الخميس 23 ذو الحجة 1441 - 13 أغسطس 2020

ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ (1 من 4)

الأربعاء 17 ذو القعدة 1441 - 8 يوليو 2020 78 غازي التوبة
ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ (1 من 4)

سؤال تقليدي 

إذا طرحنا السؤال التالي على المسلمين المعاصرين: ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ لوجدنا أن الجواب على هذا السؤال جاهز ومشهور، وهو: إن معجزة الرسول ﷺ الأولى والرئيسية بلاغية بيانية لغوية، بمعنى أن الآيات والسور القرآنية معجزة في نظمها وألفاظها وجملها وصياغتها وتشبيهاتها وصورها وخيالها، وقد تحدى القرآن الكريم العرب المشركين على عدة مراحل، وهم أهل البيان والفصاحة، وقد كان الشعر العربي والمعلقات دليلاً على ذلك، فكانت أرقى ما يمكن من ناحية فصاحتها وبلاغتها، وهم كتبوها بماء الذهب وعلقوها على جدران الكعبة افتخاراً وتقديراً منهم لهذا الشعر.

فجاء تحديهم بأن يأتوا بمثل القرآن الكريم ثم بعشر سور ثم بسورة واحدة من ناحية بلاغية، فوقع العجز منهم، ولم يستطيعوا أن يأتوا بسورة واحدة، لذلك تحقق الإعجاز البلاغي البياني للقرآن الكريم، وتحقق العجز منهم أمام دعوة الرسول ﷺ.

ولا بد من الإشارة إلى المعجزات الحسية التي جاءت على يدي الرسول ﷺ، ومنها انشقاق القمر، ومعجزة الإسراء والمعراج، ونبع الماء بين يديه، وإطعام الجيش ذي العدد الكثير بطعام قليل إلخ.....

لكن مع إقرارنا ـ نحن ـ بكل تلك المعجزات الحسية وإقرارنا بمعجزة تنبؤ القرآن بوقوع بعض الغيوب قبل حدوثها من مثل حديثه عن انتصار الروم في قوله تعالى: "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"(الروم، 2 ـ 4)، ومع إقرارنا بكل ذلك، بقي الراجح والمتعارف عليه في كل العصور السابقة أن الإعجاز في القرآن الكريم هو إعجاز بياني بلاغي لغوي.

وقد أكد العلماء المعاصرون هذا التوجه، ويمكن أن نستشهد بأبرز كاتبين تحدثا عن إعجاز القرآن هما: الدكتور محمد عبدالله دراز والشيخ محمد أبو زهرة رحمهما الله.

فقد وضع الدكتور دراز في كتابه عنواناً هو "القرآن معجزة لغوية" وكتب تحت هذا العنوان "استقصاء الشُّبه الممكنة حول هذه القضية تمهيداً لمحوها واحدة واحدة"، ثم بدأ باستقصاء الشبه واحدة واحدة لتأكيد أن القرآن معجزة لغوية.(النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن. صفحة 100).

وكتب الشيخ أبو زهرة في كتابه تحت عنوان "سر الإعجاز" فقال: "أن الأساس في عجزهم هو ما فيه من بلاغة ورنة قول، ونغمة بيان أدركوها بذوقهم البياني".(المعجزة الكبرى القرآن. صفحة 77).

وأنا أعترف وأقدر أن ما تحدث عنه أسلافنا من الإعجاز البياني البلاغي للقرآن الكريم صحيح، لكنه ليس المعجزة الأولى التي جاء بها القرآن الكريم والأرجح أنها تالية لمعجزة سبقتها تتعلق بمضمون القرآن الكريم، والمعاني التي قررها، والحقائق التي تحدث عنها، والمبادئ التي أعلنها، والقيم التي أبرزها، والمفاهيم التي قدمها، والأخلاق التي دعا إليها، والتشريعات التي قعّدها إلخ.....، لذلك أعتقد أن المعجزة الأولى للرسول ﷺ هي مضمون السور القرآنية من ناحية، وأنها تجسدت على الأرض بثلاثة أشياء: "مسلم موحد"، و"أمة مسلمة"، و"دولة مسلمة" من ناحية ثانية. وأن كلاً من هذه الأمور الثلاثة "معجزة" في صورتها التي انتهت إليها، فقد وقع الإعجاز في مضمون القرآن الكريم، وفيما جسّده هذا المضمون في واقع الحياة البشرية من "مسلم معجز" و"أمة معجزة" و"دولة معجزة"، ومن أجل توضيح هذه الأمور المعجزة سنتحدث أولاً عن "المعجزة".

ما المعجزة؟

من الجدير بالتنبيه أن كلمة "معجزة" لم ترد في قرآن ولا سنة، إنما استخدم القرآن لفظ "آية" أو "آيات" للدلالة على "المعجزة" أو "المعجزات"، قال تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات"(الإسراء، 101).

وقد خاطب الله تعالى موسى عليه السلام عندما كلمه وأعطاه معجزتي العصا واليد وسماهما آيتين فقال تعالى: "وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى"(طه، 17 ـ 24).

وكانت معجزتا موسى عليه السلام اللتان جاء بهما إلى فرعون هما: العصا وخروج يده بيضاء، وعند تعريف المعجزة حسب ما ورد في كتب الإعجاز، نجد أن العلماء عرفوها فقالوا: "المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة من المرسل إليهم".

والآن نأتي إلى معجزة الرسول ﷺ، فنقرر أنها القرآن الكريم، لذلك تحداهم أربع مرات، أن يأتوا بمثل القرآن أولاً، ثم بعشر سور مفتريات ثانياً، ثم بسورة واحدة ثالثاً، فما هي آيات التحدي؟ 

الآيات هي:

قال تعالى: "فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين"(الطور، 34). 

وقال تعالى: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين(البقرة، 23).

وقال تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"(يونس، 38).

وقال تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"(هود، 13).

ملاحظات على آيات التحدي:

الأولى:

لقد تحدى القرآن الكريم المشركين أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن أو عشر سور، لكنه ربط الإتيان بالسورة أو بالسور العشر في الآيات الثلاث التي ورد فيها التحدي بدعوة الآخرين من دون الله، وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا طلب القرآن دعوة الآخرين من دون الله إن كانوا صادقين؟

أعتقد أن المقصود من ذلك إثبات المصداقية من عدمها، فإن استطاعت السورة الواحدة أو العشر سور المفتريات أن يؤثر مضمونها في الفرد مثل تأثير مضمون سور القرآن الكريم التي بنت "إنساناً معجزاً" بقلبه وعقله وجسمه، وبنت "أمة معجزة" توحدت فيها الأجناس بشكل غير معهود، وبنت "دولة معجزة" أقامت العدل والمساواة والشورى بشكل غير مسبوق إلخ......

لذلك نستطيع أن نؤكد أن المعنى المقصود من إبراز عبارة "وادعوا شهداءكم إن كنتم صادقين" أو "وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" مرتين هو تحديهم أن يأتوا بمضمون يوازي مضمون القرآن ويبني على الأرض إنساناً ومجتمعاً ودولة كالتي بناها الرسول ﷺ.

الثانية:

من الواضح أن التحدي الذي جاء به القرآن الكريم هو التحدي بالسورة وليس بالآية، كما هو واضح في الآيات الثلاث، والسؤال الآن: لماذا كان التحدي بالسورة وليس بالآية؟ لأن السورة ذات مضمون، تقوم على حقائق ومبادئ وقيم وأفكار، وهذا المضمون هو الذي يبني الفرد والأمة والدولة، أما الآية فيبقى معناها محدوداً، ولا يمكن أن تبني إنساناً أو أمة أو دولة أو جانباً من إنسان أو أمة أو دولة، لذلك نرجح أن التحدي الأول للعرب المشركين وللأمم الأخرى أن يأتوا بمضمون مثل هذا المضمون القرآني، ثم أن ينجحوا في تجسيد هذا المضمون بإنسان وأمة ودولة توازي ما بناه الرسول ﷺ.

الثالثة: 

قدم القرآن الكريم لآية التحدي التي وردت في سورة يونس بأن أخبر بأن أحداً لا يستطيع أن يفتري هذا القرآن من دون الله والحقيقة أن هذا القرآن مصدق لما قبله، ومفصل له، ولا شك أنه من تنزيل رب العالمين، وهذه الأمور ترجح الحديث عن جانب المضمون وليس البلاغة، فالتوراة والإنجيل كتب ذات مضمون ولم تكن كتباً ذات بلاغة بحال من الأحوال، فقال تعالى: "وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين"(يونس، 37).

ثم انتقل إلى آية التحدي وأتبعها بأن قال: "وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"، وبيّنا كيف أن هذه العبارة جاءت لترجيح المضمون على البلاغة في الإعجاز.

ثم قال تعالى: "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله"(يونس، 39)، وذلك يعني بأنهم كذبوا بما لم يستطيعوا الإحاطة بعلمه، أي لم يستطيعوا الإحاطة بالمعلومات والحقائق والمبادئ والأفكار والمفاهيم والمعارف والقيم والقصص التي وردت في القرآن الكريم، وهذا تعجل وخطأ منهم في التكذيب.

ثم قال تعالى: "ولما يأتهم تأويله"، التأويل تعني: ما سيؤول إليه الأمر، وهنا تعني أنهم لم ينتظروا حتى يروا تحقق كلام القرآن في واقع الحياة كإنسان مسلم ذي شخصية متميزة آمنة مطمئنة فعالة مؤثرة إيجابية بناءة بشكل معجز، وكأمة أقامت دين التوحيد، وانصهرت فيها القبائل والأعراق والأجناس في وحدة رائعة بشكل معجز، وكدولة أقامت العدل وانتصرت للضعفاء بشكل معجز، ولم ينتظروا حتى يروا تلك النتائج فكان خطأ آخر وقعوا فيه بالإضافة إلى التكذيب السابق.

ثم تأتي آية أخرى توضح جانب العمل في التحدي، فقد قال تعالى: "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون"(يونس، 41)، وإن كذبوك واستمروا في دعواهم أن القرآن مفترى من عندك، فقل لهم إن العمل هو فيصل آخر في التدليل على المصداقية، لذلك قل لهم "لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" إن عملي سيأتي مصدقاً بأن هذا القرآن الكريم من عند الله، لأن هذا القرآن سينتج عملاً متميزاً في كل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية والثقافية إلخ....، وسيبني أهم ما تحتاجه البشرية من إنسان فعّال، وأمة خيّرة، ودولة عادلة.

من الواضح أن آية التحدي في سورة يونس، بما جاء قبلها وبعدها رجحت وأكدت أن مضمون القرآن الكريم هو مجال التحدي بشكل أولي.

الرابعة:

نقلت كتب السيرة أقوال بعض العرب المعاصرين للرسول ﷺ في شأن إعجاز القرآن الكريم، ونحن سننقل بعضها.

أ ـ قول عتبة بن ربيعة:

فقد روى ابن كثير في تفسيره ناقلاً عن بعض كتب الحديث تدارس قريش بشأن محمد ﷺ ودعوته، واتفاقها على أن ترسل أحكمها وأعلمها، فقرّ قرارها على عتبة بن ربيعة الذي كلم الرسول ﷺ فيما أحدثته دعوته في تفريق شأن قريش، وأغراه بالسلطان، والمال، والنساء، ثم سأله الرسول ﷺ: (فرغت)؟ قال: نعم، فبدأ الرسول ﷺ يتلو آيات من سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى: "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود"(فصلت، 13)، فصاح عتبة كما تذكر إحدى الروايات وقال له: حسبك، حسبك، ما عندك غير هذا، وأمسك عتبة بفيه ـ تذكر رواية أخرى ـ وناشده الرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم.

وعند استعراض آيات القرآن الكريم التي تلاها الرسول ﷺ على عتبة من بداية السورة إلى قوله تعالى: "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود"(فصلت، 13)، تدل على أن عتبة تفاعل مع المضمون وليس مع بلاغة القرآن الكريم، لذلك خاف على قومه العذاب، وأمسك بفم الرسول ﷺ، وناشده الله والرحم ألا يوقع عليهم عذاباً، مع أن المضمون يتضمن أموراً غيبية متعددة تتعلق بالآخرة وبخلق السماوات والأرض وببعض صفات الله تعالى. 

ب ـ قول الوليد بن المغيرة:

جرى حوار بين الوليد بن المغيرة وأبي جهل حول القرآن الكريم الذي سمعه من الرسول ﷺ، فقال الوليد بن المغيرة: "فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته".

إذا تركنا الجزء الأول من كلام الوليد بن المغيرة وهو دعواه اطلاعه على شعر العرب، فإننا نجد أن كلامه في وصف القرآن الكريم يتجه إلى وصف المضمون وليس إلى وصف البلاغة في معظمه، فالكلمات: حلاوة، طلاوة، مثمر، مغدق، يعلو، يحطم تشير إلى مضمون وليس إلى بلاغة وبيان.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا