هناك أربع سمات بارزة في منهج الاستنباط الفقهي في الصدر الأول من تاريخ علم أصول الفقه: الأولى: أن الفقيه كان يُصدر فتواه دون أن يصرح بالدليل إلا عند الحاجة. الثانية: أن تطبيق الأصول على الفروع لم يكن تطبيقا صارما. الثالثة: أن هذه الأصول لم تكن موحدة بين جميع الأقطار. الرابعة: أن الفقهاء كانوا يعتبرون ما عليه أهل بلدهم، ولا يخرجون عنه إلا لمسوغ ظاهر جلي. والسمات الثلاث الأخيرة هي التي جعلت الفقه الإسلامي عبر القرون مواكبا لتطورات الحياة، مُحَصِّناً لها من الانفلات من ربقة الشريعة؛ ذلك أن هذه السمات الثلاث تشير إلى ثلاثة مقاصد: المقصد الأول: أن المرونة في تطبيق الأصول على الفروع تجعل المفتي (أو القاضي) يطبق أحكام الشريعة على أفعال المكلفين مراعيا الخصوصية والاستثناء، ومراعيا المآل، والذريعة سدا وفتحا. المقصد الثاني: أن عمل أهل البلد يساعد على الاستقرار الفقهي والقضائي في كل بلد، ويُمتن علاقة الوحدة بين أفراده. فالفتوى ليست سلعة تصدر من بلد إلى آخر! المقصد الثالث: أن علم أصول الفقه –مثله مثل الفقه- كان في الصدر الأول يعالج المشاكل الواقعة في كل مجتمع، ويراعي خصوصيات كل بلد. أما علم أصول الفقه المجرد عن الأزمنة والأمكنة والأشخاص الذي اعتنى به الأصوليون المتكلمون فهو ضروري أيضا، لأن به يقوَّم الفكر، ويعصم من الزلل، ويقي من الانخداع بالمغالطات: فلا بد للمشتغل بالفتوى والقضاء من علم يضبط له الثوابت ويحدد له القطعيات التي يجب أن يراعيها ولا يخرج عنها مهما اختلفت الأزمنة، وتباعدت الأمكنة، وتغيرت أوضاع الأشخاص، وتباينت أحوالهم. مِن كُتَيِّبي: "علاقة الإنتاج الفقهي بعلم أصول الفقه المدون"، (مع بعض التصرف اليسير).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


