الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

المشروع الإيراني الصفوي في المنطقة العربية (3)

الثلاثاء 28 ربيع الأول 1441 - 26 نوفمبر 2019 63 عباس شريفة
المشروع الإيراني الصفوي في المنطقة العربية (3)

رابعًا: الأدوات الناعمة للمشروع الإيراني

أولًا: الثقافة 

نشطت إيران في المجال الثقافي والفني والأكاديمي، ووظفت حضورها في هذه الفضاءات لاختراق الإقليم العربي كلِّه، وعملت على استحداث المراكز الثقافية الإيرانية لتكون نقطة ارتكاز مباشرة لدعم الدبلوماسية الشعبية تعويضًا عن انسداد مجالات التواصل السياسي الفاعل خلال حقبة الحصار والعزلة الطويلة التي أعقبت الثورة الخمينية؛ لذلك عُدَّت إيران من أنشط دول العالم الثالث في الدبلوماسية الشعبية والاتصال بالمجتمع المدني.

ثانيًا: القيم السياسية

النظام السياسي الإيراني من أعقد الأنظمة السياسية في العالم، فهو يجمع بين الدولة الثيوقراطية والنظام الديمقراطي الحديث، علاوة على أنه يتكون من منظومة معقدة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي تشارك وتؤثر في عملية اتخاذ القرار(1)، ومنذ قيام الثورة الخمينية لم يتداول منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية سوى شخصين: الأول الخميني وبوفاته جاء خامنئي، وفي النظام السياسي الإيراني نجد ثنائية المحافظين والإصلاحيين التي تشبه ثنائية الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة مع الفارق الديمقراطي بين التجربتين.

ثالثًا: السياسة الخارجية

يرى عباس مالكي أن السياسة الإيرانية الخارجية مشغولة بثلاثة مستويات: الأول ضمان طريق النفط والغاز عبر طريق هرمز، والثاني تهيئة جميع السبل لدعم التنمية داخل إيران، والثالث الاستدارة شرقًا نحو الجمهوريات الإسلامية الوليدة لضخامة المصالح بينهما.

وتغاضت إيران عن المحرك العقدي تمامًا إلى درجة مخالفة الدستور لأجل مصالحها عندما وقفت مع دولة مسيحية مثل أرمينية ضد أخرى مسلمة شيعية مثل أذربيجان في الحرب التي جرت بين البلدين مطلع التسعينيات، وقامت بتسليح أرمينية وأيدت احتلالها لإقليم ناغورنيكا رابخ(2).

رابعًا: التشييع

تشكِّل إيران مركز الجاذبية للشيعة ليس على المستوى المذهبي فقط بل على المستوى السياسي أيضًا؛ فالسياسة والدين متمثلان في الولي الفقيه المرشد الأعلى الذي يمتلك قوة ناعمة هائلة بحكم الموقعَيْن لدى أتباعه المنتشرين داخل إيران وخارجها، وهم يقومون طوعًا بخدمة مصالح الدولة الإيرانية نظرًا لطبيعة العلاقة الدينية التي تربطهم بتبعية الولي الفقيه؛ وذلك لارتباط الديني بالسياسي بشكل وثيق نظرًا لكون الأخير قائدًا سياسيًّا لإيران إلى جانب كونه مرجعًا دينيًّا.

وتعمل إيران على نشر فهمها للنموذج الشيعي المتمثل بولاية الفقيه (تشيع قومي فارسي) حول العالم، وتُعلي من شأن "قم" بصفتها إطارًا مرجعيًّا مقابل "النجف" لتخريج أئمة موالين لها يعملون سفراء لقوتها الناعمة، وينشرون رسائل إيران الدينية والثورية والإعلامية والثقافية والسياسية.

وعلى عكس الأداة الثقافية فإن أداة التبشير الشيعيِّ تركز على الخليج العربي الذي يحتل الأولوية في الاستراتيجية الإيرانية العشرينية "إيران 2025"، وساعد ذلك على تقوية موقع "قم" في اجتذاب أبناء المنطقة، ويبدو ذلك واضحًا في تركيبة البيت الشيعي اللبناني الذي تحول جزء كبير منه من مرجعية النجف إلى "قم" خلال أقل من عقدين، ناهيك عن أن عدد الطلاب العرب الذاهبين إلى "قم" ازداد مقارنة بما كان عليه سابقًا؛ فعدد البحرينيين في "قم" مثلًا زاد عن نظيره في النجف بخمسة أضعاف تقريبًا عام 2009م.

وتسعى طهران لتوحيد الأقليات الشيعية تحت رايتها أينما وُجدت، وتستخدم لنشر التشيع في بيئات أخرى كل ما يساعدها على توسيع نفوذها من المصطلحات كالوحدة الإسلامية والتضامن الإسلامي والتسامح والحوار؛ فينعكس مكسبًا سياسيًّا لها(3).

خامسًا: المتاجرة بالقضية الفلسطينية 

لا يمكن إنكار ما تقدمه إيران من دعم للقضية الفلسطينية بغض النظر عن المكانة التي تبحث عنها إيران من خلال تقديم هذا الدعم، وتنوع هذا الدعم بين الدعم المادي والمعنوي والرسمي والشعبي، ورغم ذلك كشف استطلاعُ رأيٍ للنخبة العربية أجراه مركز الجزيرة للدراسات أنَّ أغلبية العيِّنة ترى أن إيران تستغلُّ القضية الفلسطينية ولم يعد لحديثها عن فلسطين أي مصداقية، فقد وافق 88 % منها على أن إيران تستغل القضية الفلسطينية لتعزيز نفوذها في العالم العربي وعارض 12 % هذه الفرضيةَ(4).

وتمتلك إيران إمبراطورية ضخمة من الشبكات الإعلامية التي تخاطب العالم العربي عبر قنوات فضائية وصحافة وإعلاميين ورموز ثقافية، وتعتمد أيضًا على المراكز الثقافية والملحقيات الثقافية.

خامسًا: القوة الصلبة الإيرانية في المنطقة العربية

تعتمد إيران في قوتها الصلبة على شبكة كبيرة من الخلايا والمليشيات الشيعية الطائفية، فهي تأتمر بأمر الولي الفقيه الإيراني وتشكل حالة مسلحة خارج سيطرة الدولة، وأحيانا تتحول هذه المليشيات إلى قوة مسيطرة حتى على الدولة نفسها، وتتم شرعنة وجود مثل هذه المليشيات بحجة محاربة الإرهاب تارةً وبحجة المقاومة والممانعة تارة أخرى، وأهم هذه الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية:

حزب الله الشيعي اللبناني:

تأسس حزب الله عام 1982 نتيجة انشقاق التيار الخميني في حركة أمل الشيعية إثر انضمام الأخيرة إلى جبهة الإنقاذ اللبنانية الوطنية، التي تضم مختلف القوى السياسية اللبنانية التي رفضتها إيران حينذاك؛ لذلك قرر الخمينيون في الحركة الانشقاق وتأسيس الحزب، ففي بيان صادر عن الحزب في 16 /شباط/ 1985م أن الحزب "ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة".

إذًا إنَّ حزب الله مؤسسة عسكرية أمنية سياسية دينية من المؤسسات الإيرانية في لبنان، وعين مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي كلًّا من "حسن نصر الله" الأمين العام للحزب والشيخ "محمد يزبك" عضو شورى حزب الله والمدرس في حوزة الإمام المنتظر في بعلبك وكيلَيْنِ شرعيين لمرشد الثورة الإسلامية في لبنان، وهناك عشرات الخطابات للأمين العام للحزب حسن نصر الله يقر فيها بأنه جندي صغير في جيش ولاية الفقيه علي خامنئي، ومن أهمها قوله: "إن رواتب حزب الله وصواريخه ومصروفاته كلها مصدرها الجمهورية الإسلامية، وما دام هناك أموال في إيران فنحن عندنا أموال"(5).

ميليشيا الحوثي:

تأسست الميليشيا تحت اسم "جماعة أنصار الله" عام 1992، وبدأت نشاطًا عسكريًّا مسلحًا منذ عام 2004 بالدخول في ستة حروب ضد الجيش اليمني حتى عام 2010؛ ووجدت إيران في الحوثيين منذ زمن بعيد أداة قوية لتنفيذ مشروعها في اليمن، فأمدتهم بالسلاح حتى استطاعوا استغلال الوضع الأمني الهش عام 2014م، وانقلبوا على السلطة الشرعية المنتخبة لتدخل البلاد في دوامة من العنف.

الميلشيات الشيعية في العراق:

ويأتي على رأسها قوات الدفاع الشعبي وعصائب أهل الحق وسرايا السلام وكتائب بدر، وقد شاركت جميعها في الحرب بسورية، و"الدفاع الشعبي" هي البذرة التي خرجت من نواة كتائب حزب الله، وتنتشر الآن في مدينتي بغداد وديالَى، وتعتمد عليها الحكومة العراقية اعتمادًا كبيرًا؛ أمَّا "عصائب أهل الحق" فهي الوكيل الرسمي لتصدير الإرهاب الإيراني إلى العراق، وهي التي أعلن زعيمها الشيخ قيس الخزعلي الانفصال عن رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر؛ وأما "سرايا السلام" فهي التي تتبع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، وتُسمَّى الآن بالتيار الصدري، وتنتشر في جميع أنحاء العراق بدءًا من مدينة سامراء إلى قرية آمرلي، وصولًا إلى مدينة جرف الصخر وديالَى في الشرق، وأمَّا "منظمة بدر" فهي جماعة مسلحة تحظى بدعم طهران لتطوير الميليشيات الشيعية، وتشارك في القتال بسورية حيث أسست قوة "الشهيد باقر الصدر"، وتتجه الحكومة العراقية إلى دمج هذه المليشيات داخل الجيش العراقي ليصبح وجود هذه الأذرع رسميًّا في الحكومة العراقية.

الميليشيات الشيعية في سورية:

سيأتي الحديث عنها في العنوان اللاحق ضمن توصيف المشروع الإيراني في سوريا.

العدد السادس من مجلة ( مقاربات) التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري 

الحلقة الثانية هـــنا

 

(1) الدستور الإيراني.

(2) القوة الناعمة في المنطقة العربية، دراسة صادرة عن مركز التفكير الاستراتيجي، مجموعة من الباحثين، صفحة 214 . 

(3) مركز الجزيرة للدراسات، علي حسين باكير, 17 أبريل, 2013، الرابط http://cutt.us/zmp6Z

(4) - إيران في ميزان النخبة العربية، http://cutt.us/wUVBr

(5) مؤسسات النفوذ الإيرانية في سورية، حسام السعد وطلال المصطفى https://harmoon.org/archives-12744/8432/

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا