الثلاثاء 6 شوال 1439 - 19 يونيو 2018

في وداع العالم المجاهد نافع العلواني رحمه الله تعالى ( كلمات في رثائه) (4)

الخميس 2 رمضان 1439 - 17 مايو 2018 94 كاتب الترجمة : أعدَّها: مجْد مكي
في وداع العالم المجاهد نافع العلواني رحمه الله تعالى ( كلمات في رثائه) (4)

نشرت في الحلقات الثلاث السابقات بعض الكلمات في ترجمة الشيخ نافع ورثائه، وآخرها ما كتبه تلميذه الدكتور رشيد عيسى الحموي في بعض مواقفه الدعوية والجهادية، وأتابع في هذه الحلقة الرابعة ذكر بعض مواقفه التربوية والدعوية مما كتبه بعض تلاميذه الأوفياء. 

كتب تلميذه وصاحبه حسون شهاب ( أبو أحمد): 

ملاحقته وخروجه: 

كان الشيخ نافع رحمه الله عندما كان يتحرك بمدينة وهو ملاحق - وقد بقي في حماة ملاحقا ست سنوات- ولم يعتب عليه بيت من أصحابه وأهله إلا دخله، فكان عندما يتحرك كان الجواسيس والمخابرات يرون كل تحركاته، لكنهم لا يجرؤون على الإمساك به خشية المرافقين والحراس للشيخ.

والشيخ كان يحرسه رب العالمين، لكن كانوا يتوهمون أنه محروس من قبل فتيان لا يقاومون. وعندما ضاقت به الأمور ولم يعد أحد يجرؤ على العيش معه، قرر الخروج فرأى رؤيا أنه يقرأ قول الله تعالى: {..ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعَة .......}. وبعدها قرر الخروج إلى الأردن بنفس شكله ولحيته. اللهم إلا الاسم تغير وغير اسم المدينة أيضًا..

فقره وتعففه:

عندما قدم الشيخ رحمه الله الأردن كان لا يملك شيئًا. وكان معه شخص أعرفه أيضا فقدَّموا للشخص الآخر كل ما يحتاجه ومنها الفلوس والشيخ ينظر وبقي الشيخ في الأردن حوالي أربعين يوما تقريبًا لم يشبع فيها إلا مرة واحدة وذلك عندما التقى بالدكتور عبدالله عزام رحمه الله في مدينة صويلح بالقرب من عمان ويقول الشيخ نافع رحمه الله: التقيت بالدكتور ولا أعرفه ولا يعرفني فقال: بدأ ينظر إليّ وأنا كذلك، ونحن الاثنان أخذتنا موجة من البكاء فقال: يا شيخ نتغدى مع بعض اليوم، وكان اليوم الوحيد الذي شبعت فيه، وكنت قد عملت مع الشيخ سعيد حوا رحمهم لله جميعا في التحقيق لكتابه تفسير الأساس في القرآن وكنت أتقاضى أجرًا لقاء ذلك حتى أسد بعض حاجاتي ويقول: ما طلبت من أحد أي شيء حتى سهل ربنا وسافرت إلى الإمارات ويتابع الشيخ نافع رحمه الله رحلته في أبو ظبي كيف كانت في البداية خلال خمسة شهور......

والسبب في إكرام الدكتور عبدالله عزام رحمه الله للشيخ نافع أنه كان على علاقة مع الشيخ مروان حديد، ورد الشيخ نافع رحمه الله هذا الجميل عندما كان يأتي الدكتور عبدالله عزام إلى الفجيرة أثناء حرب الأفغان وكنت أنا موجودا معهم.

كيف تعرفت عليه؟

رحم الله شيخنا كان من مزاياه أنه يسلم على من عرف وعلى من لم يعرف، ويدعو إلى بيته من عرف ومن لم يعرف، ويقدر الجميع حتى إنك تخاله أنه معك ولك فقط لكثرة ما يعيش مع الشخص مشكلته وحالته وأنا أول ما تعرفت عليه كنت في مكتب الفجيرة للتربية والتعليم بالمنطقة الشرقية فحضر لتسجيل ابنته الشيماء في الصف الأول، وأنا كنت جالسا مع السكرتير عدنان الحافظ من دمشق، وعرَّف الشيخ عليَّ فقال الشيخ نافع رحمه الله: غداؤك اليوم عندنا يا شيخ. حاولت أن أتهرب لأني أول مرة أرى الشيخ فأصر رحمه على الحضور وأخذني بسيارته الأمريكية وأتى الغداء، وبقيت معه حتى العصر وبعدها أحضر لي كل شيء من حاجيات لبيتي الجديد وأعطاني فلوسا لكي أسدّ حاجتي .

هكذا بدأت المعرفة مع الشيخ، وكانت شرفًا لي، وكنت أذهب أحيانا معه للسوق، والعادة المنطبعة عند كثير من الناس أن المشايخ طمّاعون على عكس الشيخ. كان يعطي البائع أكثر من حقه، وكان يصادفه المتسول في الشارع فيعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر.

كان بائع الخضار وبائع اللحمة يقول: يا شيخ عندنا اليوم البضاعة جيدة، فكان يشتري وهو ليس بحاجة ويعطيها لمن كان معه أو يقول: خذها أبا أحمد أو أعطها لمن هو بحاجة، وكان يعرفني أنني أحب التمر والرطب فكلما جاءه رطب ينادي عليَّ وأنا ساكن بنفس العمارة بالطابق الرابع، وكان رحمه الله بيته مفتوح في أيّ وقت لأي محتاج .كذلك كان جواله لا يهدأ من تلقي الأسئلة وإجابة. كل السائلين المستفتين.

من مواقف الشيخ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 

مرة كان هناك اجتماع للوعاظ بأبو ظبي مع محمد جمعة سالم نائب وزير الأوقاف الشيخ الخزرجي، وكان كل علماء ومشايخ ووعاظ الإمارات مجتمعين في فندق بأبوظبي وحان وقت الغداء، وجاؤوا الى المائدة المفتوحة، وإذا بالشيخ ينظر خلفه وأمامه وزجاجات الخمر والمشروب على الأرفف موضوعة، فسأل الشيخ نافع رحمه الله: ما هذا ؟ البعض قال: اسكت يا شيخ ، والبعض الآخر لم يجب الشيخ، والبعض الآخر قال: هذا خمر، فاعترض الشيخ وقال: تعالوا وعلى حسابي على أيِّ مطعم خارج الفندق، فلم يتحرك معظمهم باستثناء شخص واحد مصري رحمه الله، واسمه الشيخ ماهر عقل. واعتذر هو والشيخ وخرجا. وكانت تلك نقطة سوداء بالنسبة لنائب وزير الأوقاف محمد جمعة سالم والوعاظ الذين لم يستجيبوا مع الشيخ، وقد قال لهم الشيخ ووقتها كان يوم خميس ليلة الجمعة : أنتم ستعتلون غدًا منبر رسول الله، فما ذا تقولون للمسلمين؟ وبدأت تحاك المؤامرات ضد الشيخ وصاحبه، وكانت نقطة بحق شيخنا الجليل رحمه الله، وتلك إحدى مواقفه رحمه الله تعالى.

بعده عن الواسطات والمحسوبيات: 

وكان رضي الله عنه لا يحب تبرير الخطأ ولا الواسطات، ومن ذلك: أنني اشتريت سيارة بالإمارات قبل أن أحصل على رخصة قيادة، وذهبت مع بعض الأصحاب من المعرَّة إلى كلباء بجوار الفجيرة لأول مرة، وعند الوقوف صدمت بسيارة فقال لي جاري: اهرب أنا أعرف صاحب هذه السيارة وهو معقد ومزاجه سيء، وعدنا إلى الفجيرة، لكن ضميري أنَّبني، وعدت مع صديق لي إلى مكان الحادث، وإذا بعامل هندي قد أخذ رقم السيارة، وقال: الأمر صار عند الشرطة، وكان الشيخ رحمه الله يلقي المحاضرات في كلباء كل يوم ثلاثاء، ويعرف مدير الشرطة فكلمه الأخ حمدو حمشو ليتوسط لنا، فغضب الشيخ نافع رحمه الله وقال: كيف تقود سيارة بدون رخصة؟ وكيف تهرب من الحادث؟ فقال له حمدو حمشو حفظه الله: هذا الذي حصل يا شيخ، فقام الشيخ بالاتصال بمدير الشرطة وقال له: سجّل عليه المخالفة التي يستحقها، وذهبنا إلى مركز الشرطة، وانحلت القضية.

وأذكر أن داعية كان معنا في الإمارات، وله ولد حصل على الدكتوراه في الشريعة، وأراد أن يعمل بجامعة الشارقة دون خبرة تؤهله للتدريس، وحاول مع الشيخ للتوسط له، لكن الشيخ رفض لأنه مخالف للقانون.

وكتب الأستاذ محمد إبراهيم اشحاذة : 

رحمك الله شيخنا العزيز. لقد حضرت أغلب خطبه ودروسه الشائقة في الإمارات حيث سكنها رحمه الله ما يقارب العقدين من الزمان، ولقي هناك محبة من الجميع، فكان يلجأ إليه الصغير والكبير، فتتلمذ عليه الكثير، وحاز رضى الجميع، وكان درسه يقصده أبناء المدن القريبة والبعيدة عن مكان إلقاء الدرس الأسبوعي الذي كان يلقيه كل يوم أربعاء بعد صلاة العشاء، وله دروس أخرى في المدن المجاورة رحمه الله تعالى.

إغماؤه في صلاة العيد

أذكر أنه كان رحمه الله تعالى يخطب العيد، وكانت الصلاة في المصلى خارج المساجد، وفي أثناء الخطبة أحس الشيخ وكأن اجله قد دنا منه فأصبح يوصي الناس: الصلاةَ ...الصلاةَ، حافظوا على الصلاة، ثم أُغمي عليه ووافق أن أحد الأطباء كان حاضرًا بالقرب منه فقام بالإسعافات الأولية، وكان المشفى قريبا من المُصلّى فتمَّ تدارك الأمر بفضل الله، وشُفي الشيخ من هذه الذبحة أو الجلطة بعد أشهر، ولكن الناس في المصلى كلها قامت تركض إلى الشيخ لتطمئن عليه حتى إن العيد قلب في خورفكان لحزن لما ألمَّ بالشيخ رحمه الله، ومع مكوثه في المشفى إلا أن الناس لم تنقطع عن الشيخ بالحضور والاتصال الهاتفي للاطمئنان على الشيخ. ورجع للخطبة بعد هذه الوعكة، وكانت خطبته رحمه الله موجزة ومختصرة، وكان دائما ما يخطب في أكبر مساجد خورفكان في مسجد عمر بن الخطاب، وكان إمام الجامع رجلا فاضلا من حماة أيضًا وهو فضيلة الشيخ عبد العزيز خريج الأزهر وأثناء الخطبة شعر الشيخ بالتعب فقال: أرجو من أحد الإخوة أن يخطب عني لأنني أشعر بالتعب، ونزل وقلق الناس عليه ايضا وخافوا عليه فما إن انتهت الصلاة إلا وتراكضوا عليه رحمه الله تعالى.

الحلقة الثالثة هــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات