الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

أبي كما عرفته(5-10)

الاثنين 25 ربيع الأول 1440 - 3 ديسمبر 2018 53 كاتب الترجمة : الشيخ: محمود محمد الحامد
أبي كما عرفته(5-10)

إشراقات واقتباسات من حياة أبي

ربما يتخيَّر المرء في تراجم الرجال، ما يحلو له من تنضيد ألوان، تكون أسعد تصويراً، في ترسُّم ملامح من يترجم له، أوترصُّد تقلُّباته، ويستعذب من الوثائق والآثار، والمخلفات ما يراه ألصق تعبيراً، وأصدق تنويهاً، في الإفصاح عن شخصيته، أو يُنَمْنم في تنسيبها وترتيبها، ابتغاء تنجيز ما يريد.

لكن قد تندُّ عن أرساغه حلقة مفقودة، أو ربما حلقات، تتخلَّج حسبما كان قريباً منه في حياته، أو بعيداً عنه؛ هذا إذا لم يكن ممن غَبَر، ولم يسعد بلقياه أبداً، بل استوحى معالم شخصيته، من وحي قراءاته واستطلاعاته.

وهكذا ينتدب بنا الطريق ليضعنا على المحكِّ الراجب، والمزدلف النجيب، لتتفرّى الحقيقة، أن كتابة الولد عن والده، قد تختلف عن هذه الكتابات جميعاً.

إنه قد يقتنص وَمَضات، ترسَّمت على الخُطا احتذاء، أو قد يستنجز لَقَطاً، تفرَّد في معدِنه، ويستهدي إشراقات غابت عن الحِسِّ المعهود، أو قد يهادي أحاسيس ما تزمَّلها غيره.

ولذا تعصَّفت بنا مناطات البحث أن نرقم في الإلماحات التالية:

ـ الوقت المُعبَّأ كله.

ـ الصدق والحرارة في الدفاع عن دين الله تعالى.

ـ عاطفة التحرُّق على الدين، واعتمال أمر الجهاد على لسانه وقلمه.

ـ عواطف متأجِّجة، وترسُّلات رصينة.

ـ عاطفة الغضب من الأعداء والمتربِّصين.

ـ عاطفة الرحمة على الشاردين.

الوقت المعبأ كله

ما عرفت رجلاً أراقبه عن كثب كُثاب، لا تمرُّ عليه ساعة دون أن يُفرغها في طاعة، أو يُزجيها في فائدة بل فوائد، أو ينتهزها بإنجاز علمي، مثل ما رأيت من أبي؛ على حين لم تسعد نفسي بمراقبة غيره على مثل تلك الحال، وهم غير قليل في هذه الأمة.

فالوقت عنده أمر جلل، وكأنما كان لا يعزب عن سِرِّه قوله تعالى:﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:40]. 

وما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رأوه،ثم ينادي منادٍ : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون، فيقول : هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رأوه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: وأنذرهم)(1) الآية.

وهذا مما يَحمِز أمثال هؤلاء الكبار على الازدياد من الخير.

أما تراتيل يومه، فمُذ أفاقت عيناي على نور الحياة، أسمع هدير صوته بالذكر فاتحاً يومه به، مطمئناً إليه:﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد:28].﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:191].

وأشهد استشراف نفسه على مُزدلف البكور، لورد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تتردَّد أصداؤها في أجواء الغرفة بصوته الجميل، قبيل طلوع الشمس، بينما كانت أمي تعدُّ له طعام الفطور، وكانت سنِّي لا تزيد على الثالثة، ثم رأيت أنه يُوليها عناية خاصَّة، تحقيقا لقوله تعالى:[إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] {الأحزاب:56}.

وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه بها عشراً).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة)، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب(2).

وهكذا كان يتناول فطوره على غير تمكُّن، ثم يخرج إلى درسه الصباحي، في المسجد الجديد في سوق الطويل، مع اثنين أو ثلاثة من أصحابه العلماء، أو أكثر، كان درساً خاصاً ـ كما قد ذكرت ـ يطول أو يقصر حسب تقلُّب أيام السنة، وتواتر زحمة العمل.

فقد يكون قصيراً لا يزيد على ثُلث ساعة، إن كان التدريس المكلف به، في الثانويات الرسمية قد اقترب موعده، في فترات اشتداد قصر النهار في الشتاء؛ لكن من غير انقطاع.

أو يرواح بين ثلاث ساعات أو أربع، في فترات طوال النهار والعُطل الصيفيَّة، حيث يكثر الحضور من التلامذة والراغبين، ممن ألقوا عن كواهلهم عناء الامتحانات، من الطلاب الثانويين والجامعيين، والأساتذة المدرسين أيضاً.

وقد ألمعتُ أنه كان مَحفلاً خصيباً، وملتقى رطيباً، تتناغم فيه نفحات البكور، وتفتُّحات الصدور، وجذبات الحضور، عبر هدآت المسجد، وإشراقاته الصباحية.

عن صخر بن وداعة الغامدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( اللهمَّ بارك لأمتي في بكورها) وكان إذا بعث سريَّة أو جيشاً بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجراً، وكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله. رواه أبو داود والترمذي(3).

وكان كثيراً ما يُردِّد على مسامعنا هذه العبارة، التي أثرها عن أهل الاجتهاد في العبادة: ( من لم تكن له بداية مُحرقة لم تكن له نهاية مُشرِقة) لتكون شعاراً لطلبة العلم.

ثم آتيه مذ أن صلب عودي يسيراً، في أواسط المرحلة الابتدائية، ليشتري لنا حاجات البيت، ويُرسلها معي، قبل أن يلحق بعمله، وألحق بمدرستي.

ثم يعود إلى البيت، بعد قضاء ساعاته المقرَّرة عليه، إذ تختلف قلَّة وكثرة، حسب برنامجه اليومي، بعد أن كدَّ كَدُّه، واستمرَّ جهدُه، قائلا قبل الظهيرة، من حيث إنها سنة، تعين على نصف النهار الثاني، ثم يهبُّ من قيلولته إلى الصلاة وطعام الغداء، أو قد تكون القائلة بعده إن لم تتيسر قبله.

ثم يمكث بعدها في مطالعاته قبل العصر وبعده، للدرس المسائي العام، في مسجد السلطان، حيث يبدأ بعد المغرب، ولربما قضى حزبه من القرآن بعد العصر أيضاً، أو ريثما يتيسَّر له ذلك.

هذا وقد كان يمنح نفسه قسطاً من الراحة، وردْحاً من التخفُّف، استجماعاً للعود بمنشط واستيثاق، والانكفاء بعزم واهتمام، أو في ساعات اهتمامه بأسرته، ليعطيها حقَّها من الرعاية.

يعطي نفسه هدآتها، عملاً بالحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها:(... يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يملُّ حتى تملوا، وإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله ما دام، وإن قلَّ).

وفي رواية:( وكان آلُ محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه).

وفي رواية:( واكْلَفُوا من العمل ما تطيقون).

وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدكم عمله الجنة، وإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ)(4).

كما قد كان يستجمُّ أحياناً، في بعض الأيام، متنزهاً إلى ظاهر البلد، يخرج بعد العصر، مُصْطحباً بعض إخوانه أو أبنائه، إلى حيث جمال أجواء حماة، ومرابعها الغنَّاء، وهواؤها اللطيف، وبساتينها الوارفة، اللاطئة بالنهر، وخمائلها المنيفة... على أعتاب الربيع، وسحابات الصيف، وتقلُّبات الخريف، عملاً بمرادات الحديث الشريف:(إن هذا الدين يُسْر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغُدوة والرَّوحة، وشيءٍ من الدُّلجة)(5).

وبحديث: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق)(6).

وبالحديث الآخر:( إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبَتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)(7).

كما كان خروجه نظراً في ملكوت الله تعالى، استعظاماً لبديع صنعه: [هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] {لقمان:11}. واستنكاهاً لرفرفات قوله تعالى:[قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ] {يونس:101}.

وتحقيقاً لقوله جل شأنه:[ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] {الأنعام:99}.

إذ قد كان يستنزل تباريحه من كلِّ عام أياماً، إلى ساحل البحر، من غربي حماة، وجبال الشام المُشرفة عليه، وقد يكون أحياناً إلى جبل الشعرى الشاهق، الذي يطلُّ شاطئه الشرقي، على سهل الغاب الفسيح، وشاطئه الغربي على سهول البحر، فيُرى من قممه بلاد ومساحات شاسعة، حُجبت عن غيره.

كانت هذه نزهته السنوية، يتقصَّدُها، على عدٍ عديد، يصطحب فيها بعض إخوانه، ليعود منبعثاً بنشاط جديد، إلى عمله الدؤوب.

أما بعد درسه المسائي فكانت لا تكاد تفوته مناسبة اجتماعية، إلا أن يشارك فيها ـ ولو باليسير من الوقت ـ سواء أكانت تزجية أفراح، أو تعزية أتراح، أو حضور جلسة جمعية العلماء الأسبوعية، أو دروسٍ أخرى، ومحاضرات أسبوعية، يتقدَّم إليه الناشطون، ليُدلي فيها بإرشاداته، في مركز الإخوان المسلمين، أو جمعية النهضة الإسلامية، ثم تُستقصى لديه أسئلة الحاضرين، واستفساراتهم، وما يعترضهم من مشكلات، فينتضي عن حُسن بيان فيها، ذاباً عن كبد الحقيقة، في تلك الفترات العصيبة، التي مرت بها البلاد، إبان حياته، من طغيان الأحزاب الإلحادية عموماً، ثم تحزُّبات الاشتراكية خصوصاً، وتردِّى السبُل أمام الناشئة الحاشرة، فيفضي إليهم بما يعيد إلى وكَنات نفوسهم هدوءها، ومرابع قلوبهم فطرتها وسكينتها، مُنجلية على غير ران.

ثم يعود أخيراً إلى البيت، راغباً إلى الراحة والنوم، بعد أن يستبطئه الرجوعُ أحياناً إلى ما بعد ثلث الليل، فيتهالك على فراشه، وقد ألفى أسرته ـ غالب أحيانه ـ قد أسلمت إلى النوم قبله، فربما قضى حديثاً قصيراً مع أمي، ثم أخلد إلى الراحة، ليستيقظ مبكراً قبل الفجر، يستأنف إلفَ عمله.

ولئن أدرك الناس الراحة في العطلة الأسبوعية، يوم الجمعة فحظُّه منها رِدْفُ عملٍ متَّصل. إذ كان ـ في فسحة غده ـ يجْترح بعض المطالعات والأفكار، واهتبالات ما يستجدُّ في الساحة، ثم يخطب لها خطبة الجمعة في مسجد السلطان، حيث كان عُمَّاره من نوعية خاصَّة، تقصد الحضور إليه، يتقاطرون إلى سماعها، من أقاصي المدينة راغبين مستفيدين.

أما بعد عصر الجمعة فكان يحضر مجلس أخيه نقيب الاشراف، فضيلة الشيخ محمد المرتضى الكيلاني، في مسجد نور الدين الشهيد، المطلِّ على النهر، والنواعير والبساتين.

كان مجلس ذكر وسماع، وندوة حديث مُمتع، مما يرفُّ على خواطرهم وتستعذبه أرواحهم، يميل إلى الحضور فيه بعض الخاصَّة، من ذوي النسب الشريف، والمحبين والراغبين في تنقية نفوسهم، من كل أسبوع.

* * *

الحلقة الرابعة هنا

=======-

(1) روح المعاني للآلوسي: ج16ص93ـ94. 

(2) مجمع التفاسير ج5ص136ـ137. 

(3) رياض الصالحين للنووي ص389. 

(4) جامع الأصول للجزري:ج1ص209ـ212. 

(5) رواه البخاري والنسائي: جامع الأصول، ج1ص214ـ215. 

(6) الجامع الصغير، ورمز له السيوطي بالصحة. 

(7) المرجع السابق.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا