الثلاثاء 5 شوال 1441 - 26 مايو 2020

الحرص على المال والجاه (2)

السبت 17 ربيع الثاني 1441 - 14 ديسمبر 2019 230 اختارها لخطبة الجمعة في جامع الرضا بجدة: مجد مكي
الحرص على المال والجاه (2)

هذ الجزء الثاني من خطبة أعددتها قبل صلاة الجمعة، وكتبتها بقلمي، والكتابة تساعدني على الحفظ، لأني ألقي خطبتي دون اعتماد على ورقة أو نظر فيها، أستجمع شواهدها ومحاورها وألقيها، ولا أذكر الآن المراجع التي اعتمدت عليها، وللحافظ ابن رجب رسالة قيمة في هذا الموضوع. 

وقد قام أخي الحبيب طارق بإعادة تنضيد هذه المكتوبات المنسيات، وشجعني على تجديد نشرها، فأعدت النظر السريع فيها وصححتها وخرجت بعض أحاديثها. وكانت خطبتي تأخذ نصف ساعة وهو وقت طويل، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضا، وأنصح الخطيب ألا يزيد في الوقت عن ربع ساعة ولهذا جعلت هذه الخطبة في جزئين مراعاة للوقت القصير، وأرجو أن ينفع الله بها، ويجعلها من الكلم الطيب والعلم النافع والأثر الصالح.

اختلال النظرة إلى الدنيا:

إنَّ الغالبية العظمى من الناس منهمك في الدنيا لا يفكر إلا فيها، ولا يهمه إلا أمرها. وقد أدرك الطواغيت الظلمة أن شَغْل الناس بأمور الدنيا ممَّا يمكِّن لهم وشغل الناس عن ظلمهم وفسادهم، فعمدوا إلى تضييق سبل العيش على العامة، وأتاحوا لفئة قليلة من محسوبيهم وأتباعهم الفرص الواسعة للثراء الفاحش حتى عظمت ثروتهم.

أما العامة فقد حلت بهم الفاقة، وعضهم الجوع والبؤس، فلا يفكر أحد منهم إلا في تأمين ضروريات حياته، وزاد تعلقهم بالدنيا، ولم يعد أحد منهم يفكر في حمل رسالة أو دعوة إلى فضيلة، أو سعي لإصلاح ما فسد.

الحرص على المال، والتطلع إلى الوجاهة والمنصب والشرف مفسدان للدين، وكلاهما من متاع الدنيا وزينتها، وكل واحد منهما يفضي إلى الآخر.

فترى المرء يحرص على المال، لأن المال سبيل من سبيل بلوغ المكانة السامية والشرف الرفيع، وقد قيل: فلا مْجد في الدنيا لمن قلَّ ماله.

وكذلك تراه يتطلع إلى المنصب والوجاهة، لأنهما يسهِّلان له طرق كسب المال.

إنَّ حبّ المال والرياسةِ والحرصِ عليهما يُفسدُ دينَ المرءِ حتى لا يبقى منهُ إلا ما شاءَ الله.

وأَصلُ محبةِ المال والشَّرفِ من حُب الدُّنْيَا، وأصل حُبِّ الدُّنْيَا: اتّباعُ الهوى. والتقوى تمنعُ من اتِّباعِ الهوى، وتردعُ عن حُبِّ الدُّنْيَا.

روى الإمام أحمد في مسنده (15784)، والترمذي في الزهد (2376)، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في الزكاة (3228)، عن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ذِئْبَانِ جائِعَانِ أُرْسِلَا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لها من حِرْصِ الْمَرْءِ على المال والشَّرَفِ لدينه".

هذا قطيع من الغنم يأوي إلى حظيرة... غفل رعاؤه وغاب حراسة وحماته، فهجم عليه فجأة ذئبان جائعان ضاريان... مضى عليهما زمن طويل لم يجدا الطعام فعاثا فساداً وافتراساً وقتلاً لأعداد كثيرة من هذا القطيع.

إنَّ فتك هذين الذئبين فتك كبير، لأنهما ضاريان قويان جائعان، ولأنهما لم يجدا مقاومة تصدهما عن التخريب والفتك والإفساد.

إنَّ الحرص وطلب الوجاهة ذئبان من نوع آخر، يفتكان بأعز ما يملك الإنسان وهو الدين، وإن كثيراً من الناس يتعرضون لفتك هذين الذئبين ولا يدرون، يمضون لاهين فرحين لا يحسون بأن كارثة تحل في دينهم.

الحرص على المال نوعان:

أحدهما: شدة محبة المال مع شدة طلبه من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه، والجد في تحصيله واكتسابه مع الجهد والمشقة.

إنَّ من أخطر الأمور أن تنقلب الوسيلة إلى غاية، فالمال وسيلة يحصل عليها الإنسان لتأمين ضرورياته وحاجاته وكمالياته من غذاء ودواء ومسكن ولباس وزواج... واستمتاع بالمتع التي أحلها الله، ولتحقيق رسالة الدعوة إلى الله ونشر دينه وإعلاء كلمته.

فإذا تحوَّلت هذه الوسيلة إلى غاية، يحيا المرء لتحقيقها كان الشقاء والبؤس.

إنَّ الرزق مقسوم: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22] ولن يموت مخلوق حتى يستكمل رزقه، فعلى المرء المسلم أن يسعى ويحسن التخطيط، ويكسب ما يسد حاجته، ثم يغتنم عمره في سلوك سبيل النجاة، والقيام بالواجبات والمندوبات والاستكثار من الطاعات والقربات.

إنَّ شدة الحرص على المال والإفراط في تحصيله يفوِّت على العبد فرص الخير، ويهبط به إلى مستوى دون مستوى الحيوان... إنه يجمع ما يفوق حاجته، ويشقى في تحصيله وتحمل مسؤوليته يوم القيامة.

قيل لبعض الحكماء: إنَّ فلاناً جمع مالاً، قال: فهل جمع أياماً ينفقه فيها؟ قيل: لا. قال: ما جمع شيئاً.

إنَّ الحريص على المال مشغول في الليل والنهار، دائم التفكير في وسائل تنمية ماله والحفاظ عليه!

وهو قلق على أمواله وبضائعه وعقاراته، لا يقرّ له قرار، ولا تهدأ نفسه على حال، يخاف تقلبات الأيام ويخشى الكوارث، ويَفْرَقُ من أن يخونه أعوانه، أو يسرقه موظفوه، يسأل دائماً عن الأسعار، ويبسؤوه كثير من الأخبار...

ولو نظرتم إلى بعض رجال البورصة وهم يتابعون تبدل الأسعار، ويشاركون في عمليات البيع والشراء، لرأيتم منظراً عجيباً، وحركات أشبه ما تكون بحركات من به مسٌّ من الجن، ولسمعتم صخباً وضجيجاً، وأصواتاً تشبه أصوات المجانين الهائجين.

ولعلكم سمعتم إلى أخبار كثير من الأثرياء الذين أصيب بعضهم بانهيار عصبي، وبعضهم بأزمة قلبية أودت بحياتهم، نتيجة لهبوط عملة، أو إفلاس بنك، وقد يقدم بعضهم على الانتحار.

إن الحريص على المال لا يجد الوقت الذي يرعى فيه أولاده ويتفقد أحوالهم، بل إنه لا يجد الوقت الذي يلتفت فيه إلى نفسه وصحته، فضلا عن دينه وهموم أمته... فلا هو في أمور الدنيا سعيد مطمئن مسرور، ولا هو مقبل على ما ينفقه في آخرته ليكون من الناجين.

والنوع الثاني من الحرص على المال:

أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول، ويحرص عليه حرصاً يحمله على طلب المال من الوجوه المحرمة، والامتناع عن أداء الحقوق الواجبة، حتى يبلغ به منزلة الشحّ الذي يهلك الأفراد والأسر والمجتمعات. 

وهذا هو الشح الذي قال عنه العلماء: الشحُّ هو الحرصُ الشديدُ الَّذِي يحمل صاحبَه عَلَى أن يأخذَ الأشياءَ من غير حلِّها ويمنعها من حقوقها.

والبخل هو إمساكُ الإنسان ما في يده. وأما الشُّحَّ فهو تناولُ ما ليس له ظلمًا وعدوانًا من مالٍ أو غيره، ولذلك قيل: إنَّه رأسُ المعاصي كلُّها.

روى مسلم في البر والصلة (2578)، وأحمد (14461) عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يومَ القيامةِ، واتقوا الشُّحَّ فإن الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، حَمَلَهُم على أنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُم، واسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُم".

روى أبو داود في الزكاة (1698) وأحمد (6487)، وقال مخرجوه: إسناده صحيح، والحاكم في الإيمان (1/11)، وابن حبان في الغصب (5176) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إيَّاكم والظلمَ، فإنَّ الظلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ، وإيَّاكم والْفُحْشَ والتَّفَحُّشَ، وإيَّاكم والشُّحَّ، فإنَّما هلك من كان قبلكُم بالشُّحِّ: أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبَخِلُوا، وأمرهم بالفجور ففجروا".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شَرُّ ما في الرجل شُحٌّ هالِعٌ، وجُبْنٌ خالِعٌ". و" شح هالع"، أي: مُحزن، والهلع: أشدُّ الفزع. و"جبن خالع": هو شدَّة الخوف وعدم الإقدام، ومعناه أنه يخلع قلبه من شدَّة تمكُّنه منه.

وإنما كان الشح الهالع، والجبن الخالع شر ما في الرجل؛ لأن الدعوات لا تنتصر، والأمم لا تنهض إلا بخلقين رئيسين: السخاء الذي يهون معه بذل المال، والشجاعة التي يهون معها بذل النفس، فإذا شحَّ الناس بأموالِهم، وضنوا بأنفسهم، فلن تقوم للأمة قائمة.

الحلقة السابقة هــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا