الوحي ... الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح

الوحي ... الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ١ محرم ١٤٣٨ هـ - ٢ تشرين الأول ٢٠١٦
931

 

اطلعت على مقال بعنوان: «العقل ... الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح»، نشرته مدوّنة «هافينغتون بوست الألكترونية ـ HUFFPOST»، وفيه ركّز كاتبه على أمرين اثنين، الأول: التأكيد على أن العقل مقدّم على النقل. والثاني: اتهام المؤسسات الدينية المختلفة، سواء الأكاديمية أو المشيخية بجملة من الاتهامات، التي تتلخّص في كونها لا تعطي العقل حقّه، وفي كون منهجها يقوم على أساس التلقين وملء العقل باللامعقولات، وأنها تقيّد الفكر والإبداع، وأنها تقوم بالتحليل والتحريم من غير ضابط حقيقي.

وبالرغم من أن جُلّ ما ورد في المقال من تفاصيل يحتاج للتوقف عنده، إلا أني سأكتفي بإضاءة بعض النقاط الأساسية فيه، وهي على النحو التالي:

أولاً: ورد في المقال ما نصه: «إن إعادة النظر في جميع  المعتقدات والافكار وغربلتها ـ مهما كان مصدرهاـ ... قد يكون الخطوة الأولى لعودة الأمة لسلوك الطريق الصحيح». وقد رأيت في هذا الكلام غموضاً وإبهاماً تقتضي الأمانة والشفافية من الكاتب بيانه وإيضاحه، وهو ما لم يفعله...

ثانياً: طالب كاتب المقال المؤسسات الدينية بتحرير العقل، وعدم كبح خيالاته، وباستبصار الأمور بشكل جيد، كما طالبها بعدم التبعية العمياء لكذب الدجالين، أو حيل المشعوذين... وأرى في هذا الدعاوى والعمومات تجنّيا ومغالطة، أما التجني: فلأن الواقع يشهد بخلاف ذلك. وأما المغالطة: فلأنّ التعميم في الأحكام لا يخلو من الخطأ، وربما يكون هذا التعميم ناتجاً عن تجاهل لأقدار الآخرين.

ثالثاً: إن ما صدر عن الكاتب من اتهامات، من غير تحديد لها ولا تقييد، ولا تبيين لأسمائها ولا تعيين، أقل ما يقال فيه: إنه كلام مرسل، لا خطام له ولا لجام، يفتقد للدقة، وينم عن عدم اطلاع بإنصاف على تراث وحضارة المسلمين وإنجازاتهم في كل المجالات العلمية والإبداعية.

رابعاً: إن ما بدأ به الكاتب مقاله من الإشادة بالعقل، يعدّ من البدهيات المسلمة، التي تضافرت على إثباتها الأدلة، من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وكلام علماء الأمة، قال الآمدي: «اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً فاهماً للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال ... ». الإحكام في أصول الأحكام (1/138 ـ 139).

خامساً: ما رآه الكاتب ـ من تقديم النقل «الصحيح» على العقل ـ اتهامًا للمؤسسات الدينية، فإنه في حقيقته يعدّ شرفاً وتزكيةً لمنهجها، وليس نقيصة أو تهمة.

سادساً: إنّ في دعوة الكاتب لتقديم العقل على النقل إحياء لدعاوى المعتزلة، الذين يقدّمون العقل على الوحي، ويُعملون مبدأ «الفِكر قبل ورود السمع»، ويجعلون العقل كاشفًا عن جوهر الدين، وينصّبونه مرجعًا لا يختلف ـ من حيث الوظيفة والرتبة ـ عن الوحي، وعن القرآن الكريم، وهم في ذلك متأثرون بكتب الفلاسفة وآرائهم، قال القاضي عبد الجبار بن أحمد، في كتابه (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة): «والأدلة ثلاثة: دلالة العقل، لأنه يميز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرّف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع ... »، (ص: 128)، طبعة تونس، 1972. ومعلوم أن هذه الأفكار بلغت ذروتها في عهد المأمون (188 -218 هـ)، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «ثم ظفر المأمون ... واستقام له الحال في الخلافة، وكان على مذهب الاعتزال؛ لأنه اجتمع بجماعة، منهم بشر بن غياث المريسي، فخدعوه وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه»، البداية والنهاية (10/ 301).

أخيراً:  إن إعطاء المعتزلة للعقل أكثر من حقه، وتقديمه على الوحي، قد أدى إلى معارضة الأحاديث الصحيحة، وإلى محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص الثابت من الكتاب والسنة. 

هذا ما سنح به الخاطر، وسمح به الوقت، والله من وراء القصد.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...