الثلاثاء 26 جمادى الأولى 1441 - 21 يناير 2020

الحرص على المال والجاه (1)

الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019 172 اختارها لخطبة الجمعة في جامع الرضا بجدة: مجد مكي
الحرص على المال والجاه (1)

هذه خطبة أعددتها قبل صلاة الجمعة قبل سنوات، وكتبتها بقلمي، والكتابة تساعدني على الحفظ، لأني ألقي خطبتي دون اعتماد على ورقة أو نظر فيها، أستجمع شواهدها ومحاورها وألقيها، ولا أذكر الآن المراجع التي اعتمدت عليها، وللحافظ ابن رجب رسالة قيمة في هذا الموضوع. 

وقد قام أخي الحبيب طارق بإعادة تنضيد هذه المكتوبات المنسيات وشجعني على تجديد نشرها، فأعدت النظر السريع فيها وصححتها وخرّجت بعض أحاديثها. وكانت خطبتي تأخذ نصف ساعة وهو وقت طويل، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، وأنصح الخطيب ألا يزيد في الوقت عن ربع ساعة ولهذا جعلت هذه الخطبة في ثلاثة أجزاء مراعاة للوقت المحدد المطلوب، وأرجو أن ينفع الله تعالى بها، ويجعلها من الكلم الطيب والعلم النافع والأثر الصالح. 

إن الناس جميعاً يحبون المال كما قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20]، وقال تعالى عن الإنسان: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8]، والخير هنا هو: المال، والإنسان بفطرته ونشأته الغريزية يحبُّ المال، ولكن الإسلام لا يريد أن يستمرَّ الإنسان في حُبِّ هذا المال، والاستسلام له؛ لأن هذا يؤثِّر على حبِّه لأشياء كثيرة أهم من المال، وأرقى من المال، وأبقى من المال، كما قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف:46]. 

فالإسلام لا ينتزع من الإنسان حب المال ، ولكنه يطلب أن يكون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أحبَّ إليه ممَّا سواهما ، فلا ينبغي أن يكون المال أحبَّ إلى المسلم من الله تعالى ورسوله وجهاد في سبيل الله ، وقال تعالى : {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

ولذا حذَّر القرآن المؤمنين من الانشغال بالأموال، وبالأولاد أيضًا، فهم من الدنيا، وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن:15]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9]. ومن فاضَلَ بين ما عند الله وما في هذه الدنيا من مال وولد، فآثرَ ما فَنِي على ما بَقِيَ، فقد خسِر خُسرانا مبينًا: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:96]، {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6، 7]. ليس الغِنَى هو الذي أطغاه، ولكن رؤيته أنه استغنى عن غيره هي التي أطْغته.

روى أحمد (15784)، والترمذي في الزهد (2376)، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في الزكاة (3228)، عن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ذِئْبَانِ جائِعَانِ أُرْسِلَا في غَنَمٍ- أَيْ: خُلِّيَا وَتُرِكَا، والإرسال مسبوق بالمنع، والممنوع أشد حرصاً ممن لم يمنع- بأَفْسَدَ - أَي: بِأَشَدَّ إِفْسَادًا-لها – أي للغنم في إهلاكها وإتلافها-من حِرْصِ الْمَرْءِ على المال والشَّرَفِ لدينه". واللام في قوله: "لدينه" للبيان، كأنه قيل: بأفسد لأي شيء؟ قيل: لدينه. 

فحرصُ المرء على المال والشرف أكثر إفسادًا لدينه من إفساد الذئبين للغنم.

والمراد بالشرف: الجاه الوسيع والعلو والظهور والمكانة عند الخلق، ولهذا قيل: حبُّ الظهور كم قصم الظهور! فإذا اجتمع إلى حب الجاه: حب المال والحرص عليه، كان الفساد العريض لدين المرء المسلم.

وقد روى هذا الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عددٌ من الصحابة رضي الله عنهم غير كعب.

منهم: ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضرّ فيها من حب الشرف وحب المال في دين المرء المسلم) رواه البزار في "مسنده" رقم (3608 - كشف) بإسناد حسن كما قال المنذري.

ومنهم: أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبانَ ضاريان جائعان، باتا في زَرِيبَةِ غَنَمٍ أَغْفَلَها أهْلُها يَفْتَرِسان ويأكلان بأسرع فيها فسادا، من حب المال والشرف في دين المرء المسلم". رواه أبو يعلى (6449)، والطبراني في الأوسط (772)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (17834): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.

أيها المسلمون: إنَّ الحرص على المال، والحرص على الوجاهة، وشدة حب هذين الأمرين، مفسد لدين المرء المسلم إفساداً كبيراً حتى لا يكاد يسلم له من دينه إلا القليل.

والمراد بحب المال في الحديث: الحبُّ الذي يؤدِّي إلى التفريط بحقوق الله تعالى، لأنه قد يكون هناك حبٌّ من غير حرص، بل يكون معه البذل.

إننا نرى في حياة المسلمين ما يفعل الحرصُ الشديد على المال وحبُّه: إنَّ الغش والاختلاس، والتزوير والاحتيال، وشهادة الزور والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، والرشوة والربا، وأكل مال اليتيم، واغتصاب أراضي المسلمين وبيوتهم... وغير ذلك كله ناشئ من الحرص على المال وحبه، بل إن كثيراً من جرائم القتل هي نتيجة لهذا الحرص المقيت...

ولو أن امرءاً زار محكمة من المحاكم، ونظر في خصومات الناس لأذهله هذا المستوى الذي انحدر إليه كثير من الناس.

وإنَّ على المسلم أن يقف من الدنيا الموقف السَّديد الذي رسم معالمه الإسلام فلا يرفض المسلم الدنيا ولا يعزف عنها عزوفاً كليًّا، لأنه لو فعل ذلك كان عالة على الناس يتكفف أيديهم... وهناك ضروريات وحاجات له ولأهله، ولذلك كان الكسب الحلال نوعاً من أنواع العبادة.

ولا يجعل المسلم الدنيا غايته التي يعيش لأجلها، ولا يجعلها أكبر همة ولا مبلغ علمه ولا يحلها في سويداء قلبه، بل يجعلها في يديه، وعندئذ يهون عليه البذل والإنفاق، ويبتعد عن الشبهات، ويقف عند حدود الله تعالى. 

إن هذا الموقف المتوازن من الدنيا يصون المرء عن الهبوط ليكون عبد الدرهم والدينار:

بين عبيد الدرهم والدينار والمخلصين في نصرة دين الله: 

روى البخاري في الجهاد والسير (2886، 2887) عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "تَعِسَ عَبْدُ الدينار، وعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وعَبْدُ الْخَمِيصَةِ" وهي ثوبٌ معلَّم من خز أو صوف. زاد في رواية: "وعبد الْقَطِيفَةِ: إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لَّمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ- أي: انْقَلَبَ على رأسه خَيْبَةً وخسارا-، وإذا شِيكَ -أي: دخلت في جسمه شوكةٌ، فلا انْتَقَشَ، - و"الانْتِقَاشُ": نزعها بالْمِنْقَاشِ، وهذا مثل معناه: إذا أُصِيبَ فلا انْجَبَرَ.

طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ في سبيل الله، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةً قَدَمَاهُ، إن كان في الْحِرَاسَةِ كان في الْحِرَاسَةِ، وإن كان في السَّاقَةِ كان في السَّاقَةِ، إن اسْتَأْذَنَ لم يُؤْذَنْ له، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ"

وهذا الحديث يعرض الحديث لصنفين من الناس:

أحدهما: عبد للدنيا ومظاهرها البراقة، ومنافعها الشخصية العاجلة "إن أُعْطي رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ"، فهذا هو الذي دعا عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتَّعاسَةِ، أو أخبر بتعاسته.

والآخر: عبد لله وحده، قد جنَّد نفسه لنُصرة دينه، وإعلاء كلمته، قد شغله الجهاد في سبيله عن اللباس والزينة، والطيب؛ فلذا تراه أشعثَ الرأسِ مُغْبَرَّ القدم، لا كراهة في النظافة والتجمُّل، ولكنه مهموم بما هو أكبر وأعظم، وهو لا يبتغي جاهًا، ولا منصبًا، ولا شهرة، فحيث وُضِعَ سَدَّ الثَّغْرَةَ، وقام بالمهمة، ولذا تراه مغمورًا في الناس، لأنه من الأتقياء الأخفياء، فطوبى له!!

إنَّ التحذير من الحرص على المال والتطلع إلى الرياسات أمر يحتاج إليه كل مسلم، وهو في هذا العصر الذي طغت فيه المفاهيم المادية على القيم الخلقية والدينية مطلوب تذكره والتذكير به على وجه أشد.

وإن فتنة المال ليست في جمعه وكسبه من وجوهه المشروعة، إنما هي في حبِّه حبًّا جمَّا يلهيه عن طاعة الله، والحرص عليه حرصًا يجعله لا يبالي أن يكسبه من غير حلِّه، وينفقه في غير محلِّه، ويبخل به عن حقِّه، والشرُّ كلُّه من هذا نبع.

يتبع...

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا