)، وكان يعلم أصحابه عند الفزع هذه الكلمات: (أعوذ بكلمات الله التامَّة من غضبه، وشرِّ عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون).

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرقاً أصابني فقال: قل: (اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني). فقلتها، فأذهب الله عزَّ وجل عني ما كنت أجد.!

وظاهر أنَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يتأوَّل آية الكرسي، أعني كلماتها الأولى، فيستوقف المرء الفقير إلى النوم، والاستغراق أمام الملك الذي يدبِّر ما سكن في الليل والنهار، ولا يغفل لحظة..

وعندما يقف الإنسان في إطار ضعفه أمام ذي العِزَّة والملكوت، فإنَّه يعود مليء اليدين بالخير.

وقد أمرنا أن ندعو الله بأسمائه الحسنى، والله يحبُّ أن يُمدح، ولذلك جاء في الحديث: (ألظّوا - ألحوا - بياذا الجلال والإكرام).

وقد ذكرنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بالله، وأتقاهم له، وأبصرهم بمجالي أسمائه الحسنى في آفاق الكون والحياة، وأسرعهم إلى ما تتطلبه من مشاعر الصبر والشكر، والتحية والحمد.

ويظهر لمؤرخي السيرة الشريفة أنَّ التجارب التي مرَّ بها قبل البعثة وبعدها أنضجت الكمال الإنساني في شخصه صلى الله عليه وآله وسلم إلى حدٍّ لا يتكرَّر في الدنيا، على أنَّ أحداً من الخلق ـ مهما كان قدرُه ـ لا يفرض صداقته على الله، بل الله هو الذي ـ إذا شاء ـ أحبَّ واصطفى.

وعندما يحب ويختار يسوق الأحداث التي ترفع القدر، وتزيد الأجر، ويغلب أن تكون جسيمة فادحة تنفي الراحة، والقرار الناعم.

ومن هنا بدأ النبيُّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم حياته يتيماً يحتاج إلى الكافل الحاني، ولكن الله سبحانه آواه، وبدأ حائراً لا يبصر المنهج، ولا يدري من حكمة الحياة شيئاً، ولكن الله تعالى علَّم وهدى، وبدأ فقيراً يكدح ليحيا، ويضرب في أرجاء الأرض ليصون وجهَه وعِرضه، ولكنَّ الله جلَّ وعلا أغنى.

وفي صفة هذه البداية وفي تقرير ما يترتَّب عليها يقول الله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} [الضحى:6-11].

والنعمة الوسطى بين هذه النعم الثلاث، الهُدى بعد الضلال ـ كما عبَّر السيد وهو يخاطب عبده ـ احتاجت إلى سورة لتوضحها، وتكشف حقيقتها، وهي سورة الانشراح، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم نشأ في بيئة أثقلتها الجاهلية بأنواع التخلف، ومع ما فيها من سوء فهي أزكى وأسلم من البيئات التي ملأها أهل الكتاب بالتزوير والغشِّ.

وقد عاف النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مآثرَ الجاهلية، كما رفض شرود النصارى واليهود، فما عساه يصنع؟ لا شيء... لقد اعتزل بفطرته النقيَّة بعيداً، ضائقاً بأحواله وأحوال الآخرين، فهو ما يَستطيع أن يُسدي لأحد علماً، ولا لنفسه، فمن أين له؟.

والإنسان ذو الجوِّ المرهف تشقيه أزمات الضمير والفكر، وتجعل الحياة في عينه أضيق من سمِّ الخياط، وما يعزيه متاع الدنيا كلها لو أتيح له، كذلك كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى فجأه الوحي.

وفي ذلك يقول الله تعالى له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1] ؟ بفيض الحقائق الأدبيَّة التي ألهمتها؟ ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2] ؟ انزاح الحمل الثقيل الذي كان يبهظك وأنت مُستوحش حائرٌ مُنقطع؟ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: 3] لقد كنت بهذا الحمل تهرب من المجتمع، وتأسى لنفسك ولغيرك، وتألم لعجزك، وغربتك عما حولك.

ثم اجتباك الله.. ومن أرفع ممن يختاره ربُّ الأرض والسماء ليهديه ويهدي به العالمين؟ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].

وسُنَّة الحياة كذلك، الجدُّ والجهدُ والتصبر يتبعها الثمر: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗ﴾[الشرح: 5-6].

والمطلوب منك ـ بعد ـ إذا فرغت من العمل أن تستأنف العمل، لا مجال للراحة: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾[الشرح:7-8].

هكذا رأينا الإيواء بعد اليُتم، والهداية بعد الحَيرة والتوقف، والغنى بعد العَيْلة.

والمعاناة التي ظهرت في حياة النبيِّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم جعلته دقيقَ الإحساس بآلام الناس، فهو يحزن لها، ويسارع إلى تجفيفها، أو تخفيفها، وكان حقه شاملاً لمختلف الآلام المادية والأدبية، فهو يودُّ أن ينفيها كلها عن حياته، وحياة غيره.

ومن الذي يقصد وجهه ويلتمس حماه عند هجوم البأساء والضراء؟ الله تعالى وحدَه، إنَّه الحرز الآمن، والمأوى الحصين، ومن ثَمَّ ذَكَرَه ودعاه بإلحاحٍ وأدبٍ.

وهو عندما يجأر بأسماء الله الحسنى يُعلِّم الألوف المؤلفة أنَّ هذا هو الطريق فاسلكوه، هذا هو الأمل فانشدوه ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].

يتبع 

الحلقة السابقة هـــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية 1400 هـ.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا