الأربعاء 4 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

الشيخ عبد البر عباس في ذمة الله

الخميس 6 جمادى الآخرة 1439 - 22 فبراير 2018 275 كاتب الترجمة : الشيخ أحمد زاهر سالم 
الشيخ عبد البر عباس في ذمة الله

توفي اليوم السبت غرة جمادى الآخرة 1439 الموافق 17 / 2 / 2018 شيخنا وأستاذنا العالم الفاضل والتقي الخفي المتواضع الأستاذ عبد البر عباس الحنفي الحمصي ثم الحلبي عن خمس وثمانين عاما قضاها في التعلم والتعليم وخدمة حديث سيدنا رسول الله عامة وصحيح البخاري خاصة.

ولد شيخنا بحمص سنة ١٩٣٣ في أسرة دين وعلم.

فوالده فضيلة الشيخ عبد السلام بن مصطفى عباس تلقى القراءات عن الشيخ عبدالعزيز عيون السود، وكان من أقران كبار علماء حمص الشيخ محمود جنيد والشيخ احمد كعكة والشيخ طيب الأتاسي ، والشيخ عبد الغفار عيون السود رحمهم الله تعالى .

تخرج شيخنا من المدرسة الشرعية بحمص، كما تخرج في الوقت نفسه من الثانوية العامة، ثم درس ثلاث سنوات في المعهد الشرعي وكان في جامع الدالاتي بحمص، ثم التحق بكلية الشريعة بجامعة دمشق حين تم تأسيسها وافتتاحها سنة ١٩٥٤ حتى تخرج منها عام 1958م وتلقى العلم فيها عن الأعلام الأجلاء المصطفيين السباعي والزرقا ومعروف الدواليبي وعلي الطنطاوي ومحمد المبارك وعمر الحكيم رحمهم الله وهي أسماء تغني شهرتها عن تلقيبها.

ثم عين شيخنا مدرسا للتربية الاسلامية بأعزاز سنة ١٩٥٩ ثم انتقل في عام ١٩٦٠ للتدريس بثانويات حلب وأقام فيها وأخذ عن شيخ شيوخنا العالم الرباني الكبير الشيخ محمد النبهان وحضر مجالسه وحج معه سنة ١٩٦٥.

ولما أسس الشيخ النبهان دار نهضة العلوم الشرعية ( الكلتاوية) عام ١٩٦٤ عين شيخنا عبد البر مدرسا للحديث الشريف، فدرس مصطلح الحديث وقرر كتاب نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ومواضع من صحيح البخاري وسمي ذلك بمادة الإقراء، وأحاديث انتقاها وشرحها.

واستمر في تدريسه بها نيفا وأربعين عاما دون انقطاع.

وقد أسعدني زماني فتلقيت عن شيخنا ذلك، ولا زلت أذكر اختبار مادة الإقراء وهو من صحيح البخاري إذ قرأت عليه مفتتح كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة فمر بنا قول البخاري بعدما ذكر الحديث بالإسناد المعنعن: (سمع سفيان من مسعر ومسعر قيسا وقيس طارقا) فسألني عن سر تكرار البخاري السند فقلت: من أجل انه ساقه معنعا والعنعنة ليست نصا في التحديث فأراد رفع الاحتمال بالتنصيص على التحديث، فنلت العلامة التامة وكانت المواد التي درسناها سببا في تفوقي على زملائي، ثم اتصل حبلي بحبله بعد تخرجي، فكان يزور والدي بمسجده، فاتفقنا على عقد مجلس أسبوعي أقرأ عليه فيه بحضور سيدي الوالد فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فقرأت عليه بفضل الله مجلدين إلا قليلا من الطبعة الميمنية القديمة وهو أكثر من عشر الكتاب.

كان شيخنا رحمه الله طيب القلب لا يحمل حقدا شديد التواضع تقيا خفيا، وكان لطيفا مهذبا تغلب عليه اللهجة الحمصية، وكان يبذل جهده في التدريس ويعنى بالإجابة عن أسئلة الطلاب وإشكالاتهم المتعلقة بمعاني الأحاديث وقضية القضاء والقدر، ويحفظ متون الصحيحين البخاري ومسلم عن ظهر قلب، وقد وضع فهرسا تفصيليا دقيقا لفتح الباري في تسعينيات القرن الماضي قبل ظهور الحاسوب ثم جعله في برنامج حاسوبي ولكن لم يتيسر له نشره ولم تتبن مؤسية ولا دار طباعته وتوزيعه كما يحب وإن كان قد صنع نسخا وأهداني إحداها.

وقد صدر قديما كتاب دلائل النبوة قديما بتحقيقه مشاركة مع شيخنا العلامة د محمد رواس قلعجي، وصدر بتحقيقه كتاب الفتاوى الحديثية للإمام ابن حجر الهيتمي، وكتاب سيرة سيدنا عمر بن الخطاب للإمام ابن الجوزي.

ومما يذكر في ترجمة شيخنا ما كتبه تلميذه الفاضل الشيخ محمد عبدالله سالم: (من لطيف ما ذكره لنا مرةً في أحد الدروس _ وكنت قد سمعت القصة قبلها من أحد دروس سيدنا الشيخ محمد النبهان _ أنه ذكر مجموعة من الأحاديث النبوية أمام سيدنا النبهان ...وكان الشيخ عبدالبر يحفظ صحيح البخاري غيباً كاملاً ...وعند ذكره لأحد الأحاديث انتفض سيدنا النبهان قائلاً : هذا كذب ...سيدنا رسول الله لم يقل هذا ...هذا كذب !

يقول شيخنا عبدالبر : فأصابتني الدهشة ...كيف يكذب شيخنا النبهان حديثاً صحيحاً في صحيح البخاري ؟!

يقول أستاذنا عبدالبر : ثم انتبهت أنني أسقطت عبارةً من الحديث غيّرت المعنى ...فأعدته مرة أخرى مصوباً فهنا قال شيخنا النبهان : نعم نعم ...هذا حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم !

قلت له : شيخنا كيف عرفت أن الأول ليس حديث رسول الله ؟ قال : يا بني إن لحديث وكلام سيدنا رسول الله نوراً ...وحين ذكرتَه ناقصاً في المرة الأولى لم يظهر ذلك النور !).

رحم الله شيخنا وأجزل مثوبته ورفع في الصالحين درجته وجزاه عنا وعن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء.

هذا وقد استفدت في مقالي من الترجمة التي أخذها الشيخ الفاضل المسند فياض العبسو عن شيخنا بحضور والدي وعمي في مسجد الوالد ونشرها الشيخ فياض قديما بموقع أحباب الكلتاوية فجزاه الله خيرا.

وكتبه الفقير إلى عفو مولاه

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات