الثلاثاء 26 جمادى الأولى 1441 - 21 يناير 2020

المأمُول والمُنتظَر من المجلس الإسلامي السوري

الأربعاء 10 صفر 1441 - 9 أكتوبر 2019 403 فراس السقّال 
المأمُول والمُنتظَر من المجلس الإسلامي السوري

ضاقتْ الأرض بما رَحبتْ على الشعب السوري، فأصبح كالغريق الذي يبحث عن تلك القَشّة لعلها تُنجده، فقد تخلّى عنه القريب قبل البعيد، فوجد نفسه وحيدًا طريدًا مُحاطًا بوحوش هائجة، اجتمعتْ عليه مُتوحدة، كشّرتْ عن أنيابها، وبرقتْ أحداقها متهيئة للانقضاض عليه، فأدرك عندها أنّ النجدة من الله ستكون من داخله حَتمًا، بعد أن قطع كلّ حِبال الأمل من أيّ مُنقذ خارجي.

في الوقت الذي كان فيه شعبنا المكلوم مُحاصرًا ومُستهدفًا، خرجتْ من رحم الثورة السورية كوكبة تسعى لبثّ الحياة في شعبنا بأفكارها ومنهجها المعتدل، على عين ثُلّة خبروا الرجولة والبسالة، وبدعم آخرين تمرّسوا الحكمة والدراية، ورجال عُرفوا بالعلم والحب الحقيقي للروح الجماعية، إضافة إلى أشخاص تحققتْ الأمانة والوفاء في شخوصهم (ولا أزكي على الله أحداً)، ما جعل العافية تَدبّ ثانية في فئات عديدة من شعبنا، بعد أن أوهنتها الجراح، وأتعبتها الطعنات، وأدمتها الخيانة، فإذا به ينتج كيانًا بنسج فريد، وسبك رائع، إنّه المجلس الإسلامي السوري.

المجلس الإسلامي السوري:

هكذا عَرّفَ المجلس الإسلامي السوري نفسه: هيئة مرجعيّة شرعيّة وسطيّة سوريّة، تسعى إلى جمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعيّة، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعيّة لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على هويته ومسار ثورته.

أما رسالته فهي: ترسيخ المشروع الإسلامي، وتفعيل دور المؤسسات الدينيّة في المجتمع السوري.

ورؤية المجلس: تمكين المرجعيّة الإسلاميّة للشعب السوري من الاضطلاع بدورها الريادي في المجتمع. 

أما تطلّعاته فهي: توحيد الموقف الإسلامي الصادر عن العلماء المسلمين في سورية وبلاد أهلّ السنّة جمعاء، وجمع طاقاتهم وتفعيلها بشكل مُتكامل وفق منهج الوسطيّة والاعتدال.

ومن خلال هذه التعاريف والرؤى والتطلّعات نجد أنّ المجلس الإسلامي السوري حمل على عاتقه مسؤوليات ثقيلة عدّة، فمنها:

 توجيه الشعب السوري.

 إيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته.

 الحفاظ على هويته.

 الحفاظ على مسار ثورته.

 ترسيخ المشروع الإسلامي.

 تفعيل المؤسسات الدينية.

 تمكين المرجعية الإسلامية للقيام بدورها الريادي.

 الحفاظ على حرية الشعب السوري واستقلاله.

لم ينحصر المشهد في سورية على ظهور المجلس الإسلامي خلال ثورتنا العظيمة، بل ظهرتْ كيانات ثوريّة عِدّة، بأفكار ومشارب شتّى، فمنها الجيّد ومنها غير ذلك، فكان ممن حافظ على ثباته "المجلس الإسلامي السوري" رغم كلّ التحدّيات التي عَصفتْ به، فأثبتَ جدارته برسوخه وهمّته ووفائه. 

يعيش شعبنا السوري بما يُعانيه من الحروب والدمار والتهجير والظلم من قِبَل جيوش استعمارية مُحتلّة داخليّة وخارجيّة حياةَ التشرّد بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معاني، فهو مُشرّد من وطنه وأرضه، ومشرّد من بيته وأهله، ومشرّد عن ثقافته وبيئته، ومُشرّد عن مرجعيته ومنهجه. 

إنّ أُمتنا اليوم في مَخاض صعب، فالشعب في شتاته وضعفه وتلاعب الدول به بحاجة ماسّة إلى قيادة حكيمة، ورؤية سياسية جديدة، في حين أنّ الأوصياء (المفروضين علينا) من تلك الدول يختارون ويُرشحون شخصيات مُستقبلية تحكم وطننا، لا تختلف عن البيدق الأحمق بشار الأسد، ليعيدوا البلاد سيرتها الأولى من الخضوع والذل والتبعيّة والخيانة. 

وفي غِمار هذا الوضع المأساوي الذي يَمرّ به وطننا وشعبنا في البحث عن سياسة جديرة تقوده إلى جادّة الصواب، فكلما قامت بعض فئات من الشعب مُفوضة المجلس الإسلامي ليقوم بواجب القيادة، وليهتمّ بأمر السياسة والإدارة، ويقود البلاد إلى بَرّ الأمان، كان جواب المجلس حاضرًا وسريعًا: نحن هيئة مرجعيّة شرعيّة، وليس لنا أيّ علاقة بالسياسة والسلطة.

فإن كان المجلس الإسلامي السوري، ليس له علاقة بالسياسة فكيف نفهم أهدافه وتطلّعاته؟! 

حلّ المشكلات الشرعيّة: 

حسنًا .. إنّ من أهمّ بنود تعريف المجلس الإسلامي السوري، أنّه يُوجّه الشعب السوري لحلّ مُشكلاته، والآن .. أوليس من أهمّ مُشكلات شعبنا الشرعيّة غياب السياسة القادرة على حكم المناطق المحررة، فمن سيحلّ له هذه المشكلة؟ فعندما يُنزّه المجلس كيانه عن التدخل في السياسة ستتسلّط رؤوس جُهّال يحكمون شعبنا الضعيف، إمّا بحكم يحمل في طياته الغدر والخيانة والقهر، أو بحكم ممزوج بالجهل والغفلة وسوء الإدارة، أو بحكم يتصف بالتبعية والانصياع للغير، فينشرون الفوضى والفساد ويزيدون مشكلاتنا مشكلة. فمتى كانت السياسة معزولة عن الشرع والدين؟ ألا يجب على المجلس الإسلامي القيام ببنود عرّف بها نفسه؟ 

الحفاظ على الهويّة الإسلاميّة والعربيّة:

وأيضاً من أهداف المجلس الإسلامي الحفاظ على هوية الشعب السوري، فكيف يُحافظ على الهويّة؟ إنّ هويّة شعبنا الإسلام والعروبة، وها هي اليوم تتعرض عُروبتنا للاحتلالات الروسيّة والفارسيّة والأمريكيّة وغيرها، فاللغتين الروسيّة والفارسيّة قد فُرضتا في واقعنا وتعليمنا وثقافتنا، إضافة إلى اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية على حساب لغتنا الأم، واللغة الكرديّة في الشمال الشرقي (مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية "قسد") تُفرض بقوة على شعبنا، مقابل محاربة اللغة العربية، فكيف سيحافظ المجلس على هويّة شعبنا؟ 

أمّا هويّة الشعب السوري الأساسيّة فهي الإسلام السنّي الذي يجري في عروق شعبنا منذ أن دخل الإسلام إلى بلادنا قبل 1400 سنة، وها نحن نرى جحافل الشيوعية والشيعية والصليبية والنصيرية والتكفيرية تزحف نحونا وتفرّخ بيننا، فالثقافة الشيوعية ومفرداتها وأفكارها المسمومة وكذا الشيعية الحاقدة تغزو جميع المحافظات السورية (عدا المحررة) من خلال وزارة التربية والثقافة والإعلام بل وحتى الأوقاف، وكذلك رأينا فيديوهات في "مخيم الزعتري" في الأردن لمبشرين ينشرون النصرانية بين اللاجئين السوريين عبر بعض الأعمال الإغاثية، فكيف سيحافظ المجلس على هويّة السوري الإسلامية؟

الحفاظ على الاستقلاليّة: 

من أهداف المجلس الإسلامي السوري أن يحفظ لشعبه استقلاله، وقد آن الأوان لهذه المهمة، فقد صارتْ بلادنا مُحتلة من غزاة شرقيّة وغربيّة، فأضحتْ البلاد والعباد مُستعبدين أرقّاء لدول وجماعات ومافيات، يُمارسون القهر والذلّ بكلّ أشكاله في بنيان شعبنا العظيم، وصار قرار بلادنا مُصادرًا ومرهونًا بتبعيتنا، سواء من فريق الطاغية وأعوانه فقراره مُصادر ممن يحتلون بلده من الروس والأمريكان واليهود والإيرانيين، وكذا قرار الثوار المرهون بالداعم والضامن، فكيف سيحافظ المجلس على استقلال شعبنا؟

سدّ الخلل في مؤسسات الدولة:

إنّ من أهداف الهيئات والروابط الشرعيّة الرافدة للمجلس الإسلامي السوري سَدّ الخلل الحاصل من مؤسسات الدولة وهي عديدة ومُتنوعة، وإطلاق كلمة مُؤسسات يَعني: واجب على تلك الهيئات أن تسدّ خلل أيّ مؤسسة تقوم على خدمة المواطنين في سورية، فلا يقتصر العمل على المؤسسة الوقفيّة وغيرها كالصحّة والداخليّة والخارجيّة والتعليم والدفاع والزراعة والاقتصاد، بل هناك مؤسسات أخرى تعنى بالسياسة والسلطة والإدارة والتنفيذ والقضاء والتشريع، فهل هذه المؤسسات خارجة عن نطاق عمل هيئات المجلس الإسلامي، أم أنّها من صُلب عملها واهتماماتها؟ فهل يتخلى المجلس عن مكانه الصحيح في قيادة الشعب إلى جادة الصواب بالشريعة والسياسة معاً؟

ترسيخ المشروع الإسلامي:

عندما تكون رسالة المجلس الإسلامي ترسيخ المشروع الإسلامي، يعني المشروع الإسلامي المتكامل بكلّ جُزئياته، من الرأس إلى الساس، فالمشروع الإسلامي مبنيّ على السياسة الشرعية والقضاء والأحكام والأخلاق وغير ذلك، فلماذا فصل المجلسُ السياسةَ عن تخصصه الشرعي، فما السياسة إلّا باب من أبواب الشريعة؟! 

تفعيل دور المؤسسات الدينيّة في المجتمع:

ومن رسالة المجلس الإسلامي السوري تفعيل دور المؤسسات الدينيّة في المجتمع السوري، فالمقصود بالمجتمع أي: الدولة من بابها إلى محرابها وما تضمّ من مؤسسات، فهذا التفعيل يشمل المؤسسات التي تتبع السياسة الشرعيّة وشؤون الحكم ومجلس الشورى، فهل هذا التفعيل قائم، أم أنّه محصور على عدّة زوايا وأقسام دون غيرها؟

تمكين المرجعيّة الإسلاميّة من الشعب:

ومن رؤية المجلس تمكين المرجعيّة الإسلاميّة للشعب من القيام بدورها الريادي في المجتمع. والدور الريادي لا ينافي الدور القيادي، فتمكين المرجعيّة من المجتمع بذرة القيادة الصحيحة، والقيادة ثمرة من ثمارها، فالمرجعيّة جوهر مفقود لشعبنا الظمآن لمن يوجهه. 

كنوز المجلس:

إنّ المجلس الإسلامي السوري يحتضن في جنباته مواهب وخبرات عِدّة، فمن أعضائه العلماء والأدباء والأطباء والمهندسين والقادة والصحفيين والفقهاء والمؤرخين والكتّاب والمهنيين والتجّار وغيرهم من كافة فئات شعبنا العظيم، فبما أنّ مجلسنا ليس عائلًا أو مغمورًا فلم لا يكون لتلك الطاقات الحيوية الهائلة مكانًا حقيقيًا فعّالًا في قيادة شعبنا؟ أم يترك الساحة لما هبّ ودبّ ممن ليس فيهم الخير لأمتهم ولا لأنفسهم، ولا أنكر خامات رائعة من خارج المجلس، فشعبنا معطاء جواد بالمبدعين، ولكن كلامي الآن مُخصص للمجلس الإسلامي السوري. 

إنّ المجلس الإسلامي السوري يضمّ مُكونات تحمل صفات وقيم تجعله رائدًا بالنسبة لباقي التجمعات والتنظيمات، فعليه ألّا يُؤطّر نفسه بحدود هو من وضعها، فالشعب ينتظر منه الكثير، لا سيما أنّ أهداف وتعريف ورؤية المجلس تدور حول الفاعليّة التي تدفع بدفّة ثورتنا إلى برّ الأمان والسلامة والنصر، إضافة إلى تلك الخامات العبقريّة التي يحفل بها المجلس، فلا أرى أنّ حُجّة المجلس صائبة في البقاء على الحياد بعيداً عن السياسة التي تلعب بنا، عِلماً أنّ المجلس الإسلامي لا يخل من الكوادر القياديّة السياسيّة المؤهلة للخوض في هذا المجال.

المجلس والسياسة:

من الواجب والمصلحة اليوم أن يتصدّى المجلس الإسلامي السوري للعمل السياسي، وأن يُؤهّل النخب لتحمّل المسؤوليّة، وأن يقيم الدورات التأهيليّة لإعداد القادة والسياسيين، وأن يدعم من يدرس ويتعمّق بالسياسات الاستراتيجية، والسياسة الشرعية والقانون الدولي والاقتصاد وعلم الاجتماع وإدارة الأعمال، بل وكلّ العلوم التي تدفع بدولتنا وشعبنا نحو الأفضل، فالأيام القادمة ستستنزف الخبرات والطاقات اللائقة بواقع الحال.

وأدعو المجلس أن يُعيد النظر بمبادئه من حيث التنفيذ، ويستجيب لواجب الحال، ولا يزهد بطاقاته على وطنه وشعبه وثورته، وأرى أن يُبحر في بحور السياسة في البلاد ولا يقلل من قدراته وإمكاناته (وأكرر ملاحظتي: أنّ شعبنا غنيّ بالخامات الفريدة والخبرات النزيهة، ولا أقصر دعوتي لأعضاء المجلس فقط في التصدي للسياسة والسلطة، ولكن مقالي يُسلط الضوء على المجلس)، فزهده الآن في غير مكانه، والله من وراء القصد.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا