الخميس 24 شوال 1440 - 27 يونيو 2019

العالم الشاب القارئ الداعية الشيخ أحمد عدنان كلزية (2)

الثلاثاء 20 رجب 1440 - 26 مارس 2019 445 كاتب الترجمة : طلال حاووط وأسامة خراط
العالم الشاب القارئ الداعية الشيخ أحمد عدنان كلزية (2)

الأستاذ أحمد كلزية : الثاني على يسار الناظر للصورة . ويظهر على يساره صديقه محمد نجيب عطار ورستم عبدو ومحمد نجيب بنان وعبد الله لبابيدي ويظهر على يمينه في يسار الناظر : الشيخ محمد مصري أبو أسعد

نشرت في الحلقة السابقة لمحة موجزة في ترجمة الأخ الشيخ أحمد عدنان كلزية وأوردت كلمتين كتبتا في رثائه. 

وأتابع في هذه الحلقة ذكر بعض الكلمات التي قيلت فيه من أصحابه وإخوانه : 

كتب صديقه ورفيق دربه الشيخ طلال حاووط في صفحته : 

أخي ورفيق دربي الشيخ أحمد عدنان كلزية في ذمة الله تعالى.

كان رحمه الله تعالى منذ نشأته وبداياته في طلب العلم ذا همة عالية ونظرة تحليلة ثاقبة. وكان عنده من الحب والحرقة على نهضة ورفعة أمة الإسلام الشيء الكبير.

وكان متفوقا على أقرانه في شدَّة الحفظ واستحضاره للنصوص الشرعية ؛ ومعلوم عنه أنه من أوائل من حفظ القرآن الكريم من بين إخوانه ورفاق دربه؛ فأكرمه الله سبحانه بزيارة بيت الله الحرام للعمرة وبشرف الدخول إلى جوف الكعبة والصلاة فيها.

وكان رحمه الله تعالى محبًّا لأهل العلم ساعيا للتواصل معهم محبًّا لإخوانه ناصحا لهم في كل المجالات.

وقد كان رحمه الله تعالى عصاميا معتمدا على الله سبحانه ثم على نفسه ؛ برع في مجال التجارة والصناعة وتفوق على من سبقوه بسرعة بديهته ودقة نظره وملاحظته وكثرة أسفاره وتنقلاته؛ ومع ذلك كله تراه متواضعا خلوقا مبتسما لظروف الحياة مهما صعبت.

وقد حدثني رحمه الله تعالى منذ عشر سنوات تقريبا أنه كان يريد فتح مشروع تجاري يدر من ريعه على إخوانه من طلاب العلم ممن ليس لديهم عمل ؛ ليعينهم على التفرغ لطلب العلم .

رحمك الله تعالى يا أخي وغفر لك وأعلى مقامك في عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

وكتب صديقه ورفيق دربه في العلم والدعوة أسامة الخراط: 

وداعا أحمد كلزية

شعرت بالموت يلامس فؤادي في عدة مرات في حياتي، مرة وأنا أقترب من جسد جدي لأدفنه، ومرة وأنا ألقي نظرة الوداع على ابن عمي، ولكني اليوم أحسّ بشعور مختلف وأنا أسمع خبر وفاة أحد أعز أصدقائي، أتم أحمد كلزية الأربعين وهو يصارع الموت شهرا كاملا في مشفى تركي بعد أن وقع له حادث أليم في أحد شوارع حلب المنهكة.

كان أول لقاء لنا في مدرسة الشعبانية، وكنت ذلك الطفل القادم من الحي العتيق الجلوم، حيث بيت جدي من أمّي، وهو أيضا مثلي عاشق لأحياء حلب القديمة، والتي كان يحفظها عن ظهر قلب، يعرف كل مسجد وزاوية وسوق وكأنها لوحة منقوشة في رأسه.

ست سنوات في المدرسة الثانوية، لم نختلف يوما ولم نتخاصم على أيّ شيء، فهو الفتى المؤدب واللطيف والذكي، حفظنا القرآن سويًّا وكنا نتردد على الشيخ أحمد كراسي ومدرسة الحفاظ، وسافرنا سويًّا لدمشق للاشتراك في مسابقة للقرآن تقام على مستوى الجمهورية، ولكنه كان الأول دائما، وكنا نضرب به المثل ونرجو أن نصبح مثله. 

ولكن ما يميز أحمد أنه كان دائم الابتسامة راضيا بكل ما يحصل، وأنادي روحه الآن لتسمع كلماتي، وأقول له:

لقد سبقتنا يا أحمد كما هي عادتك عجولا مندفعا نحو الحياة، ولم نكن نتخيل أن تسبقنا هذه المرة نحو الموت !!

استعجلت يا أحمد .. استعجلت يا حبيبي سامحك ربي وغفر لك.

تخرجنا من المدرسة، ودرسنا في الجامعة سويا، وكان يدرس في كلية أصول الدين وأنا في كلية الشريعة في الأزهر، وكنت أحرص دائما على لقائه عندما أستطيع وخصوصا في محله في سوق النسوان، فأحمد رجل عصاميٌّ لم ينتظر يوما وظيفة من أحد أو منحة من دولة ، بل كان يعمل بالتجارة مع استقامة وصدق وكرم يشهد به كل من عمل معه

ومرت السنوات وافترقنا فسافرت للكويت وهو جلس بسورية، وبدأت الثورة والحرب، ومرة كنت أمشي في أحياء حلب القديمة ليلا وأصوات الرصاص تدويّ من بعيد، وقد قُطعت الكهرباء عن كامل المدينة، وفجأة ظهر أمامي وكأنه خرج من المجهول، كم كانت فرحتي كبيرة ففرصة لقائي به كانت شبه مستحيلة، ولكن الأرواح لا يمكن أن تتوه عن بعضها وقضينا أياما جميلة نستذكر الماضي ونستشرف المستقبل.

وآخر لقاء لنا كان في ريف حلب وقد استغربت إصراره على البقاء في سورية رغم حياة التعب والتنقل الدائم، بعد أن تزوج ورزق ببنتين، ولكنني وجدته كما هو أحمد النشيط والدائم الحركة يساهم بأيِّ جهد ثقافي أو علمي يتاح له، وعندما سألته كيف تعيش وتكسب رزقك فقال لي: أصنع الصابون وأبيعه بين القرى.

كان أحمد دائم المتابعة لي في مقالاتي ويرسل لي يحثني على التوسع وتسجيل الفيديوهات، ويقول لي: يا أسامة أنت أتيحت لك فرصة لم تتح لأغلبنا وهي السفر والتفرغ للثقافة والعلم فاغتنمها.

رحمك الله يا أحمد كنت متواضعا وداعما لأصحابك.

ليس عندي أوهام أن البشر سينتهون عندما تموت أجسادهم، فأحمد موجود بروحه حولنا هو فقط ارتاح من تعب الدنيا، ومن ظلم الحروب وتفاهة وجهل البشر. 

أنتم السابقون يا أحمد وإنا نحن اللاحقون، ولكني تعلمت منك شيئا مهما، أنه ما دام فيّ نَفَس يخرج فسأخرج للدنيا وأعمل، أبيع وأشتري وأتعلم وأُعلم، والابتسامة تملؤ روحي لأننا راضون بقدر الله، عالمون بأعظم سننه أن هذه الحياة قصيرة، وأن الموت هو بداية الحياة الحقيقية لكل مؤمن تقي عاش حياته بسعادة وخير.

وداعا يا صديقي، سلِّم لنا على كل الأحبة، وإلى لقاء لا شك قادم.

#أسامة_الخراط

الحلقة الأولى هــــــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا