السبت 28 شوال 1443 - 28 مايو 2022

مختصر تفسير ابن عاشور (7)

السبت 5 جمادى الآخرة 1443 - 8 يناير 2022 125 بلال فيصل البحر
مختصر تفسير ابن عاشور (7)

 

إعجاز القران

وهو ملاحة لفظه ونظمه ومعناه التي تدرك ولا توصف، قاله السكاكي، وسبيله الذوق وهو قوة يدرك بـها لطائف الكلام ومحاسنه الخفية، تحصل بالفطرة أو الاكتساب باقتناص علم المعاني والبديع والدربة فيهما، قاله السعد، لاشتمال القران على المحسنات البديعية كالتجنيس (وهم ينهون عنه وينأون عنه) والمطابقة (يضله ويهديه) والتقسيم كالفاتحة (الحمد لله) حمدني عبدي (الرحمن الرحيم) أثنى علي عبدي (مالك يوم الدين) مجدني عبدي، والتشبيه (واشتعل الرأس شيبا) والاحتراس (لبن لم يتغير طعمه) وغير ذلك.

وإعجاز القران شغل البلاغيين الشاغل، ومورد المعلول منهم والناهل، قد تناضلت فيه سهام الأفهام، وتسابقت فيه جياد الأعلام، فرجعت دونه حسرى، وقنعت بما بلغته من صبابة نزرا، ولا يعد التفسير بالغا حد الكمال ما لم يشتمل على بيان وجوه دقائق الإعجاز، وإن كانت معانيه لا يحاط بما فيها من حقيقة ومجاز، إذ القران معجزة عامة تحدى الفصحاءَ وقطعهم (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا).

وعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله متواتر في كل عصر، وتنازعوا في علة عجزهم فذهب النظام وبعض المعتزلة والأشعري في قول ضعيف عنه والشريف المرتضى والأستاذ وابن حزم إلى القول بالصِّرْفة وأن الله صرفهم عنه بسلب قدرتـهم على معارضته، وقيل مباينة أسلوبه لأساليبهم، وقيل سلامته من التناقض، وقيل لإخباره بالغيب، وذهب الجمهور إلى تعليله بعجزهم وهو الحق بدليل بقاء تلاوة منسوخ الحكم منه لتضمنه إعجازاً يقع به التحدي.

وإنما وقع التحدي بسورة لأن من أفانين البلاغة ما يرجع إلى مجموع النظم وصياغته فضلا عن ألفاظه قاله الطيبي، ومرد وجوه الإعجاز إلى بلوغ نظم القران ذروة الفصاحة، وإبداعه أساليب بلاغية لم تعهدها العرب، وهذا معجز للعرب ولمن علم لغتهم، وتضمنه من الحكم والحقائق ما تقصر عنه العقول وهذا معجز لكافة الأمم، وإخباره بالمغيبات وهو معجز لأهل الكتاب وغيرهم لأن المغيبات ثلاثة أنواع: ماضية كأخبار الأمم وحاضرة في زمانه كإخباره بفتح مكة وغلبة الروم واستخلاف المؤمنين في الأرض ومستقبلية كالساعة.

وعجز بلغاء العرب مع فصاحتهم وتوفر الداعي لمعارضته، إما خضوعا منهم له كما سمع أعرابي قوله (فاصدع لما تؤمر) فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وسمع آخر (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على هذا الكلام، وإما خوفا من الافتضاح بظهور عجزهم لما بـهرتـهم بلاغته كما قال الوليد (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى عليه).

ومن وجوه إعجاز نظم القران وفرة الدلالات والمعاني والنكت البلاغية بما لا يتهيأ مثله في كلام العرب لقصر أغراضه، ولما كان القران كتاب تذكير وتلاوة سمحت أغراضه بكثرة المقاصد، كالتقديم والتأخير في قوله (وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا) فإن (في) للظرفية المجازية فتفيد معنى الملابسة، أي أنـهم لا يسمعون حال التلبس بالشراب ما يعتري شاربيها في الدنيا من اللغو، ومثل مراعاة المقام كاجتلاب حرف التنبيه في قوله (ألا إن حزب الله هم المفلحون) مع قوله (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) ففي الأول إيقاظ للمنافقين لطلب سبل الفلاح، وفي الثاني تحذير للمؤمنين عن درك الخسار.

ومنها سلامته من ثقل النطق وتنافر الحروف وغرابة المعنى الذي وقع في كلامهم مثل مستشزرات والخفيدد والكنهبل، وهو وإن كان لا ينزله عن حد الفصاحة لكنه يعيبه، ومن هنا تيسر حفظه ووقع في الأسماع ورسخ في الأذهان.

ومنها استعماله أقرب الكلمات وأشملها للمعاني كقوله (ولقد أتوا على القرية) فتعديته بحرف الجر يفيد الاعتبار بمآلهم وحالهم مع تضمنه حكم المنع من سكنى ديارهم، ومن هنا ورد القران بأسلوب لم تألفه العرب وهو الجمع بين مقصدي التشريع والوعظ.

ومنها تضمنه أساليب لم تعهدها العرب من سجع الكهان وقوافي الشعراء ونثر الخطباء، ولهذا تحير أجلادهم في وصفه فتارة يصفونه بالسحر وتارة بالشعر ليصدوا الدهماء عنه، وأما عقلاؤهم فأقروا بمباينته لكلامهم حتى قال أنيس الغفاري (سمعت قول قول الكهنة فما هو بقولهم، ووضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم) ثم أسلم، وقال الوليد (والله ما هو بزمزمة كاهن وسجعه، وقد عرفنا الشعر هزجه ورجزه، قريضه ومبسوطه، وما هو بشعر).

فمن إعجازه التفنن في الالتفات وهو ما أسماه ابن جني بــ(شجاعة العربية) فينتقل بالقارئ من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والترادف عند التكرار دفعا للسآمة، ومراعاة تناسب آياته وسوره بحيث يكون كالكلمة الواحدة، والعدول عن اللفظ تجنبا لتكرار الأسلوب (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) فجمع القلوب عدولا عن تكرار التثنية.

ومن إعجازه اشتماله على ألفاظ يفهمها الخواص والعوام، وأخرى لا يدركها إلا الخواص كقوله (تولج الليل في النهار) فالإيلاج يشمل الأيام التي لا يدركها إلا الخواص، والفصول التي يدركها العوام، قاله ابن عرفة، ومنه مما لا تعرفه العرب التنبيه على طرق الحجج العقلية بالرد على أهل الملل ببراهين عقلية كقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ونحوه.

ولا تنحصر بلاغته في تركيبه ونظمه بل تتعدى إلى كيفية الأداء، ففي الوقف على الكلمة وتعقيبها بما بعدها استئناف بياني يحدث في نفس السامع التشوف لما بعده والاستعداد للمعنى، كقوله (هل أتاك حديث موسى (وقف) إذ ناداه ربه..) فضلا عن تكثير المعاني كقوله (ذلك الكتاب لا ريب فيه) فالوقف على (ريب) فيه مجاز الحذف تقديره لا ريب في أنه الكتاب، وعلى (فيه) إطناب أي إن هذا الكتاب كله هدى.

وفي القران مبتكرات لا تعرفها العرب كالجمل المشتملة على قواعد كلية تعم النادر الذي لم يكترث له العرب، كقوله (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) فدل على أن الهوى يحمد إذا كان عن هدى، ومثل التسوير والتقسيم كما قال الزمخشري، وكالأسلوب القصصي الذي لم يقع إلا نادرا في شعرهم كالنابغة ونحوه، وكالإيجاز الذي هو محك الفصاحة وقد سمع بطريك الروم قوله (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه) فقال لعمر: جمعت هذه الاية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والاخرة، ومنه إيجاز الحذف كقوله (في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر) حكاية عن المذاكرة في شأن المجرمين، ومنه حذف الجمل كقوله (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) أي: فضرب فانفلق، وحذف المضاف كقوله (لكن البر من آمن) أي: بر من آمن.

ومن أساليبه اشتماله على جمل جارية مجرى الأمثال وهو باب بديع نادر ولأجله عدت قصيدة زهير في المعلقات كقوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن) و(قل كل يعمل على شاكلته) ومنها الإطناب في التوصيف (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق..) ومنها الجزالة والرقة ولا تخلو منهما آية.

وللقران عادات ينبغي للمفسر التعرف عليها، وقد اعتنى بـها السلف كقول ابن عباس (كل كأس في القران يراد بـها الخمر) وقوله (ما كان في القران يا أيها الناس فالمقصود به المشركون من أهل مكة) وقول ابن عيينة (ما سمى الله مطرا في القران إلا عذابا) وذكر الزمخشري أن عادة القران أنه لا يجيء بوعيد إلا أعقبه بوعد ولا بنذارة إلا أعقبها بشارة، وقول الفخر إن عادة القران إذا ذكر التشريع أن يعقبه بذكر الإلهيات لتأكيد التكليف.

وقد اشتمل القران على نوعي العلم الاصطلاحي وهو الذي يعد حامله في العلماء، والحقيقي وهو معرفة ما بمعرفته كمال الإنسان من التوحيد والتشريع والأخلاق، وادعى الشاطبي أن القران لا يتأول إلا على المتعارف عند العرب، وظاهره انحصار إعجازه فيهم، ولا يسلم له هذا لحديث (ما من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) فدل على أن معجزته لا تختص بقومه كسائر الأنبياء لأنـها وحي عام بالقول وليست من قبيل الأفعال، وعليه فيمكن لكل من أدرك وجه إعجازه أن يؤمن به من سائر الأمم، ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام أكثر الأنبياء أتباعا.

الكلام على البسملة

البسملة نحت مولد لجملة (بسم الله) للتخفيف كما قال ابن أبي ربيعة:

لقد بسملتْ ليلى غداةَ لقيتُها....ألا حبذا ذاك الحبيبُ الـمُبسمِلُ

واتفقوا على أنـها جزء آية من النمل، وعلى كتابتها في أول كل سورة عدا التوبة إلا ما روي عن مؤرج السدوسي أنه أثبتها، وعلى أنـها آية مستقلة، ويستحب البداءة بـها في كل مهم لحديث حسن (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع) وحكى أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله افتتح جميع كتبه بالبسملة.

وتنازعوا في كونـها آية من كل سورة كما قاله الشافعي وابن المبارك لاتفاق الصحابة على كتابتـها في المصحف ولا يكتب فيه إلا القران، خلافا لأبي حنيفة ومالك والأوزاعي في نفي قرآنيتها لأن القران متواتر والمتواتر لا يختلف فيه، وعند أحمد وإسحاق آية من الفاتحة خاصة لحديث البخاري عن أنس: كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مدا، وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، والخلاف في قراءتـها في الصلاة يتخرج على هذا، واتفق القراء على قراءتـها في أول التلاوة وتنازعوا فيما بين السور عدا التوبة على قولين هما روايتان عن نافع.

قوله (بسم الله) حذف متعلق المجرور إيجازاً للتبرك في البداءة باسم الجلالة وقرينة العلم به، وقد تقرر أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم وعليه يصح تقديره بأبدأ وغيره، وتقديره بـ(أقرأ) أنسب لمقام التلاوة وبـ(أُفسّر) أنسب لمقام التفسير وهكذا، والباء فيه للمصاحبة تبركا بملابسة اسم الجلالة في جميع أجزاء الفعل، والاسم لفظ دال على ذات حسية أو معنوية واشتقاقه من سمو وهو العلو عند البصريين، وعند الكوفيين من وسِم وهو العلامة، وشذ ابن حزم فادعى أنه اسم جامد غير مشتق.

وإنما قال (باسم الله) دون (بالله) تحقيقا لتوحيد الرب وتبركا باسمه دون غيره كما قال (بسم الله مجريها ومرساها) وفي ذكر (الرحمن الرحيم) بعد اسم الجلالة رد على النصارى الذين يفتتحون أدعيتهم بذكر الأقانيم الثلاثة، فبين لهم أن المعبود واحد وإن تعددت صفاته وأسماؤه.

الحلقة السابقة هــنا

 

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين 

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا