الجمعة 25 ذو الحجة 1441 - 14 أغسطس 2020

الحرية الدينية في الإسلام

الخميس 28 ذو الحجة 1440 - 29 أغسطس 2019 385 علي عبدالواحد وافي
الحرية الدينية في الإسلام

قرر الإسلام مبدأ الحرية الدينية في أوسع نطاق، وحرص على دعمه في جميع ما سنَّه من مبادئ، وبخاصة في أربعة مبادئ جعلها أساساً لعقيدته ولتنظيم العلاقات الدينية بين المسلمين وغير المسلمين بمختلف نحلهم وطوائفهم.

وأول هذه المبادئ وأهمها جميعاً: أنه لا يرغم أحداً على ترك دينه واعتناق الإسلام، وأن مهمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومهمة كل داع في الإسلام تقتصر على بيان تعاليم ا لدين وتوضيحها للناس، ولكل فرد بعد ذلك مطلق الحرية في الدخول في الإسلام أو عدم الدخول فيه، وفي هذا يقول الله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}[البقرة:256] 

ويقول مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس:99].

ولاستفهام في الآية استفهام إنكاري، أي لا ينبغي لك أن تكره الناس حتى يدخلوا في دينك، ويقول مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كذلك:{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا البَلَاغُ }[الشُّورى:48]. {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ(22)}. [الغاشية].، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس:108].

وعلى هذا المبدأ سار المسلمون في حروبهبم مع أهل الأديان الأخرى، فكانوا يبيحون لأهل البلد الذي يفتحونه أن يبقوا على دينهم في مقابل أداء ضريبة يفرضونها عليهم تسمَّى الجزية، وكانوا لقاء ذلك يحمونهم ضد كل اعتداء، ويحترمون عقائدهم وشعائرهم ومعابدهم.

وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في معاهدته لأهل بيت المقدس عقب فتحه له: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم)

ويقول عمرو بن العاص رضي الله عنه في معاهدته مع المصريين بعد فتحه لمصر: (هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان: أعطاهم أماناً على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص).

وفي سبيل احترام الإسلام لحرمة الأديان يوجب على المسلم الذي يتزوج مسيحية أو يهودية أن ييسر لها ممارسة شعائرها ويصحبها إلى معبدها في يوم سبتها أو أحدها لأداء صلواتها، ويبيح لها من المأكولات والمشروبات جميع ما يبيحه دينها ولو كان مما يحرمه الإسلام كالخمر والخنزير.

هذا إلى أن الإسلام لا يعتد إلا بالايمان المنبعث عن اقتناع، كما سنذكر ذلك في المبدأ الثاني، وغني عن البيان أنه لا يمكن الاكراه ولا يعقل في أمر لا يتحقق إلا بالاقتناع النفسي.

والمبدأ الثاني: الذي قرره الإسلام في هذا الصدد هو أنه لا يعتد باسلام الفرد إلا إذا كان منبعثاً عن يقين واقتناع، لا عن مجرد تقليد واتباع، وبذلك حطم الإسلام القواعد التي قام عليها التدين في كثير من الأمم من قبله،وهي قواعد التقليد في كثير من الأمم من قبله، وهي قواعد التقليد والاتباع واهمال النظر والتفكير الحر، وأهاب بالناس أن يجعلوا عمادهم في عقائدهم ونشر دينهم الدليل العقلي والمنطق السليم، ودعا إلى النظر والتفكير، وحث على رفض ما لا يؤيده علم ولا يعزره دليل، ومن ثم أنكر القرآن الكريم على بعض الأعراب ادعاءهم أنهم مؤمنون لأن الإيمان النفسي لم يكن قد دخل بعد في قلوبهم، وفي هذا يقول الله تعالى:{قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14].

ومن ثم كذلك نعى القرآن الكريم على المشركين تقليدهم الأعمى لآبائهم واغفالهم جانب النظر والتفكير، فقال:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170]. وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة:104].

ويصف القرآن الكريم أهل الحق بأنهم: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ} [الزُّمر:18].فوصفهم بأنهم يميزون ما يقال لهم ليأخذوا بما عرفوا حسنه ويطرحوا ما لم يتبينوا صحته ويقول: الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى: (إن التقليد بغير عقل ولا هداية شأن الكافرين ٬ وإن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به فمن ربى على التسليم بغير عقل ٬ وعلى العمل ولو صالحا بغير فقه غير مؤمن.

فليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان بل القصد أن يرتقى عقله وترتقى نفسه بالعلم ٬ فيعمل الخير وهو يفقه أنه الخير النافع المرضى لله. ويترك الشر وهو يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته) ومن ذلك كذلك يقرر كثير من علماء التوحيد أن إيمان المقلد غير صحيح أو غير كامل، وفي هذا يقول صاحب (الجوهرة):

إذا كل من قلد في التوحيد=إيمان لم يخل من ترديد

والمبدأ الثالث: الذي سنَّه الإسلام في هذا الصدد هو حرية المناقشات الدينة، ولذلك يصنح الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام وينصح للمسلمين، أن يلتزموا جادة العقل والمنطق في مناقشاتهم مع أهل الأديان الأخرى، وأن يكون عمادهم الاقتناع وقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وفي هذا يقول الله تعالى مخاطباً رسوله عليه السلام: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل:125]. ويقول مخاطباً المؤمنين:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [العنكبوت:46].

ويقصد بأهل الكتاب أهل الأديان ذات الأسفار المقدسة كاليهود والنصارى، ويقول مخاطباً أهل الأديان الأخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الأحقاف:4، ويقول مخاطباً إياهم كذلك: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة:111. ولا يكتفي القرآن الكريم بذلك بل يغريهم بالمناقشة والاتيان بدليل على صحة أديانهم، فيسلم جدلاً بأنه من الممكن أن يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يكونوا هم على حق أو في ضلال، فيقول تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24].

وكان الخلفاء من بني العباس وغيرهم يعقدون المجالس للمناقشات الدينية، فيجتمع عندهم علماء كثيرون ينتمون إلى مختلف الطوائف وشتى الأديان والفرق، فيتناقشون في شئون العقائد ويوازنون بين الأديان،كل يدلي بحجته ويبيِّن رأيه في حرية واطمئنان ولم يكن الخلفاء يجتمعون هذه المناقشات فحسب، بل كانوا يشجعون عليها بمختلف وسائل التشجيع ويشتركون فيها بأنفسهم.

والمبدأ الرابع: الذي قرره الإسلام في هذا الصدد هو: حرية الاجتهاد في فهم أصول الدين الإسلامي واستنباط فروعه، فالاسلام يبيح هذا الاجتهاد مادام معتمداً على دليل من الكتاب والسنة وما دام صاحبه قادراً عليه بأن كان متمكناً من علوم القرآن والحديث واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم وقيلت بها أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن معظم الفقهاء ليحرم التقليد على كل قادر على الاجتهاد، وعلى رأس هؤلاء الإمام الدبوسي من كبار فقهاء الحنفية، ويحترم الإسلام رأي المجتهد ويقرر أنه مأجور مشكور على كل حال، سواء وافق رأيه الحق أم خالفه، وإنه (إن أخطأ فله أجر،وإن أصاب فله أجران). كما يعبر أئمة المسلمين.

وأما ما أثر في بعض العهود الإسلاميَّة وخاصَّة في عصور أبي جعفر المنصور والمأمون و المعتصم والواثق من محاولات لمحاربة بعض الآراء الدينية وإيذاء القائلين بها (كايذاء أبي جعفر المنصور للإمام مالك لذهابه إلى أن أيمان المكره غير ملزمة له، وإيذاء المأمون والمعتصم والواثق للإمام أحمد بن حنبل لعدم قوله بخلق القرآن، وفرض مذاهب معينة في أصول الدين أو في فروعه، فإن كل ذلك كان منبعثاً في الغالب عن اعتبارات سياسية خاصَّة،وكان على كل حال انحرافاً صريحاً عن مبادئ الإسلام، وقد وصمه بذلك كل من يعتمد بآرائهم من أئمة المسلمين.

وقد يعترض على ما ذكرناه بموقف الإسلام حيال المرتد، فالمذاهب مجمعة على أن المرتد يقتل إذا لم يتب بعد استتبابه.

والجواب على ذلك: أن ارتداد شخص ما عن الإسلام بعدما يتبين له أنه الحق، وبعد أن اقتنع بقوة أدلته، ووازن بينه وبين غيره – وخاصَّة أن الإسلام لا يجبر أحداً على اعتناقه، كما ذكرنا ذلك في المبدأ الأول – لا يكون إلا عن عناد وتبييت النية للكيد للإسلام، وهذا مظهر من مظاهر الفتنة لا يتم تأمين الدعوة الإسلاميَّة إلا بالقضاء عليها، ولا تثريب على الإسلام في ذلك.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة منبر الإسلام، السنة الثالثة والعشرون، جمادی الآخرة 1385 - العدد 6

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا