الاثنين 12 صفر 1440 - 22 أكتوبر 2018

فقه السيرة النبوية (12)

الخميس 3 شعبان 1439 - 19 أبريل 2018 180 عمر جبه جي
فقه السيرة النبوية (12)

الحلقة الثانية عشرة : من معالم المرحلة السرية ، وبداية الجهر بالدعوة 

استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته السرية ، يستقطب عدداً من الأتباع والأنصار من أقاربه وأصدقائه، وخاصة الذين يتمكن من ضمهم في سرية تامة ، بعد إقناعهم بالإسلام، وهؤلاء كانوا نعم العون والسند للرسول صلى الله عليه وسلم لتوسيع دائرة الدعوة في نطاق السرية ، وهذه المرحلة العصيبة من حياة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ظهرت فيها الصعوبة والمشقة ، في تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه بالدعوة، فهم لا يخاطبون إلا من يأمنوا من شره، ويثقون به، وهذا يعني أن الدعوة خطواتها بطيئة وحذرة ، كما تقتضي صعوبة المواظبة على تلقي مطالب الدعوة من مصدرها، وصعوبة تنفيذها، إذا كان الداخل في هذا الدين ملزمًا منذ البداية بالصلاة ، ودراسة ما تيسر من القرآن -مثلا- ولم يكن يستطيع أن يصلي بين ظهراني قومه، ولا أن يقرأ القرآن، فكان المسلمون يتخفون في الشعاب والأودية إذا أرادوا الصلاة . 

أولاً : الحس الأمني. 

إن من معالم هذه المرحلة، الكتمان والسرية حتى عن أقرب الناس، وكانت الأوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية واضحة وصارمة، وكان صلى الله عليه وسلم يكوّن من بعض المسلمين أُسرًا (مجموعات) وكانت هذه الأسر تختفي اختفاء استعداد وتدريب ، لا اختفاء جبن وهروب حسب ما تقتضيه التدبيرات، فبدأ الرسول عليه الصلاة والسلام ينظم أصحابه من أسر ومجموعات صغيرة، فكان الرجل يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما، عند الرجل به قوة وسعة من المال، فيكونان معه ويصيبان منه فضل طعامه، ويجعل منهم حلقات، فمن حفظ شيئًا من القرآن علم من لم يحفظ، فيكون من هذه الجماعات أسر أخوة، وحلقات تعليم. 

إن المنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية أتباعه هو: القرآن الكريم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه تربية شاملة في العقائد والعبادات والأخلاق والحس الأمني وغيرها؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم آيات كريمة تحدثت عن الأخذ بالحس الأمني؛ لأن من أهم عوامل نهوض الأمة أن ينشأ الحس الأمني في جميع أفرادها، وخصوصا في الصف المنظم الذي يدافع عن الإسلام ، ويسعى لتمكينه في دنيا الناس، ولذلك نجد النواة الأولى للتربية الأمنية كانت في مكة ، وتوسعت مع توسع الدعوة ووصولها إلى دولة.

ولا شك أن الصحابة كانوا يجمعون المعلومات عمن يريدون دعوته للإسلام وكانت القيادة تشرف على ذلك، ولذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم بترتيب جهاز أمني رفيع يشرف على الاتصال المنظم بين القيادة والقواعد ليضمن تحقيق مبدأ السرية. 

إن السيرة النبوية غنية في أبعادها الأمنية ، منذ تربية الأفراد وحتى بعد قيام الدولة، وتظهر الحاجة للحركات الإسلامية والدول المسلمة لإيجاد أجهزة أمنية متطورة (في زمننا المعاصر) تحمي الإسلام والمسلمين من أعدائها اليهود والنصارى والملاحدة، وتعمل على حماية الصف المسلم في الداخل من اختراقات الأعداء فيه، وتجتهد لرصد أعمال المعارضين والمحاربين للإسلام، حتى تستفيد القيادة من المعلومات التي تقدمها لها أجهزتها المؤمنة الأمنية، ولا بد أن تؤسس هذه الأجهزة على قواعد منبعها القرآن الكريم والسنة النبوية، وتكون أخلاق رجالها قمة رفيعة تمثل صفات رجال الأمن المسلمين. 

إن اهتمام المسلمين بهذا الأمر يجنبهم المفاجآت العدوانية «إذا عرفت العدو وعرفت نفسك فليس هناك ما يدعوك إلى أن تخاف نتائج مائة معركة، وإذا عرفت نفسك ولم تعرف العدو فإنك ستواجه الهزيمة في كل معركة». 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف بنفسه على تربية أصحابه في كافة الجوانب، ووزعهم في أسر، فمثلا كانت فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد، وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، كانوا في أسرة واحدة مع نعيم بن عبد الله النحام بن عدي، وكان معلمهم خباب بن الأرت، وكان اشتغالهم بالقرآن لا يقتصرون منه على تجويد تلاوته وضبط مخارج حروفه ولا على الاستكثار من سرده، والإسراع في قراءته بل كان همهم دراسته وفهمه ومعرفة أمره ونهيه والعمل به. 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالتخطيط الدقيق المنظم ويحسب لكل خطوة حسابها، وكان مدركًا تمامًا أنه سيأتي اليوم الذي يؤمر فيه بالدعوة علنًا وجهرًا، وأن هذه المرحلة سيكون لها شدتها وقوتها، فحاجة الجماعة المؤمنة المنظمة تقتضي أن يلتقي الرسول المربي مع أصحابه، فكان لا بد من مقر لهذا الاجتماع، فقد أصبح بيت خديجة رضي الله عنها لا يتسع لكثرة الأتباع، فوقع اختيار النبي وصحبه على دار الأرقم بن أبي الأرقم، إذ أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأمر يحتاج إلى الدقة المتناهية في السرية والتنظيم، ووجوب التقاء القائد المربي بأتباعه في مكان آمن بعيد عن الأنظار، ذلك أن استمرار اللقاءات الدورية المنظمة بين القائد وجنوده, خير وسيلة للتربية العملية والنظرية، وبناء الشخصية القيادية الدعوية. 

ومما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعد أتباعه ليكونوا بناة الدولة وحملة الدعوة، وقادة الأمم هو حرصه الشديد على هذا التنظيم السري الدقيق، فلو كان مجرد داعية لما احتاج الأمر إلى كل هذا. 

ولو كان يريد مجرد إبلاغ الدعوة للناس لكان خير مكان في الكعبة حيث منتدى قريش كلها، ولكن الأمر –غير ذلك– فلابد من السرية التامة في التنظيم، وفي المكان الذي يلتقي فيه مع أصحابه، وفي الطريقة التي يحضرون بها إلى مكان اللقاء. 

ثانياً: دار الأرقم بن أبي الأرقم (مقر القيادة) . 

تذكر كتب السيرة أن اتخاذ دار الأرقم مقرًا لقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد المواجهة الأولى التي برز فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِعب من شعاب مكة إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحي بعيرٍ فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام». 

أصبحت دار الأرقم السرية مركزًا جديدًا للدعوة يتجمع فيه المسلمون، ويتلقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جديد من الوحي، ويستمعون له –عليه الصلاة والسلام– وهو يذكرهم بالله، ويتلو عليهم القرآن، ويضعون بين يديه كل ما في نفوسهم وواقعهم فيربيهم, عليه الصلاة والسلام على عينه. كما تربى هو على عين الله عز وجل، وأصبح هذا الجمع هو قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم. 

ثانياً: الأسباب في اختيار دار الأرقم. 

كان اختيار دار الأرقم لعدة أسباب منها: 

1- أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بداره. 

2- أن الأرقم بن الأرقم رضي الله عنه من بني مخزوم وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم. فلو كان الأرقم معروفا بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره؛ لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو. 

3- أن الأرقم بن أبي الأرقم كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه عليه الصلاة والسلام. 

فقد يخطر على ذهنهم أن يكون مكان التجمع على الأغلب في دور بني هاشم، أو في بيت أبي بكر رضي الله عنه أو غيره، ومن أجل هذا نجد أن اختيار هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبدا أن قريشًا داهمت ذات يوم هذا المركز وكشفت مكان اللقاء. 

ثالثاً : المادة الدراسية في دار الأرقم. 

كانت المادة الدراسية التي قام بتدريسها النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم القرآن الكريم فهو مصدر التلقي الوحيد، فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقي وتفرده، وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج والفكرة المركزية التي يتربى عليها الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، وكان روح القدس ينزل بالآيات غضة طرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعها الصحابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فتسكب في قلوبهم، وتتسرب في أرواحهم، وتجري في عروقهم مجرى الدم، وكانت قلوبهم وأرواحهم تتفاعل مع القرآن وتنفعل به، فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره، وأهدافه، وسلوكه وتطلعاته، لقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم حرصًا شديدًا على أن يكون القرآن الكريم وحده هو المادة الدراسية، والمنهج الذي تتربى عليه نفوس أصحابه وألا يختلط تعليمه بشيء من غير القرآن. 

لقد تلقى الرعيل الأول القرآن الكريم بجدية ووعي وحرص شديد على فهم توجيهاته، والعمل بها بدقة تامة، فكانوا يلتمسون من آياته ما يوجههم في كل شأن من شؤون حياتهم الواقعية، والمستقبلية. 

فنشأ الرعيل الأول على توجيهات القرآن الكريم، وجاؤوا صورة عملية لهذه التوجيهات الربانية، فالقرآن كان هو المدرسة الإلهية، التي تخرج فيها الدعاة والقادة الربانيون، ذلك الجيل الذي لم تعرف له البشرية مثيلاً من قبل ومن بعد لقد أنزل الله القرآن الكريم على قلب رسوله، لينشئ به أمة ويقيم به دولة، وينظم به مجتمعًا, وليربي به ضمائرَ وأخلاقًا وعقولاً، ويبني به عقيدة وتصورًا وأخلاقًا، ومشاعرَ، فخرّج الجماعة المسلمة الأولى التي تفوقت على سائر المجتمعات في جميع المجالات، العقدية، والروحية والخلقية، والاجتماعية والسياسية والحربية. 

رابعاً : شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في صناعة القادة

كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم أعظم مدرسة للتربية والتعليم عرفتها البشرية كيف لا، وأستاذها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أستاذ البشرية كلها، وتلاميذها هم الدعاة والهداة، والقادة الربانيون الذين حرروا البشرية من رق العبودية وأخرجوهم من الظلمات إلى النور، بعد أن رباهم الله تعالى على عينه تربية غير مسبوقة ولا ملحوقة. 

في دار الأرقم وفق الله تعالى رسوله إلى تكوين الجماعة الأولى من الصحابة حيث قاموا بأعظم دعوة عرفتها البشرية. 

لقد استطاع الرسول المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يربي في تلك المرحلة السرية، وفي دار الأرقم أفذاذ الرجال الذين حملوا راية التوحيد، والجهاد والدعوة فدانت لهم الجزيرة، وقاموا بالفتوحات العظيمة في نصف قرن.

كانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم فائقة في اختيار العناصر الأولى للدعوة في خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الدعوة، وتربيتهم وإعدادهم إعدادا خاصا ليؤهلهم لاستلام القيادة، وحمل الرسالة، فالرسالات الكبرى والأهداف الإنسانية العظمى لا يحملها إلا أفذاذ الرجال، وكبار القادة, وعمالقة الدعاة.

كانت دار الأرقم مدرسة من أعظم مدارس الدنيا وجامعات العالم، التقى فيها الرسول المربي بالصفوة المختارة من الرعيل الأول (السابقين الأولين) فكان ذلك اللقاء الدائم تدريبًا عمليًا لجنود المدرسة على مفهوم الجندية والسمع والطاعة والقيادة وآدابها وأصولها، ويشحذ فيه القائد الأعلى جنده وأتباعه بالثقة بالله والعزيمة والإصرار، ويأخذهم بالتزكية والتهذيب، والتربية والتعليم، كان هذا اللقاء المنظم يشحذ العزائم، ويقوي الهمم، ويدفع إلى البذل والتضحية والإيثار. 

كانت نقطة البدء في حركة التربية الربانية الأولى لقاء المدعو بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيحدث للمدعو تحول غريب, واهتداء مفاجئ بمجرد اتصاله بالنبي صلى الله عليه وسلم, فيخرج المدعو من دائرة الظلام إلى دائرة النور، ويكتسب الإيمان ويطرح الكفر، ويقوى على تحمل الشدائد والمصائب في سبيل دينه الجديد وعقيدته السمحة.

كانت شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرك الأول للإسلام، وشخصيته صلى الله عليه وسلم تملك قوى الجذب والتأثير على الآخرين، فقد صنعه الله على عينه، وجعله أكمل صورة لبشر في تاريخ الأرض, والعظمة دائما تُحب، وتحاط من الناس بالإعجاب، ويلتف حولها المعجبون, يلتصقون بها التصاقًا بدافع الإعجاب والحب، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيف إلى عظمته تلك، أنه رسول الله، متلقي الوحي من الله، ومبلغه إلى الناس، وذلك بُعد آخر له أثر في تكييف مشاعر ذلك المؤمن تجاهه, فهو لا يحبه لذاته فقط كما يحب العظماء من الناس، ولكن أيضا لتلك النفحة الربانية التي تشمله من عند الله، فهو معه في حضرة الوحي الإلهي المكرم، ومن ثم يلتقي في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم البشر العظيم والرسول العظيم، ثم يصبحان شيئًا واحدًا في النهاية، غير متميز البداية ولا النهاية، حب عميق شامل للرسول البشر, أو للبشر الرسول, ويرتبط حب الله بحب رسوله ويمتزجان في نفسه، فيصبحان في مشاعره هما نقطة ارتكاز المشاعر كلها، ومحور الحركة الشعورية والسلوكية كلها كذلك. 

كان هذا الحب -الذي حرك الرعيل الأول من الصحابة- هو مفتاح التربية الإسلامية ونقطة ارتكازها ومنطلقها الذي تنطلق منه .

خامساً : أهم خصائص الجماعة الأولى .

كانت الجماعة الأولى التي تربت على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد برزت فيها خصائص مهمة جعلتها تتقدم بخطوات رصينة نحو صياغة الشخصية المسلمة، التي تقيم الدولة المؤمنة، وتصنع الحضارة الرائعة، فمن أبرز هذه الخصائص: 

1- الاستجابة الكاملة للوحي، وعدم التقديم بين يديه.

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم من غيرهم انتفاعا بالدليل والوحي، وتسليمًا له، لأسباب عديدة، منها: 

أ- نزاهة قلوبهم، وخلوها من كل ميل أو هوى غير ما جاءت به النصوص، واستعدادها التام لقبول ما جاء عن الله ورسوله والإذعان والانقياد له انقيادا مطلقا، دون حرج ولا تردد، ولا إحجام. 

ب- معاصرتهم لوقت التشريع ونزول الوحي، ومصاحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم, ولذلك كانوا أعلم الناس بملابسات الأحوال التي نزلت النصوص فيها، والعلم بملابسات الواقعة أو النص من أعظم أسباب فقهه وفهمه وإدراك مغزاه. 

ج- وكانت النصوص –قرآنـًا وسنة– تأتي في كثير من الأحيان لأسباب تتعلق بهم –بصورة فردية، أو جماعية– فتخاطبهم خطابًا مباشرًا، وتؤثر فيهم أعظم التأثير؛ لأنها تعالج أحداثًا واقعية، وتعقب في حينها، حيث تكون النفوس مشحونة بأسباب التأثر متهيئة لتلقي الأمر والاستجابة له. 

فكانوا إذا سمعوا أحدا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارهم، كما يقول ابن عباس رضي الله عنه. 

2- التأثر الوجداني العميق بالوحي والإيمان. 

كان الصحابة فرسانـًا بالنهار، ورهبانا بالليل، لا يمنعهم علمهم وإيمانهم وخشوعهم لله من القيام بشؤونهم الدنيوية، من بيع، وشراء، وحرث، ونكاح، وقيام على الأهل والأولاد وغيرهم فيما يحتاجون. 

3- الصبر .

كان بناء الجماعة المؤمنة في الفترة المكية يتم بكل هدوء وتدرج وسرية وكان شعار هذه المرحلة هو توجيه المولى عز وجل المتمثل في قوله تعالى: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) [الكهف: 28]. 

قال تعالى: ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) [العصر] فحكم المولى عز وجل على جميع الناس بالخسران إلا من أتى بهذه الأمور الأربعة: 

1-الإيمان بالله. 2- العمل الصالح. 

3- التواصي بالحق. 4- التواصي بالصبر. 

«والتواصي بالصبر كذلك ضرورة؛ فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة، ولابد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة، والصبر على تبجح الباطل، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم وبعد النهاية».

4- كثرة الدعاء والإلحاح على الله .

وهذا يظهر في قوله تعالى: ( يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) فالدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات فلا بد من تربية الأفراد الذين يعدون لحمل الرسالة وأداء الأمانة, على حسن الصلة بالله,وكثرة الدعاء؛ لأن ذلك من أعظم وأقوى عوامل النصر. 

5- الإخلاص.

ويظهر في قوله تعالى: ( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) ولا بد عند إعداد الأفراد إعدادًا ربانيًا أن يتربى المسلم على أن تكون أقواله، وأعماله، وجهاده كله لوجه الله وابتغاء مرضاته, وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر، وحتى يصبح جنديًّا من أجل العقيدة والمنهج الرباني ولسان حاله قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) [الأنعام: 162-163] 

إن الإخلاص ركن من أركن قبول العمل, ومعلوم أن العمل عند الله لا يقبل إلا بالإخلاص وتصحيح النية وبموافقة السنة والشرع. 

6- الثبات.

ويظهر في قوله تعالى:( وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) [الكهف:28].

وهذا الثبات المذكور فرع عن ثبات أعم, ينبغي أن يتسم به الداعية الرباني، قال تعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [الأحزاب: 23]. 

ففي الآيات الكريمة ثلاث صفات، إيمان ورجولة، وصدق. 

وهذه العناصر مهمة للثبات على المنهج الحق؛ لأن الإيمان يبعث على التمسك بالقيم الرفيعة والتشبث بها، ويبعث على التضحية بالنفس ليبقى المبدأ الرفيع، والرجولة محركة للنفس نحو هذا الهدف غير مهتمة بالصغائر والصغار، وإنما دائمًا دافعة نحو الهدف الأسمى، والمبدأ الرفيع، والصدق يحول دون التحول أو التغيير أو التبديل، ومن ثم يورث هذا كله الثبات الذي لا يتلون معه الإنسان, وإن رأى شعاع السيف على رقبته، أو رأى حبل المشنقة ينتظره، أو رأى الدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها. 

ولا شك أن اللبنات التي تعد لحمل الدعوة، وإقامة الدولة، وصناعة الحضارة تحتاج إلى الثبات الذي يعين على تحقيق الأهداف السامية, والغايات الجميلة والقيم الرفيعة. 

هذه من أهم الصفات التي اتصفت بها الجماعة المؤمنة الأولى. 

انتشار الدعوة في بطون قريش وعالميتها

كان انتشار الإسلام في المرحلة السرية في سائر فروع قريش بصورة متوازنة دون أن يكون ثقل كبير لأي قبيلة، وهذه الظاهرة مخالفة لطبيعة الحياة القبلية آنذاك. وهي إذا أفقدت الإسلام الاستفادة الكاملة من التكوين القبلي والعصبية لحماية الدعوة الجديدة ونشرها، فإنها في الوقت نفسه لم تؤلب عليها العشائر الأخرى بحجة أن الدعوة تحقق مصالح العشيرة التي انتمت إليها وتعلي من قدرها على حساب العشائر الأخرى، ولعل هذا الانفتاح المتوازن على الجميع أعان في انتشار الإسلام في العشائر القرشية العديدة دون تحفظات متصلة بالعصبية، فأبو بكر الصديق من (تيم)، وعثمان بن عفان من (بني أمية)، والزبير بن العوام من (بني أسد)، ومصعب بن عمير من (بني عبد الدار)، وعلي بن أبي طالب من (بني هاشم)، وعبد الرحمن بن عوف من (بني زهرة)، وسعيد بن زيد من (بني عدي)، وعثمان بن مظعون من (بني جُمَح)، بل إن عددًا من المسلمين في هذه المرحلة لم يكونوا من قريش، فعبد الله بن مسعود من (هُذيل)، وعتبة بن غزوان من (مازن)، وعبد الله بن قيس من (الأشعريين)، وعمار بن ياسر من (عنس) من مَذْحج، وزيد بن حارثة من (كلب)، والطفيل بن عمرو من (دوس)، وعمرو بن عبسة من (سليم)، وصهيب النمري من (بني النمر بن قاسط)، لقد كان واضحا أن الإسلام لم يكن خاصًّا بمكة. 

لقد شق النبي صلى الله عليه وسلم طريقه بكل تخطيط ودقة وأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، فاهتم بالتربية العميقة، والتكوين الدقيق، والتعليم الواسع، والاحتياط الأمني، والانسياب الطبيعي في المجتمع، والإعداد الشامل للمرحلة التي بعد السرية، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن الدعوة إلى الله لم تنزل لتكون دعوة سرية يخاطب بها الفرد بعد الفرد، بل نزلت لإقامة الحجة على العالمين، وإنقاذ من شاء الله إنقاذه من الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور الإسلام والتوحيد، ولذلك كشف الله تعالى عن حقيقة هذه الدعوة وميدانها, منذ خطواتها الأولى، حيث إن القرآن المكي بين شمول الدعوة وعالميتها: قال تعالى: ( إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) [ص: 87]. 

وقال تعالى: ( وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) [القلم: 52]. 

إن الدعوة جاءت لتخاطب البشر، كل البشر، ولتنقذ منهم من سبقت له من الله الحسنى، وهذا يعني أن الدعوة جاءت ومن خصائصها، الإعلان والصدع، والبلاغ، والبيان، والإنذار، وتحمل ما يترتب على هذا من التكذيب، والإيذاء والقتل.

إن استسرار النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته أول الأمر، إنما هو حال استثنائي لظروف وملابسات خاصة، وهي ظروف بداية الدعوة وضعفها وغربتها، وينبغي أن يفهم هذا ضمن هذا الإطار. 

وإن كان الكتمان والاستسرار سياسة مصلحية في كثير من أمور الإسلام في الحرب والسلام، فهو كذلك في موضوع الدعوة، فالاستسرار بها كان لضرورة فرضها الواقع وإلا فالأصل هو بيان دين الله وشرعه وحكمه لكل الناس، أما الاستسرار بما سوى ذلك من الوسائل والخطط والتفصيلات فهو أمر مصلحي خاضع للنظر والاجتهاد البشري، إذ لا يترتب عليه كتمان للدين، ولا سكوت عن حق، ولا يتعلق به بيان، ولا بلاغ، ومن ذلك مثلا معرفة عدد الأتباع المؤمنين بالدعوة، فهذا أمر مصلحي لا يخل بقضية البلاغ والنذارة التي نزلت الكتب وبعثت الرسل من أجلها، فيمكن أن يظل سرًّا متى كانت المصلحة في ذلك مع القيام بأمر الدعوة والتبليغ؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد أن صدع بدعوته، وأنذر الناس وأعلن النبوة ظل يخفي أشياء كثيرة لا تؤثر على مهمة البلاغ والبيان كعدد أتباعه، وأين يجتمع بهم؟ وما هي الخطط التي يتخذونها إزاء الكيد الجاهلي

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات