الجمعة 22 ذو الحجة 1440 - 23 أغسطس 2019

أبرز مثارات الغلو في فكرنا الإسلامي (3-7)

السبت 27 جمادى الأولى 1440 - 2 فبراير 2019 203 حسن الخطاف
أبرز مثارات الغلو في فكرنا الإسلامي (3-7)

2. عدم التمييز بين أصول الدين وفروعه:

هذه المسألة في غاية الأهمية، وهي ضرورة ضبط أصول الدين وفروع أصول الدين، فالخلاف الذي حصل بين المدارس الفكرية الكلامية من معتزلة وقدرية وأشعرية هو خلاف في فروع أصول الدين وليس في الأصول. 

فأصول الدين- التي أقصدها هنا- هي ما كان من شاكلة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بشمولية علم الله تعالى بأنه لا يخفى على الله تعالى شيء في الأرض ولا في السماء، وأنَّ الله قادر على كل شيء، ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والإيمان بوحدانية الله تعالى وبقائه وأنه لا أوّل لوجوده، وأنَّ الكل سيموت ويبقى هو سبحانه الحيُّ الذي لا يموت، وأنَّ الكل سيُبعث يوم القيامة، والإيمان ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء، وأنَّ هناك حسابًا وجنة ونارًا، والإيمان بوجود الملائكة والجن... فهذه من أصول الدين، ولم يقع فيها خلاف ألبتة بين المذاهب الإسلامية المحسوبة على المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والإباضية.

لكن وقع الخلاف في مسائل من فروع أصول الدين، والتي لا يخرج صاحبها عن مِظلَّة الإسلام.

وعليه فضابط الأصول الذي نقصده هنا هو كُلُّ ما ورد في نصوصٍ قطعية الثبوت والدَّلالة، مما لا يجوز البتة الجهل بها وكان متعلقها بأصول الدين، يقول الإمام أبو حامد الغزالي عند حديثه عن المُكفِّرات: (أن ينكر أصلاً من أصول الشرعيات المعلومة بالتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقول القائل: الصلوات الخمس غير واجبة... وإنه لو أنكر غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم المتواترة، أو أنكر نكاحه حفصة بنت عمر، أو أنكر وجود أبي بكر وخلافته لم يلزم تكفيره لأنه ليس تكذيباً في أصل من أصول الدين مما يجب التصديق به، بخلاف الحج والصلاة وأركان الإسلام، ولسنا نكفره بمخالفة الإجماع، فإن لنا نظرة في تكفير النَّظَّام المنكر لأصل الإجماع، لأن الشبه كثيرة في كون الإجماع حجة قاطعة) (1) أي تلك الأحكام التي لا تحتاج إلى نَظَرٍ واستدلال لوضوحها، فيكون معنى الأصل هنا مساويًا تمامًا لمصطلح النَّص عند الأصوليين من جهة الدَّلالة، ويزداد عليه من جهة الثبوت بحيث يكون قطعي الثبوت، لا يتطرق إليه شكٌ، وهذه لا تكون من جهة الثبوت إلا في القرآن الكريم وما تواتر من السُّنة النبوية.

والعلاقة واضحة بين المعلوم من الدين بالضرورة وأصول الدين، فما كان من أصول الدين ينبغي أنْ يدخل تحت مُسمَّى المعلوم من الدين بالضرورة، وعلى هذا تكون العلاقة بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكلُّ ما كان من أصول الدين فهو معلوم من الدين بالضرورة، وليس كُلُّ ما هو معلوم من الدين بالضرورة داخلًا في أصول الدين، فحُرمة الزنا والظلم... وما كان على هذه الشَّاكلة وإنْ كانت معلومة من الدين بالضرورة فليست من مباحث علم العقيدة، وإنْ كان من حيث الأثر المترتب عليها يكفر مُستحلهما وَفقًا لمناهج المتكلّمين والأصوليّين.

والمقصود بالضرورة أنَّ العلم بها لا يتوقف على نظر واستدلال ومقدمات وأسباب، بل معلوم وجوبه أو حرمته لعامّة المسلمين.

خطورة الخلط بين الأصول والفروع: 

خطورة عدم التمييز بين الأصول والفروع أمران:

الأول: أنَّ الله تعالى لم يطلب منا فعل الفروع كما طلب منا فعل الأصول، سواء من جهة الاعتقاد أو من جهة العمل، وبالتالي فمكانتها هي أدنى من الأصول، وعدم التمييز بينهما يجعلهما في مرتبة واحدة. 

الثاني: أنَّ الحق في الفروع مُتعدد، والمجتهد فيها بعد التَّمكن من أهلية النظر مصيبٌ، فإن أصاب الحق في علم الله تعالى فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وذلك مشروط بقصد الوصول للحّق واستكمال أهلية النَّظر، وبذل الجهد واستفراغ الوسع في المسألة المنظور فيها، وهو ما درَسه الأصوليون ووضعوا له ضوابط. 

والخلط بين الأصول والفروع قد يؤدي إلى تأصيل الفروع، وتفريع الأصول، ومن حق الأصل أن يبقى أصلًا فلا يُفرَّع، ومن حق الفرع أنْ يبقى فرعًا فلا يؤصَّل، والأمثلة على ذلك من واقع الفكر الإسلامي كثيرة وخاصة بين المذاهب العَقَدية، كما أنَّها في واقعنا كثيرة، ويمكن أنْ نأخذ أمثلة من واقع داعش؛ إذ أصبحت كثيرٌ من الفروع أصولًا في نَظَرهم، ويتوقف عليها محددات الولاء والبراء والهزيمة والنصر، من ذلك على سبيل المثال السَّعي إلى طمس القبور المرتفعة، وفرض تقصير اللباس بالقوة.

وبمقابل ذلك تأتي ردة الفعل بتمييع الأصول وتفريعها، وخير دليل على هذا المؤتمرات التي تُعقد بهدف الدعوة إلى وحدة الأديان، وأنّ الحق في الأديان متعدد، وأنه لا يوجد هناك حق مُميز البتة، فكل ما يراه أصحاب الأديان المتعددة هو حق، ومؤدى ذلك أن تكون الأديان عبارة عن خليط عجيب قابل لجميع الألوان الصحيحة والفاسدة، فما أراه أنا فيما يتصل بإيماني ونظرتي إلى الحياة والكون والخالق والرسل والغيبيات هو حق، وما يتصوره الآخر من إنكاره للوحدانية والرسل والغيبيات هو حق أيضًا، وبالتالي يتساوى من يعبد الله مع من يعبد البقر في صحة التَّصور.

لكنَّ عقيدتنا أنَّ المسلم على حق في التصورات وغيره على باطل، وهذه عقيدة لا تَزحْزُح عنها، على أنَّه ليس من لوازم ذلك ولا من فرعيّاته، - بل ولا قال أحد ممن يُعتد برأيه - أنّ امتلاك المسلم للحق، هو مسوغ له في الاعتداء على الآخرين أو النيل منهم باعتبار أنهم لا يملكون هذا الحق، فمن بدهيات ما يتعلمه المسلم قول الله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: آية 256]، ((مَن قتَلَ معاهداً لَم يَرَحْ رائحةَ الجنةِ، وإنَّ ريحَها يُوجَدُ مِن مسيرةِ أربعينَ عاماً)) (2).

التمييز بين الفروع والأصول ليس تقليلًا من شأن الفروع:

التمييز بين الأصول والفروع ليس تقليلًا من شأنِ الفروع، ولكنَّه تمييز منهجي علمي ضروري لحماية الأمة من التصورات والمعتقدات الخاطئة التي تؤدي إلى التَّكفير والقتل في مسائل لا تستلزم ذلك، مما يؤثر في كيان الأمة ووحدتها. 

استنادًا إلى ما سبق، يمكن القول جازمًا - اعتمادًا على الاستقراء- إنَّ كل مسألة وقع الخلاف فيها بين الأشعرية والماتريدية، أو بين السَّلف والخلف، أو بين أهل السنة والمعتزلة، أو بين أهل السنة والخوارج، هي من فروع أصول الدين وليست من أصولِ الدين بالمعنى السابق الذي شرحناه لمفهوم أصول الدين، ويمكننا أن نمثل لذلك بالاختلاف الحاصل في الصفات.

الاختلاف الحاصل في الصفات الذاتية:

هناك اختلاف في بعض المسائل المتصلة بالإلهيات، منها: هل توجد صفات ذاتية لله تعالى كصفة تُسمى صفة القدرة مثلا أم لا؟ اتفق المعتزلة وأهل السنة على أنَّ الله قادر، ولكن وقع الخلاف بينهم هل الله قادر بقدرة؟ أم قادر بذاته من غير صفة تُسمى صفة القدرة، بالأول قال أهل السنة (3) وبالثاني قال المعتزلة (4)، وهكذا في بقية الصفات، والحق في المسألة مع أهل السنة، ولسنا بحاجة إلى عرض أدلتهم، نَظَرًا لوضوحها، كما أن هذا الموطن ليس مناقشة لخصومهم، فالمسألة - وهذا ما نقصده - ليست من أصول الدين بل من فروعه، وهذا ما رُمْنا الوصول إليه، ولكنْ كونها من الفروع لا يمنع من الحكم على قائلها بالخطأ، وإنما المقصود أنْ لا يرقى ذلك إلى الحكم بالتكفير واعتبار ضرر هؤلاء على الدين أكثر من ضرر المجوس أو اليهود والنصارى، أو مساوين لهم في الحكم.

المصدر : العدد الرابع من مجلة مقاربات التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري 

تنظر الحلقة الثانية هنا 

===-

(1) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، وضع حواشيه: عبد الله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1424 هـ - 2004 م، ص:136

(2) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم، رقم: 1378

(3) انظر: أبو منصور الماتريدي، التوحيد، تح: فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية ص:45، الأشعري، اللمع، ص:26 ، الباقلاني، تمهيد الأوائل، ص:299، الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص:87

(4) انظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص:155

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا