السبت 9 شوال 1439 - 23 يونيو 2018

العشرة المبشَّرون بالجنَّة (2)

الاثنين 13 ربيع الثاني 1439 - 1 يناير 2018 136 الشيخ عبد الحميد السائح
العشرة المبشَّرون بالجنَّة (2)

 

الخلفاء الراشدون:

أما الخلفاء الراشدون الأربعة فهم طليعة الصفوة المختارة، والكثير من خصائصهم وميزاتهم لا تخفى على قطاع كبير من المسلمين، وباقي العشرة ممن أبْلَوا البلاء الحسن في مَيدان من ميادين الجهاد بالنفس أو المال، أو بهما معاً، وإني أشير هنا إلى بعض المواقف البارزة الحاسمة لكل واحد منهم، مما صدر عنه في عهد صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، حتى تبرز الصورة المشرقة لهؤلاء الطلائع الخيرة، وإن كانوا يشتركون معاً في صفات الإخلاص والتضحية والجهاد في سبيل الله.

أبو بكر رضي الله عنه:

أما أبو بكر رضي الله عنه فقد كان أول السابقين للإسلام من الرجال وتلك منقبة عظمى، لا يقدرها حق قدرها، إلا من استعرض أحوال مشركي قريش في ذلك العهد، ومحاولتهم بشتى الوسائل صد الآخرين عن الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

ومن مميزاته أيضاً أنه حين أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى القدس، وقد أخبر كفار قريش بما منحه الله في تلك الليلة اعتبر صناديد قريش، ذلك الحادث الغريب فرصة للإغراء بأبي بكر رضي الله عنه، حتى ينفضَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروه بما تحدث به الرسول، قالها في صدق المؤمنين وإصرار الواثقين: لئن قال ذلك، لقد صدق، ومن ثم سمي الصدِّيق.

ومنها مرافقته الرسول صلى الله عليه وسلم حين الهجرة، وافتداؤه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه. 

ومنها حين كان المسلمون في ضيق وعسرة، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإنفاق، بادر أبو بكر فأحضر كل ما يملك، ووضعه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ولما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله والرسول!.

وأخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل عليه السلام فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي.

وأخرج الستة إلا مالكاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة نودي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر).

وفي مروج الذهب للمسعودي أنَّ ابن عباس رضي الله عنهما سئل عنه في خلافة معاوية رضي الله عنه فقال: كان رحمه الله تعالى للقرآن تالياً، وللشر قاليا، وعن المنكر ناهيا، وبالمعروف آمراً، ولله صابراً، وعن الميل إلى الفحشاء ساهيا، وعن الموبقات صارماً، فاق أصحابه ورعاً، وقناعة، وزهداً وبراً وأمانة، وقد نقش على خاتمه: (عبد ذليل لرب جليل). فرضي الله عنه وأرضاه.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

وأما سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد ظهرت مزاياه منذ إسلامه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عمر بن الخطاب قبل إسلامه أو أبا جهل بن هشام يقول: اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك، ويقول سعيد بن المسيب: فشدد الله دينه بعمر بن الخطاب.

وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أعز الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك، بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر).

ولما أسلم عمر ابتهج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، واعتزَّ المسلمون لما يعلم من مكانة عمر، وقوة شخصيته، وكبير تأثيره، وكان المسلمون حينئذ يعبدون الله سراً، فقال رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم: ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم، قال عمر رضي الله عنه: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم أن خرج للمسجد في صفين، أحدهما فيه عمر، والآخر فيه حمزة، وعندما رأتهم قريش علتهم كآبة وحزن) جمع الفوائد.

وكان رضي الله عنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم، والذي بعثك بالحق نبيا، لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، وكان رضي الله عنه غير هيَّاب ولا وجل، مما كان له أكبر الأثر في دعم الدعوة وانتشارها، وكثرة أتباعها، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.

وكان رضي الله عنه وزيراً للرسول ومُستشاراً له ومُلازماً لمجلسه صلى الله عليه وسلم ومُساهماً في غزواته شديداً على أعدائه محباً لأنصاره وأوليائه.

وقد روى البخاري عن علي رضي الله عنه، قال: (كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر).

وأخرج الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد كان فيمن كان قبلكم ناس محدَّثون (مُلهَمون) من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي أحد فإنه عمر).

وقد وافق رضي الله عنه حكمُه حكمَ القرآن في عديد من المسائل منها في مقام إبراهيم، وفي حجاب أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أسارى بدر.

وكان رضي الله عنه مثال العدل والحزم والشدة في الله تعالى، حريصاً على شرعة الله، متجرداً عن هواه، وكان رضي الله عنه يرجو أن يخرج من هذه الدنيا كفافا، لا له ولا عليه، مما يدلُّ على بُعد نظره، وتقديره لمسؤوليته، وفرط رقابته وخوفه من الله سبحانه.

وقد سأل معاوية ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم، فقال: كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، ومنتهى الإحسان، ونادي الضعفاء، ومعقل الخلفاء، كان للحق حصناً، وللناس عوناً، بحق الله صابراً محتسباً، حتى أظهر الدين وفتح الديار، وقوراً لله في الرخاء والشدة، شكوراً لله في كل وقت، كان نقش خاتمه (المعين لمن صبر) فرضي الله عنه وأرضاه.

عثمان بن عفان رضي الله عنه:

وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد بادر بالإسلام استجابة لنصيحة أبي بكر، وكان من السابقين إليه، وهو أول من أسلم من بني أمية الذين أمعنوا في عدائهم للإسلام في مراحله الأولى، وعندما علم عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية بإسلامه، حاول بكل الوسائل ليقنعه بالعدول واستعمل العنف معه، فلم يجده شيئاً، وأعلن عثمان رضي الله عنه إصراره على إسلامه، من غير مبالاة بما لحقه من الأذى، وكان رضي الله عنه من أشد المخلصين لدينه، والعاملين على تثبيته وتدعيمه، ومن أكثر المنفقين والمحسنين – في أشد الأزمات – وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يحفر بئر رومة فله الجنة) فحفرها عثمان، ومن جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزها عثمان)رواه البخاري. 

وفي حديث آخر رواه البخاري أيضاً: (إنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه). 

وكانت بئر رومة هي المصدر الوحيد للماء العذب في المدينة، وكانت ملكاً ليهودي يشق على المسلمين في معاملته، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومة غفر الله له) فتقدم عثمان لليهودي وفاوضه، واشترى منه نصفها، وكان المسلمون يستقون في يوم عثمان ويشق عليهم اليهودي في يومه، فقال لهم عثمان خذوا كفايتكم من الماء ليومين في يومي، حتى لا يعطي اليهودي فرصة الاحتكار والاستغلال والربح الفاحش، وبذلك أسقط في يد اليهودي، واضطر أن يبيع النصف الآخر فاشتراه أيضاً عثمان رضي الله عنه، وجعل البئر كلها وقفاً على المسلمين، ينتفعون بمياهها، وكانت صدقة جارية له، ولا تزال تلك البئر قائمة في أطراف المدينة.

ومواقف عثمان رضي الله عنه وسخاؤه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وبعدهما، مما تضمنته كتب الأحاديث والسير والتاريخ والأدب، شاهدٌ حيٌّ على عَظيم إيمانه رضي الله عنه، وسمو نفسه وجدارته بما بشَّره به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً أنه سيكون رفيقه في الجنة.

وأخرج الملا في سيرته عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عثمان بن عفان أشبه الناس بي خُلقاً وخَلقاً وديناً وسمتا...).

وسأل معاوية ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهم فأثنى عليه، وقال: كان من أفضل البررة، وأكرم الحفدة، مبادراً إلى كل مكرمة، وساعياً إلى كل منجية، وفياً صفيا، نقش خاتمه: أحيني سعيداً، وأمتني شهيداً.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو أول من أسلم من الصبيان ولم يسجد لصنم قط، ولذلك يتبع اسمه أحياناً بـ (كرَّم اللهُ وجْهَه).

وقد تربَّى رضي الله عنه في بيت النبوة ومصدر الهداية الإلهية، ولذلك نشأ طاهر النفس صافي القلب، بعيداً عن ترَّهات الجاهلية ومهازلها، أشرب قلبه حب الله وحب رسوله، وكان عميق الفهم، وافر العلم والحكمة، غزير الإيمان.

وقال رضي الله عنه: لا أنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل).

وذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن علياً رضي الله عنه سئل هل رأيت ربك؟ فقال أفأعبد ما لا أرى؟ فقيل له: كيف تراه؟ فقال رضي الله عنه: إنه لا تراه العيون بمشاهدة الأعيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان.

وأخرج الحاكمي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: يختم الناس بسبع، ولا يحاجك أحد من قريش، أنت أولهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم بالرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية

وحينما همَّت قريش بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم ليتخلصوا من دعوته، أمره ربه بالهجرة إلى المدينة، وحينئذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم علياً بأن ينام في فراشه، فقبل راضياً مرضياً، أن يضحي بنفسه في سبيل الله ورسوله، وعند المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنت أخي في الدنيا والآخرة).

أما جهاده وتفانيه وتضحياته وبطولاته رضي الله عنه فإنها أكثر من أن تحصى، وقد ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد المشاهد كلها، إلا غزوة تبوك حيث كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء والصبيان، وكان صاحب لواء الرسول صلى الله عليه وسلم، في كل زحف ومسيرة، وهو من أقرب المقربين، وأزهد الزاهدين، وأكثر الصحابة علماً وفهماً في القضاء، وأوفرهم خوفاً من الله تعالى، وحرصاً على رضاه.

وقد قاتل طول حياته لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فاستحق عن جدارة وسام الرسول صلى الله عليه وسلم له بالجنة والنعيم المقيم.

وقد سأل معاوية ابن عباس عن الإمام علي رضي الله عنهم فقال: كان علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطود النهى، وكهف العلا، للورى داعياً إلى المحبة العظمى، متمسكاً بالعروة الوثقى... صاحب القبلتين وأبو السبطين، فهل يقاربه بشر، وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد، للأسود قَتَّال، وفي الحرب ختَّال: وكان نقش خاتمه (الله الملك).

الحلقة السابقة هــــنا

[وللمقالة تتمة]

المصدر: (مجلة الوعي الإسلامي)، السنة الرابعة عشرة، رمضان 1398 - العدد 165.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا