الاثنين 10 صفر 1442 - 28 سبتمبر 2020

عَظَمةُ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم مجمع العَظَمات (2)

الخميس 30 ذو الحجة 1441 - 20 أغسطس 2020 111 العلامة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى
عَظَمةُ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم مجمع العَظَمات (2)

الدعامة الثانية:

وأما الدعامةُ الثانية من دعائمِ العَظَمة، وهي مدى الإبداع والسموِّ فيما يأتي به العظماء، فإنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له فيها أعظم الآثار. فقد بنى القواعدَ الخالدة للحياة الشخصيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، وأقام هذه الحياة في جميع ميادينها على النظم الصالحة بذاتها والمكفولة النجاح في مُعترك الحياة العقليَّة والعمليَّة بحسب فطرة البشر. 

وقد أرسى جميع الأسس الإصلاحية الجديدة في أرض خواء بدءاً من الصفر، وفي جو سلبي مُقاوم عَنيف.

ونلخِّص هذه القواعد المتينة الناجحة بأنَّه عليه الصلاة والسلام قد أتى بالنظام الذي يجمع بين الواقع والمُثل الأعلى ويوفِّق بينها توفيقاً بديعاً، وينظِّم مَنافع العناصر المتضادَّة في الحياة، فلم يهمل أحد الضِّدَّيْن، لأنَّ كلا منها قوة تُفيد إذا أُحسن استعمالها في محلها المناسب.

وبيان ذلك أنَّ الحياة في هذا المجتمع البشري المملوء بالخير والشر، وبالأخيار والأشرار تحتاج إلى عناصر مُتضادة: فكما يحتاج الزرع إلى الحرِّ والبرد وإلى الجفاف والمطر. وإلى الشمس والندى، تحتاج الحياة البشريَّة كذلك إلى الرحمة والقسوة، إلى اللين والشدة، إلى الصفح والكبح، إلى العمل والراحة، إلى الحرب والسلم، إلى التواضع والاعتزاز، إلى التخيير والإجبار، إلى الموعظة الحسنة والمقامع الخشنة، وهكذا.

وإنَّ الفضيلة والحزم من الفرد والجماعة والحكام إنَّما يقومان على حُسن استعمال جميع العناصر المتضادَّة، والإفادة من كلٍّ منها في المحلِّ والوقت المناسب له، ولا يقومان على الأخذ بأحد الطرفين المتضادَّين من هذه الوسائل الحيويَّة وإهمال الآخر. 

فإنَّ الاعتماد على أحد هذه العناصر المتضادَّة في نظام الحياة دون ضدِّه قد يوصل الإنسان إلى موطن لا تصلح فيه الحال إلا باستعمال ذلك الضد. فاللين الدائم يُفسد النتائج، والرحمة الدائمة تنبت الفوضى، والعفو الدائم يشجع على الجريمة. والمسالمة الدائمة تطمع العدو، وهكذا.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يتميَّز في تاريخ البشريَّة وفي النبوات والمذاهب الإصلاحية بأنَّه قد أتى بشريعة جمعت بين هذين الطرفين: الواقع والمثل الأعلى جمعاً عجيباً، وألَّفت بينهما تأليفاً بديعاً، وسخَّرتها معاً لحاجات الحياة تسخيراً حكيماً یکفل مداواةَ عِلَلِها، وإصلاحَ خَلَلِها بها معاً، ويستخدم كلاً منهما في موقعه الضروري من حاجات الحياة.

ولننظر هذا الجمع والتسخير الحكيم في الأمثلة التالية من شريعته عليه السلام: 

(أ) - قد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرحمة وعمَّمها حتى على الحيوان، وجعل في إطعام الحيوان أجر الصدقة إذ يقول: (في كل كبد رطبة أجر)، ومنع تعذيب المقتول من الإنسان بحق، والمذبوح من الحيوان فقال: (إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، حتى وصل في الرحمة إلى مثل قوله عليه السلام: (دخلت امرأةٌ النَّارَ في هِرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خَشاشِ الأرض). وكان يصغي الإناء بیده للهِرَّة لتشرب.

ولكن إلى جانب هذه الرحمة المتناهية في مجالها المعقولة شرَّع عکسها عند الحاجة إليه، كالقصاص وقتل المؤذين وعقوبة المجرم. 

(ب) - وكذلك أمر صلى الله عليه وآله وسلم بالسِّلْم والمودَّة بين الأفراد والشعوب. وتعارفهم وتعاونهم على الأهداف الكريمة. وجاء في القرآن العظيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ ﴾ [الحجرات: 13] ، وجاء فيه أيضاً: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا﴾ [الأنفال: 61].

ولكن إلى جانب هذا الاتجاه السلمي النبيل جاءت شريعته بالمحاربة لمن يکيد للإسلام ويبغي حربه، وأمرت ببذل الوسع في الاستعداد لمقاومته، فجاء في القرآن العظيم أمر المؤمنين بذلك في قوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ ﴾ [الأنفال: 60]. وقديماً قال المثل: (الحديد بالحديد يُفلح). 

(ج) - وكذلك أمر عليه السلام بالتواضع للإخوان بقوله: (من تواضع لله رفعه) ولكنه إلى جانب ذلك شرع الاعتزاز على العدو المغالب، إذ قال القرآن العظيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾ [المائدة: 54] وقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (من أعطى الذِّلَّة من نفسه طائعاً غير مُكره فليس منا).

(د) - وكذلك ندب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى العفو عن المسيء في الحقوق الشخصيَّة الخاصَّة لأنَّه فضل ومكرمة، وقال القرآن العظيم: ﴿فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ ﴾ [الشورى: 40] ولكنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب ذلك قد شدَّد وقسا قسوة الحزم في الحقوق العامَّة، فمنع العفو عن حقوق الله تعالى في إقامة الحدود، ونها عن الشفاعة فيها.

هذه المجموعة من الأمثلة يقتطفها الناظر من ثمر جم، وهي تدل على مبلغ ما في شريعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تقدير لضرورة العناصر المتضادَّة، وعلى أنَّ الحياة البشريَّة الصالحة لا تستغني بأحد الضِّدَّيْنِ منها عن الآخر، لأنَّ كليهما في الحاجة العمليَّة كالحقائق المختلفة في الحقائق العلمية. فإذا علم الإنسان إحدى الحقائق في موطنها، وجهل الموطن الذي تنعكس فيه كان علمه ناقصاً، وقياسه خطأ. 

تساؤل وجوابه:

وبعد هذه الأمثلة الناطقة قد يَرد على الذهن السؤال التالي: إنَّ هذا الموقف الحكيم من العناصر المتضادَّة في الحياة، والاستفادة من كل منها في الموطن المناسب هو من القواعد التشريعيَّة في نظام الإسلام.

وهذا النظام في عقيدة المسلمين وحي من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس من وضع الرسول وتدبيره وتقديره؛ لأنَّه لا ينطق عن الهوى، ولا سيما في أحكام الشريعة، ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ٤﴾ [النجم: 4]. وبعض هذه القواعد جاءت به نصوص القرآن المنزَّل، وليس مصدره السنة النبوية وحدها.

فما وجه اعتباره من جوانب عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو ليس من صنعه؟

والجواب عن ذلك: أنَّنا إنَّما نعرض هذه الجوانب من عظمة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بالنظر الذاتي إليها من حيث كونها حقيقة واقعيَّة في تاريخ البشريَّة جاء بها إنسان مُصلح رائد قائد بقطع النظر عن مصدرها.

فالمسلم يَرى فيها العظمة من جهة مصدرها الإلهي بحسب عقيدته، ومن جهة من اختير لحملها وأدائها، فإنَّه لا يمكن تحمُّل المهمَّات الجسيمة للضعفاء أو للعاديين من الناس، وإلا باءت بالفشل والخيبة، فعظائم الأمور عهدة العظماء.

وأما غير المسلمين ممن يعتقدون أنَّ هذا النظام الإصلاحي العظيم الذي أتی به محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو من صنعه، فلا مجال لهذا السؤال منهم، إذا لا إشکال في إسناد العظمة لمن صنع الشيء العظيم.

وهذه المزيَّة في قواعد الشريعة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي الاستفادة من جميع العناصر المتضادَّة كل في الموطن المناسب له، إذ أسميناها بالتوازن في نظام الإسلام، وجدها متمثلة في ذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصدق تمثل، إذ كان في جميع أحواله ومواقفه وأخلاقه مثالاً حیاً لهذا التوازن. فقد استخدم عليه السلام في سلوكه العملي كلاً من تلك الأضداد في الموطن الذي يناسبه أو يقتضيه:

فالمزح والجد، واللين والشدَّة، والرحمة والقسوة، والتواضع والترفُّع، والزهد والاستمتاع، والمحاسنة والمخاشنة، والمسايرة والتأبي، والمسارعة والتأني، والموداعة والتنمُّر، والحلم والغضب، والملاطفة والمجابهة، إلى كثير غير ذلك من المتضادَّات، كلها موجودة في سيرته وسلوكه يستعمل كلا منها في محله المناسب حيث يكون هو من مَکارم الأخلاق وحسن التقدير وحكمة السلوك ومُقتضى الحال، ويكون ضدُّه هو الخطأ أو سوء التقدير.

ولنعرض في هذه الناحية بعضَ صورٍ من هذا السلوك الحكيم المتوازن في الأمثلة التالية: 

(أ) ثبت في سيرته صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يمزح في بعض الأحيان والمناسبات ولكنه لا يقول في مزاحه إلا الحق والصدق. من ذلك قوله لإمرأة مُسنَّة: (لا تدخل الجنة عجوز). فلما ظهر عليها الحزن والاكتئاب ضحك وبيَّن لها أنَّها لا تدخل – وهي عجوز، بل يعود إليها شبابها فتدخلها شابَّة.

(ب) كان عليه الصلاة والسلام يتنزل إلى مستوى الأطفال فیداعبهم بما يسرهم. وكان يضع ظهره لسبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما في طفولتهما ليركبا عليه، ويقول لهما (نعم الجمل جملكا، ونعم الحملان أنتما). وكان يصفهما بأنَّهما ريحانته من الدنيا، ولكنه حينما وضع أحدهما في فمه تمرة الزكاة (وهي محرمة على الرسول وآله) لم يمكِّنه من ابتلاعها، بل استخرجها من فمه.

(ج) كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرحم الناس، وقد وصفه القرآن بأنَّه: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 128]. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمکم من في السماء)

وروى ابن مسعود رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا». [رياض الصالحين للنووي، الحديث، ۱۹۰۷].

وروى الشيخان البخاري ومسلم أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينها كلب يطيف بركية - أي بئر - قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها - أي خُفها - فاستقت له به فسقته، فغفر لها به).

فهذه الرحمة ورقَّة القلب والرفق كان إلى جانبها في نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشِّدَّة والبأس في الأمور التي تفسدها الرأفة، فقد قاتلَ الأعداء المقاومين للدعوة وصمد لهم وقتل منهم، وعفا عمن توقع أنَّه قد يصلحه العفو. وكان في المعارك الحربيَّة إذا اشتدَّ البأس يكون هو الأقرب من أصحابه إلى صفوف العدو وشوكته.

ولما سَرقت المرأة الشريفة المخزوميَّة، وأراد بعض أصحابه أن يتشفَّع فيها استنكر صلى الله عليه وآله وسلم منه ذلك، وأطلق كلمته الخالدة المشهورة: (إنما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى) [رواه مسلم].

(د) جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سلوكه الفعلي بين التوكل على الله وبين الأخذ بالأسباب المادية العادية جمعاً حکیماً يوضح المقصود بالتوكل في شريعة الإسلام، ويميِّز بينه وبين الإهمال والكسل والتواكل. 

ففي الهجرة اتخذ عليه السلام كلَّ وسائل التكتم والتخفي والتمويه في سلوك الطريق إلى المدينة لتضليل الأعداء عن مساره وآثاره إذا تبعوه، وتوكل على الله تعالى في إنجاح هذه الوسائل التي يستطيعها، وتيسير ما لا يستطيعه منها، وإزالة العوائق المحتملة التي لا يملك هو القدرة على منعها أو إزالتها.

ثم في غزوة أحد ظاهر عليه السلام بين درعين (أي لبس إحداها فوق الأخرى) زيادة في التوقي من سلاح العدو.

وكذلك لما سأله رجل: هل يترك ناقته مُطلَقَةً بلا عِقَال، ويتوكَّل على الله في حفظها، قال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (اعقل وتوكل)، وهكذا كان فعله وتعليمه أكمل صورة وأحكمها في الجميع بين اتخاذ الأسباب الماديَّة كافَّة دون تهاون، وبين التوكُّل على الله تعالى فيما وراء ذلك ممَّا هو فوق قدرته من عوامل النجاح.

إنَّ هذا التوازن الذي يبلغ الغاية والنهاية في دِقَّة التمييز بين الأحوال المختلفة، وتوزيع المواقف المتضادَّة عليها بحسب طبيعة كل منها وظروفها ومُقتضياتها بالحكمة والاعتدال، کیلا يُصبح التسامح فساداً، والرأفة ضعفاً، وقِلَّة المبالاة خللاً ومضيعة للحقوق والواجبات والمصالح - هذا التوازن في شخصيَّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسلوكه كان صورة تطبيقيَّة دقيقة لذلك التوازن في الشريعة الكاملة التي جاء بها.

[للمقالة تتمة في الجزء التالي]

الحلقة السابقة هــــنا

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية 1400هـ، الجزء الخامس ص225-267

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا