الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

الشيخ محمد علي سليم المراد - عالم صادق

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 3120

الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد سليم المراد الأول ت 1343 هـ

ولادته : ولد الشيخ محمد علي في حماة ، ونشأ في بيت علم ودين وصلاح ، فوالده الشيخ محمد سليم المراد العالم المعروف المشهور والذي نسبت إليه العائلة المرادية

طلبه للعلم وإجازاته وشهرته : كانت بداية تعلمه على يدي والده ، ثم صار يحضر دروس الشيخ أحمد الدباغ بن الشيخ محمد الدباغ أمين الفتوى ، وكان محبوباً لدى شيخه حتى صار رئيساً لحلقة الدرس عنده ، وقد اجتمع بعلماء كثيرين في بلادٍ متعددةٍ ، وحاز على إجازاتٍ عديدةٍ في العلوم الشرعية ، وفي الطرق الصوفية المشهورة ، وقد امتد علمه في بلدته حماة وغيرها ، وفي القرى بشكل واسع ، وانتشر خبره في كثير من البلدان أكثرَ من والده ، لما وهبه الله من هباتٍ عديدةٍ جعلت الناسَ يُهرعون إليه ، منها منطقُه الجميل في الحديث فكان يجذب المستمعَ إليه في دروسه ، وخُطَبِه ، ومنها صوتُه الجميل في الإنشاد ، ومعرفتُه بالأنغام والمقامات ، ومنها إتقانُه لعِدَّةِ لغاتٍ مثل الكردية والتركية ، ومنها فروسيتُه ومهارتُه في ركوب الخيل .

أما إجازاته : فقد أجازه والده العلامة الفقيه الشيخ محمد سليم المراد الحموي ( ت 1308 هـ ) ، عن الشيخ محمد الدباغ ( ت 1288 هـ ) أمين الفتوى بحماه ، عن الشيخ محمد هاشم التاجي ( ت 1264 هـ ) أمين الفتوى بدمشق ، وعن الشيخ محمد سعيد أفندي الحلبي ( ت 1259 هـ ) بأسانيده .

( ح ) وروى الشيخ محمد علي المراد أيضاً عن الشيخ محمود بن محمد نشَّابة الطرابلسي ( ت 1308 هـ ) ، عن الشيخ إبراهيم بن عبد الغفار الدُّسوقي المَحَلاَّوي ( ت 1300 هـ ) عن شيخ الإسلام السيد حسن بن درويش القُوَيْسِني ( ت 1254 هـ ) بأسانيده .

( ح ) وروى محمود نَشَّابة ( ت 1308 هـ ) أيضاً عن مصطفى المُبَلِّط ( ت 1284 هـ ) ومصطفى البُولاقي ( ت 1263 هـ ) كلاهما عن محمد الأمير الكبير ( ت 1232 هـ ) بما في ثبته .

أعماله التي كان يقوم بها : ورث الشيخ محمد علي أباه في إقامة الشعائر من إمامة وتدريس وخطابة في الجامع الجديد ، وكان الجامع مقرَّه ومركزَه الدائم ، فكان يأتيه المتخاصمون والمتنازعون فيفصل بينهم ويحلُّ مشكلاتهم ، وبقي في خدمة الإسلام والمسلمين والعلم والفتوى طيلة حياته .

وكانت له وجاهةٌ وكلمةٌ مسموعةٌ عند المسؤولين ، فكان يطلب من محافظ البلد السجنَ لبعض المخالفين للشرع الإسلامي فلا يتأخر المحافظ عن تلبية طلبه ، ولا يخرج السجين إلا بأمر من الشيخ رحمه الله تعالى .

- مرت سنةُ قحطٍ وجدبٍ وفقرٍ على أهل حماة ، وعلموا أن " السلطان عبد الحميد " رحمه الله تعالى سيمر في القطار من حماة ، فجاء وجهاء المدينة إلى الشيخ محمد علي ، وطلبوا منه أن يكلم السلطان عبد الحميد في أحوالهم ، و توجه الشيخ إلى محطة القطار ، وكان السلطان نائماً ، فانتظره الشيخ ، ثم دخل عليه ، وكلمه بشأن البلد وأهلها والحالةِ التي وصلت إليه ، فاستجاب السلطان وأمر لهم بالمؤونة والأرزاق حتى عَمَّ الخير في المدينة .

وتأييداً لهذه القصة فقد رأى ولده الشيخ محمد نجيب المراد صورة للسلطان عبد الحميد وبجانبه الشيخ محمد علي المراد ، وذلك عند أحد التجار في مدينة حلب .

كراماته : أتاه مستفتٍ - من أسرة زِوار في حماة - يسأله عن موضوع يتعلق بالعبيد والأرقاء ، وكان الرقيقُ صغيرَ السن ويُراد تزويجه من أَمَةٍ ، بقصد تفويت هدفٍ على واحد من الأسرة ، وقد اختلفوا من يكون الولي لأحد القاصِرَيْن ، فلجأوا إلى العلماء حتى يعرفوا من هو الأحق بالولاية ؟ وهل الولي موجود ؟ وهل تجوز ولاية فلان ؟ فكان الجواب من علماء حي الحاضر بعدم الجواز ، فانتقلوا بالسؤال إلى علماء حي السوق فكان الجواب نفسه ، إلا ما كان من الشيخ محمد علي حيث أفتى بالجواز ، وانتشر الخبر في كل مكان بأن الشيخ محمد علي المراد يحلل الحرام ، ويفتي بخلاف العلماء جميعاً ، فلما علم الشيخ أن الاتهام بالمخالفة الشرعية لصقت به ، واستُغِلَّت من قِبَل بعض الناس لتشويه سمعته ، قام بالبحث عن هذا الحكم الذي أفتى به دون مراجعة في كتاب ، بل كان قد سمعه من والده في حياته ، وبقي أياماً في البحث والتفتيش ولم يجد شيئاً ، وقد تضايق كثيراً من هذه الشائعات المزعجة المتعلقة في صميم الدين ولم يتيسر له وجود هذه المسألة حتى يؤيد الفتوى التي أصدرها .

وفي صبيحة أحد الأيام بعدما صلى الفجر إماماً في الجامع الجديد وأراد الخروج ، وإذا بأحد المصلين الطاعنين في السن - وهو من عائلة الرزق – ينادي الشيخ بصوت عالٍ يا شيخ محمد علي يا شيخ محمد علي ، فأشار إليه الشيخ مستنكراً رفع صوته ! فقال الرجل : إني رأيت هذه الليلة والدك يناديك هنا في المسجد وأنت في هذه الباحة خارج الحرم وحَوْلَكَ عالَم كثيرون كادوا يخنقونك وقال لك : إن المسألة التي تبحث عنها هي في كتاب كذا وحدد له الجزء والصفحة، فقال له الشيخ : أعِدِ الرؤيا مرةً أخرى ، فأعادها عليه ، فحفظ اسم الكتاب والجزء والصفحة ، ثم ذهب مسرعاً إلى بيته ليراجع المسألةَ ، فلما رآها - كما ذكر له الرجل في الرؤيا – فرح فرحاً كبيراً وحمد الله على ذلك ، واستراح قلبه وعقله ، ونام نوماً هانئاً بعدما فقده مدةً ، وبعد العصر ذهب إلى درس شيخه الشيخ أحمد الدباغ في الجامع الجديد – الذي انقطع عنه طيلة هذه الفترة – فلما رآه شيخه بدأ يعاتبه ويلومه على هذا التسرع في الفتوى المخطئة التي أصبحت حديث الناس ، لأن الشيخ يحب تلميذه ويغار عليه ، لذلك صَعُب عليه أن يقع في هذا الخطأ الذي لا يحتمل ، فلما انتهى الشيخ من عتابه ولومه المؤَثِّرَيْن قال الشيخ محمد علي : إن الفتوى صحيحةٌ وموجودةٌ ، وهذا الكتاب الموجود معي يؤيد ذلك ، فقال الشيخ : وأي كتاب هذا ؟ فذكر له اسمه وفتحه وقرأ له العبارة الموجودة فيه ، والتي تُصَوِّب ما قاله ، فاستغرب الشيخ أحمد الدباغ من وجود هذا الجواب في مثل هذا الكتاب ، ثم قال : أريد أن أراها في نسختي ، فأُتي الشيخ بنسخته ، فلما رآها توقف وقال مخاطباً الشيخَ محمد علي المراد هذه ليست من عندك اصدقني كيف وصلتَ إليها ؟ أجاب الشيخ محمد علي : من والدي في الرؤيا حيث دلني عليها بعد جهد طويل .

رحم الله الشيخ محمد سليم حيث كان السبب في إنهاء هذه المشكلة التي لا تحمد عقباها لولا لطف الله وستره وحفظه .

- كان الشيخ محمد علي معتكفاً في العشر الأخير من شهر رمضان في الجامع الجديد – كعادته وعادة والده من قبل - وكان معه ولده الشيخ محمد ظافر ، وفي ليلة من الليالي استيقظ الشيخ من نومه وبيده نصف تفاحة ، فقال لولده محمد ظافر خذ نصف التفاحة هذه وأعطها لبيت الحريري ، وقل لهم أن يصالحوا الشيخ حسين الخطيب الطيباني – فقد كانت بين بيت الحريري والشيخ حسين قطيعة ولا يراد حلها رغم الوساطات الكثيرة - فأخذها ولده محمد ظافر وأعطاهم إياها ، والسبب في ذلك أن الشيخ محمد علي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ومعه تفاحة فقسمها صلى الله عليه وسلم نصفين ، وأعطى الشيخ محمد علي نصفها ، وأمره أن يفعل بها ما ذكر , وبسببها انتهت المشكلة .

تلاميذه : تخرج على يديه كثير من طلاب العلم ، منهم : الشيخ أحمد الصابوني ( ت 1334 هـ ) صاحب كتاب " تاريخ حماة " ، والشيخ عبد القادر بن فضل الله الكيلاني ( ت 1345 هـ ) ، والشيخ حافظ أفندي الكيلاني ، وأخوه لأبيه الشيخ أحمد سليم المراد ، وولده الشيخ محمد ظافر المراد ،والشيخ موسى الموسى من قرية حلفايا ، والشيخ محمد زاكي الدندشي الذي أصبح مرجعاً للفقه الحنفي وخاصة في حاشية ابن عابدين وغيرهم كثير .

مؤلفاته : لم يعرف للشيخ محمد علي مؤلفات شأنه في ذلك شأن علماء العائلة المرادية ، والسبب في ذلك أنهم كانوا يمضون معظم أوقاتهم مع الناس في المواعظ والدروس والإجابة عن الأسئلة والفتاوى ، لكن أخبرني ابن عمي الشيخ مصطفى ابن الشيخ عبد العزيز المراد أنه رأى في مكتبة الجد الشيخ أحمد المراد في جامع المسعود رسالةً وهي " شرح الصلاة المشيشية " للشيخ حسن حميدان الصمصام ، وقد كتب الشيخ محمد علي المراد لها تقريظاً ، وربما يكون له بعض التعليقات والحواشي على بعض الكتب والله أعلم .

وفاته : توفي الشيخ محمد علي المراد في حماة في شهر ربيع الأول سنة / 1343 هـ ، ودفن بجانب والده الشيخ محمد سليم في مقبرة باب البلد رحمه الله تعالى .

بقلم: محمد ميسر المراد

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا