التحرش الجنسي: أسبابه، ومخاطره، وطرق معالجته

التحرش الجنسي: أسبابه، ومخاطره، وطرق معالجته

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

 

فقد ظهر في المجتمع الإسلامي بل والعالمي كله في هذه الأيام الإعلان عن ظهور مشكلة اجتماعية خطيرة، هي التحرش الجنسي بين الرجال والنساء، وقد عنيت بها الإذاعات والصحف والمجلات، بل وعقد لها المؤتمرات المتعددة على مستوى العالم، لدراستها ومحاولة معالجتها، وهي في الواقع ليست جديدة، بل هي قديمة في كثير من المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، ولكنها في العصر الحديث أو السنين الأخيرة، - وبخاصة بسبب المعارك والنزاعات السياسية- توسع انتشارها، مما اقتضى الاهتمام بها ومحاولة رسم الحلول لمعالجتها، وسوف أحاول في الأسطر الآتية أن أبين معنى هذه الظاهرة، ومدى انتشارها وخطورتها على المجتمعات التي انتشرت فيها، والطرق الآمنة لمعالجتها معالجة حكيمة، وذلك بعد بيان أسبابها والمتسببين فيها.

 

معنى المشكلة يكمن أولا في تعرض الشباب للشابات في الشوارع والمنتديات المشتركة بالحديث عن الجنس، والإغراء بالوصول إليه بطريقة فجة غير مهذبة، وقد يتبع ذلك تعامل جسدي باللمس وما إليه، وربما انتهى الأمر إلى العلاقة الجنسية الكاملة بينهما في نهاية المطاف، وفي كثير من الأحيان يكون هذا مع معارضة ولو ظاهرة من النساء (اغتصاب) وأحيانا مع ترحيب وامتنان لذلك منهن، وكل ذلك في المجتمعات غير الإسلامية قد يعد أمرا طبعيا ما دام بتراضي الطرفين، وقد يستنكر إذا كان بغير التراضي، ولكنه في المجتمعات الإسلامية مستنكر بإطلاق، سواء تم بين الطرفين بتراضيهما أو بدون تراض، لأن الإسلام يمنع العلاقات الجنسية بين الجنسين في غير الزواج لبناء الأسرة السعيدة، مهما كان شكلها، وسواء بتراضي الأطراف المتعاملة معها أو بغير تراضيها.

 

والمتسبب في هذه الظاهرة الخطيرة على الأخلاق والقيم الاجتماعية والدينية، التي تحميها وترعاها الشريعة الإسلامية والشرائع الدينية الأخرى، أطراف متعددة، هي: الشباب، والشابات، وأولياء الأمور، والجهات الرسمية المسؤولة في الدولة عن الأخلاق والنظام. 

فالشباب مسؤول لعدم تمكنه من التحلي بالأخلاق الفاضلة، والتعاليم الدينية، وسيره وراء الشهوات والنزوات الآنية، دون تفكر في عواقبها ونتائجها الخطيرة. 

والشابات مسؤولات أيضا لعدم التزامهن بالأخلاق والقيم الاجتماعية الضرورية، والحجاب أو الاحتشام على الأقل، فيخرجن متبرجات عاريات، يثرن الشهوة في نفوس الشباب العابث، ويؤيد ذلك أن الإحصائيات تدل على أن نسبة تورط الشباب العابث بالشابات المتبرجات أكبر بكثير من تورط الشباب الملتزم بالشابات المحجبات.

وكذلك أولياء الأمور، وأقصد بهم الآباء والأمهات الذين لم يعنوا بالشكل المطلوب في تربية الجيل على الفضيلة والتزام الأخلاق والدين منذ نعمومة الأظفار.

أما المسؤولون في الدولة، فمسؤوليتهم عن ذلك  كبيرة جدا، لعدم قيامهم بواجب التوجيه أولا، والمراقبة ثانيا، والمعاقبة أخيرا، بما يردع الجميع عن الوقوع في هذه المشكلة الخطيرة.

وقد يتساءل البعض فيقولون: لماذا يكون التحرش بالنساء في البلاد الغربية والأجنبية قليلا أو أقل منه في البلاد الإسلامية، مع أن تكشف النساء في البلاد الأجنبية أكثر منه في البلاد الإسلامية؟؟ 

والجواب على ذلك واضح، ذلك أن النساء والرجال في البلاد الأجنبية أو أكثرهم لا يتورعون عن الزنا، فهو منتشر بينهم كثيرا، وربما لا تجد رجلا فيهم أو امرأة إلا وقد ارتكب الزنا في حياته مرات كثيرة، فلماذا إذا التحرش؟؟ مع أن الزنا متاح ومعتاد ولا عقوبة فيه ولا خجل منه، نعم لا يكون الزنا إلا بتوافق المرأة والرجل عليه، وهو متاح بينهم دائما، أما في البلاد الإسلامية، فالزنا جريمة من أشد أنواع الجرائم، وعقوبة الزاني المحصن الرجم بالحجارة حتى الموت، رجلا كان أو امرأة.

وأما طرق علاجها فتكمن في توجيه الجهات المسؤولة السابقة نحو الحل النهائي، وذلك بتربية الشباب والشابات على الأخلاق والقيم الفاضلة، والتزامهم بالتعاليم الدينية التي توجب الحجاب أو الاحتشام على الأقل، وتمنع أو تقلل من اختلاط الجنسين ببعضهما من غير حاجة ماسة أو ضرورة، سواء في المدارس، أو الندوات العامة، أو في الندوات التلفزيونية، أو غيرها، كل منهم على وفق دينه وشريعته، ومحاسبة أولياء الأمور على تقصيرهم بعد توجيههم الوجهة الصحيحة في التربية والتعليم، وترسيخ الأخلاق والقيم الفاضلة، قال رسول الله ?: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) رواه البخاري ومسلم، ثم سن القوانين الرادعة التي تعالج هذه المشكلة من جذورها، وتنزل العقاب المناسب على من يخل بها أو يتورط فيها.

وأنهي كلامي هذا كله بآيات كريمة من كتاب الله تعالى، لتكون منهجا ونبراسا لمن يريد العمل على حل هذه المشكلة، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).

والله تعالى أعلم.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...