الأربعاء 4 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

رحلة الحج (4)

الخميس 27 ذو القعدة 1439 - 9 أغسطس 2018 150 محمد أكرم الندوي
رحلة الحج (4)

يوم الاثنين 24 من ذي القعدة سنة 1439هـ

تفسير سورة الفيل:

وممَّا درست لهم اليوم في تفسير سورة الفيل للعلامة حميد الدين الفراهي رحمه الله:

وأما "في تضليل" فمعناه إنه ذاهب في طريق الضلالة، قال تعالى: "وما كيد فرعون إلا في تباب" (غافر 37)، والتباب صورة الضلال، أي يذهب شذر مذر فلا يبقى منه في يده شيء، وبيَّن الله تعالى هذا المعنى في قوله: "ومثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد". (إبراهيم 18).

وأما "أرسل عليهم" فـ "على" ههنا جامعة لمعنى العلو والضرر، كما قال تعالى: "إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا" (القمر 19)، وأيضًا: "أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين" (مريم 83)، وهذا كما يقال: أرسل الكلب على الصيد.

وأما "الطير" فعند الأكثرين اسم جمع، مثل ركب وصحب، وعندي اسم للصنف، فإنه يطلق على الواحد أيضًا، قال تعالى حكاية لقول عيسى عليه السلام: "أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله" (آل عمران 49)

وأما "أبابيل" فجمع من غير واحد، كالعباديد، وقيل: جمع إبالة، والأبابيل جماعة من الخيل والطير وغيرهما.

وأما الحجارة فقالوا: إنها جمع حجر، وعندي إنها اسم للصنف، قال تعالى: "قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم" (الإسراء 50-51).

وقال الفراهي في تعيين المخاطب بهذه السورة: اعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة، أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية ممَّن رآها، وهذا أسلوب خاص يطلق الواحد فيه على الجميع على سبيل الانفراد، وله أمثلة في كلام العرب والقرآن، وفي التوراة". ثم ذكر بعض الأمثلة وأدلته على رأيه هذا.

وقال الفراهي في بيان عمود السورة وربطها بالتي قبلها والتي بعدها: "ذكر في القرآن في السورة السابقة كل هُمَزة لُمَزة مفتخر بماله، ذاهل عن مآله، فدعا عليه بالويل، وأنبأه بأنه ينبذ في الحطَمة والنار الموقدة، ففي هذه السورة إشهادٌ على ما فعل بأمثاله حين اعتمدوا على قوة شوكتهم واجترأوا على الله".

وقال: "فاتَّضح ممَّا قدَّمنا أن عمود هذه السورة تمهيد وجوب الشكر لله تعالى بذكر ما جعل لأهل مكة خصوصا والعرب عموما من العز والكرامة بما حماهم وبلدهم ببركة هذا البيت المحرم، فجعل لذكر هذه النعمة سورة كاملة، فلم يذكر ما يتعلق به من الحكم أي "فليعبدوا رب هذا البيت" فجعله في سورة تالية".

بعض الآثار:

وخرجنا بعد تناول الفطور لزيارة أهم آثار المدينة المنورة على صاحبها ألف ألف تحية وسلام مارِّين بجبالها ومساجدها، وممَّا زرنا:

جبل أحد:

نزلنا في الوادي، وسلمنا على الشهداء، وقد زرت شهداء أحد غير مرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا الجبل يحبنا ونحبه"، وهذا الحديث يداعب شَغَاف قلبي، فما أروعه من قول في الإعراب عن التصافي بين الإنسان والجماد، وقد شهدت أرضه غزوة أحد، تلك الملحمة التي تعد توأم غزوة بدر، وقتل فيها أكثر من سبيعين من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كانت غزوة بدر يوم فرقان بين الحق والباطل، فإن غزوة أحد شهادة على أن الصدق لا يقاس بمقياس الغلبة والهزيمة الظاهرتين، الصدق مقياس يقاس به غيره، وهو نفسه لا يقاس بشيء، وكم من أنبياء الله والدعاة إلى سبيله قتلوا، غير منقوص مقامهم، ولا مزلزلة أقدام قوم مؤمنين ولا داخل عليهم ريب أومرض.

مساجد الخندق:

وزرنا موضع الخندق الذي شهد غزوة الأحزاب، ويعرف بالسبعة المساجد الواقعة على سفح جبل سلع الغربي، في الشمال الغربي للمسجد النبوي، ومن أشهرها: مسجد الفتح، مسجد سلمان الفارسي، ومسجد أبي بكر الصديق، ومسجد عمر بن الخطاب، و‎مسجد الفتح يُعَدّ أكبر المساجد السبعة، مبني فوق رابية غرب جبل سلع، وله عدة أسماء اشتُهر بها: "مسجد الأحزاب"، و"المسجد الأعلى"؛ لوجوده على جزء من جبل سلع، واسمه الآن "مسجد الفتح"، وصلينا فيه ركعتين.

مسجد قباء

يقع في الجنوب الغربي من المدينة المنوّرة، على بعد خمسة كيلو متراتٍ من المسجد النبويّ الشريف، قال تعالى في سورة التوبة: (لمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)، ذهب بعض العلماء إلى أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء، وذهب آخرون إلى أنه المسجد النبوي، وهذا القول الأخير هو الذي رجحته في بعض دروسي لسنن الترمذي، وليس هذا موضع تفصيله.

صلينا في المسجد ركعتين، وبقيت في موضع صلاتي أستعيد فضل الله عليَّ إذ وفقني للحج وزيارة الأمكنة المقدسة، والاستنارة بتاريخ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين، الذين صنعهم القرآن الكريم وهذَّبتهم صحبة خير خلق الله، ولقد طبعتُ على فرْط حبهم، وحبُّهم إيمان، ولا فرط في الإيمان، يندفع القياصرة والأكاسرة مغيرين لمغنم من الدنيا زهيد، وهؤلاء قد جعلوا مُغارهم لمعالي الأمور من الإيمان بربهم وأوضأ الأعمال وبيض الأخلاق، وهم أحلم السادات من غير ذلة، وأجود الأجواد من غير موعد، وأسبق السابقين لا يعلق الخلق شأوهم بسعي، علَّموا الدهر المثل العليا والقيم الرفيعة والصبر والتأني، وأثقلوه بالأنعم والعوارف، فدانت لهم الأيام وانضوت إليهم الليالي، رضي الله عنهم.

الشيخ محمد الرشيد:

كان شيخنا وأخونا المؤرخ الفاضل المسند محمد بن عبد الله آل الرشيد قبل سفري من بريطانيا قد أعرب عن رغبته أن يشرفني بالزيارة في المدينة المنورة، ولكن ضعف صحته منعه من السفر، عافاه الله وقواه، فتكرم عليَّ بالاتصال الهاتفي بالأمس، وحدثني عن كتاب له تحت التأليف بعنوان لطيف (المؤلِّف والمؤلَّف)، فأعجبني موضوعه، وحدثته اليوم عنه بشيء من التفصيل، فقال: يُعرف المؤلِف الحقيقي للكتاب بثلاثة أمور: استحضاره لبعض ما في كتبه، ومراجعاته في كتبه كخطأ أو وهم، والإحالة والإشارة بين كتبه.

وتحدث عن التعليقات المسهبة على الكتب والتي دأب عليها حتى كبار العلماء، فقال: للمؤلِف الحق في التعليقات الكثيرة على كتابه بعكس المحقق، فإن المحقِّق إذا أكثر التعليقات وخصوصًا من نقلٍ من كتبٍ وقف عليها المؤلف الأصلي ونقل منها، فذلك يخرج الكتاب عن أصل فكرته، فلا ينبغي حينها الإكثار من تلك النقول، فإن كان هناك فكرة خطرت للمحقق فله أن يفردها في بحثٍ مستقل.

وُلد شيخنا محمد بن عبدالله الرشيد في الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمانين وثلاثمائة وألف في مدينة الرياض، ونشأ وتعلم بها، ورحل في طلب العلم واقتناء الكتب والاطلاع على المكتبات العامة والخاصَّة ولقاء الشيوخ والأعلام إلى الشام، واليمن، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، وإيران، والهند، وباكستان، والهند، وبخارى، وسمرقند، وطاشكند، ويزيد عدد شيوخه على خمسمائة عالم، ومن مؤلفاته القيمة: إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبدالفتاح، ومحدِّث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه، وفتح العَلاَّم بأسانيد ومرويات مسند الشام: ثبت للعلامة الشيخ أحمد نصيب المحاميد، والعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، بأقلام بعض تلامذته ومعاصريه، والإعلام بتصحيح كتاب الأعلام، وهو تصحيح لكتاب الأعلام للعلامة خير الدين الزركلي، وقراءة نقدية لذيل الأعلام للعلاونة، والإيضاح والتبيين للأوهام الواقعة في طبقات النسابين، والعلامة محمد بن عبدالهادي المنوني (ترجمته لنفسه، ونصوص إجازاته، وتوثيق مقالاته) جمع وتعليق.

وشيخنا محمد أغرُّ نمته من آل الرشيد غُرٌّ تدين لعزهم أفخاذ نجد وبطون تهامة، ذو فضل عليَّ كبير، تعرفت عليه أول ما تعرفت في زيارتنا لسمرقند وبخارى، ثم توثقت أسباب المودة بيننا، واستجاز لي من عدد كبير من شيوخه المسندين، وهو الواسطة بيني وبين كبار أصحاب الحديث في هذا العصر من أمثال شيوخنا وإخواننا مجد بن أحمد مكي، وأحمد بن عبد الملك عاشور، ومحمد بن أبي بكر باذيب، وعمر بن موفق النشوقاتي، ووائل الحنبلي، وخالد السباعي، وغيرهم ممن أحببتهم في الله، لو كتموا أنسابهم وأخفوا أحسابهم لعزَّتهم وجوه لهم لامعة، ورفعتهم أخلاق لهم ساطعة، وشهدت بفضلهم أفعال تلحقهم بقرون ماضية.

الشيخ بشير أحمد:

وزرت مع الشيخ مجاهد علي والأخ سهيل أحمد الشيخ المقرئ الكبير بشير أحمد في الحرم الشريف بعد المغرب، فاحتفى بي، وحثني على أن أكثف التدريس في الغرب، وأن لا أكون من العلماء الجامدين المتزمتين، فرأيت فيه انفتاحًا كبيرًا، وقال: إنه يدرس التجويد للنساء، ولا يتيسر تصحيح المخارج إلا إذا عاين طرق أدائهن ونطقهن بالحروف، ولا سبيل إلى ذلك من وراء الحجاب.

ولد الشيخ بشير أحمد صديق في مدينة لية من محافظة مظفر قرح بباكستان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة في مسقط رأسه وتلقى تعليمه الأولي بها، والتحق بجامعة دار العلوم الإسلامية في مدينة لاهور لدراسة التجويد والقراءات السبع جمعا على فضيلة المتقن الماهر الشيخ عبد العزيز الشوقي شيخ قراء باكستان في ذلك الوقت رحمه الله تعالى، ثم اتجه إلى جامعة دار العلوم بكراتشي ودرس فيها على شيخ الشيوخ وإمام القرّاء الشيخ فتح محمد إسماعيل رحمه الله القراءات العشر إفرادا حيث ختم عليه تسع عشرة ختمة، كل رواية على حدة، ثم "طيبة النشر في القراءات العشر". وبعد تخرجه عين مدرسا، ثم رئيسا لقسم (التجويد والقراءات) بجامعة دارالعلوم بكراتشي. 

هاجر إلى المدينة النبوية سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف، وأخذ يدرس في المسجد النبوي الشريف، وكان يقرأ القرآن في مجلس شيخ القرّاء بالمدينة النبوية وإمام القراءات الشيخ حسن بن إبراهيم الشهير بالشاعر رحمه الله، وعين سنة سبع وثمانين مدرسا بمعهد القرآن التابع للجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة، وفِي سنة اثنتين وتسعين مديرًا للمعهد، ولَم ينقطع عن التدريس بالمسجد النبوي الشريف إلى يومنا هذا، وركز اهتمامه على تدريس القراءات وخاصة قراءة الإمام عاصم ورواية ورش عن نافع رحمهم الله، وقد أخذ عنه القراءة والتجويد مئات الطلاب من شتى أقطار العالم، ومن مؤلفاته: أوضح المعالم في قراءة الإمام عاصم، وجامع المنافع في قراءة الإمام نافع (أكثر من سبع مائة صفحة).

وحسبه فخرا أن كتاب الله رفيقه حيثما حل ورحل، فإليه يتناهى كل شرف وسؤدد، وبه يبنى ما علا من عز وكرم.

الاختلاف بين رواة البخاري:

واشترى لي اليوم الأخ عبد الحكيم (الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري وروايات عن إبراهيم بن معقل النسفي) للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بابن المبرد المتوفى سنة 909هـ، تحقيق صلاح فتحي هلل، بإشراف طارق بن عوض الله بن محمد، طباعة دار الوطن للنشر، الرياض سنة 1420هـ، قال المحقق: وقد اختصر ابن عبد الهادي رحمه الله في كتابنا هذا كلام أبي علي في (تقييد المهمل) على صحيح البخاري رحمه الله عالى، وربما زاد شيئا من عنده على سبيل الندرة.

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا