الثلاثاء 18 محرم 1441 - 17 سبتمبر 2019

أسرار القسم في القرآن الكريم (1)

الأحد 14 رمضان 1440 - 19 مايو 2019 132 العلامة عبدالوهاب حمودة
أسرار القسم في القرآن الكريم (1)

 

يُستعمل القسم بين الإنسان والانسان لدفع الشك بما يحدثه من التأكيد والتوثيق، لأن الفكرة الأولى فيه هي أن الإنسان المُقسم يحلف إما بشيء عظيم في نفسه، أو بشيء عظيم في نفس السامع أو بهِما معاً، ويكون القسم عندئذ رباطاً متيناً، لأنه يوحي بصدق المقسِم وجِدَّه، وذلك لاعتقاد السامع أنَّ القسم الكاذب ينتهي إلى هلاك صاحبه وهذا ناشئ في البدء من ارتباط القسم بفكرة القداسة وهي فكرة دينية محضة، ولذلك كان المعبود هو موضوع القسم الأول.

على هذا جاء الحلف عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يقسمون بأكثر شيء قداسة لديهم، فحلفوا بالله تعالى، ولقد سجل عليهم القرآن الكريم ذلك في مواضع متعددة، فقال تعالى:{وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام:109]. وأقسموا بأصنامهم التي كانت تقربهم إلى الله زلفى كاللات والعزى ومناة.

ثم اتسعت الفكرة لديهم فلم تعد قاصرة على المعبود بل شملت بيوت العبادة ومناسك الحج، والإبل التي تحمل الحجيج والقرابين التي تقدم للآلهة، شملت كل أولئك لأن فيها قبساً من قداسة المعبود وعليها مسحة من عظمته في نظرهم.

فعرب الجاهلية عَرَفوا القسم واستخدموه في كلامهم وأحكامهم، فلما نزل القرآن الكريم بلغة العرب وعلى ما ألفوه من أساليبهم، ليكون مفهوماً لديهم حبيباً إلى نفوسهم حتى إذا ما ظهر عجزهم عن الاتيان بسورة من مثله كان ذلك عن أمر عرفوه، وأسلوب ألفوه، وإنما عجزوا، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو ليس من صنع البشر، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر، يقول: (نولدكه) في دائرة المعارف البريطانية، وفي كتابه: (تاريخ القرآن): (كان غرض محمد الوحيد في السور المكية تحويل الناس بطريقة الاقناع عن عبادة الأصنام الباطلة إلى عبادة إله واحد، هذا هو الهدف الأساسي في دعوته مهما تشعب الموضوع، إلا أن محمداً بدلاً من أن يتوجه إلى عقول سامعية يقنعها بالبراهين المنطقية لجأ إلى الفن الخطابي ليؤثر على عقولهم من طريق الخيال والوجدان).

نحن نعرف أنه من الأسلوب الخطابي الاستدلال بالحلف والأيمان، وهذا خطأ من (نولدكه) في زعمه هذا من أنَّ القرآن المكي خلى من الحجاج بالبراهين العقلية والمناقشة بالأدلة المنطقية، وقد روَّج هذا الزعم بعض الباحثين المعاصرين على غير أساس في بحثهم وتثبت من قولهم، فقد جاء القرآن المكي بالاقناع بالحجة والجدل والبرهان ولاسيما في السور الأخيرة من العهد المكي، ورسم القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم أساليب الدعوة تختلف باختلاف من يدعوهم، فقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[النحل:125].

يقول الغزالي في كتابه (القسطاس ا لمستقيم): (إنَّ المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم وبالموعظة قوم، وبالمجادلة قوم، فإنَّ الحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير، وإن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي).

وقد جاء القسم في القرآن الكريم فاتحة للسور المكية خاصَّة في خمس عشرة سورة نحو (والصافات، والذاريات، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق) ووقوع القسم في ابتداء السور له أثره النفسي، فإن البدء به هو جذب لانتباه السامع، لوقوع القسم على سمعه في شيء من الرهبة، فإذا حدث ذلك صحبة تهيؤ نفسي لتلقي ما يقال خصوصاً وأن ما يقال مبني على قسم والقسم شيء يهول، وفي هذه الحال يكون الإنسان أشد تأثيراً بما يسمع مما لو فاحته بما تريد من طريق الجدل والنقاش لأن الاقناع العقلي فيه انتصار حاد لعقل على آخر، ومن الصعب على النفوس الجامعة العقيدة، كنفوس العرب في جاهليتهم، أن تقر لأحد المجادلين بالغلبة أو تسلم به بالانتصار من طريق الافحام.

بل كثيراً ما يكون السامع غير عارف بأصول الاقناع العقلي، فلا فائدة إذن من فتح هذا الباب أمامه والدخول عليه من هذا الطريق الذي يجهله.

فالقَسَم في أوائل السور يعطيها نضرة في بهجتها ورونقاً في ديباجتها فتلمع الأقسام في قسمات السور، كالغُرَّة البارقة، بل هي أشبه شيء بالمطالع الحسنة في القصيدة الجيدة، وفي هذا رعاية لجانب المستمع لكيلا ينفر فيسد أذنيه.

ومن كمال الحجة: تليين القول وتأليف القلب، فقد أمر الله تعالى الأنبياء بهذا كما قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44].

وقد أشكل أمر القسم في القرآن الكريم على كثيرين: فذهب فريق من الناس إلى القول بأنَّ القسم لا يصدر إلا ممن شك الناس في صدقه، فهو يلجأ إلى اكتساب الثقة باليمين، وهنا لا يليق بجلال الله سبحانه، وهو قول مردود إذا تذكرنا شيئين.

أولاً: أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب وخاطبهم بالأساليب التي عرفوها ومنها القسم.

ثانياً: لم يكن الغرض من القسم في القرآن الكريم دائماً التأكيد، بل يكون أحياناً بيان شرف المقسم به، وعلو قدره، حتى يعرف الناس مكانته ورفعة منزلته تعالى: كالقسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} ]الحجر:72].، وكالقسم بالنفس اللوامة في قوله تعالى:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ(1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2) } [القيامة]، وكالقسم بالأماكن التي أنبتت الأنبياء، وكانت موطن إنزال الوحي إليهم: كما في قوله تعالى:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ(2) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ(3) } [التِّين].

فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة، التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام.

فالتين والزيتون المراد منبتهما وهو أرض بيت المقدس، فإنها أكثر البقاع زيتوناً وتيناً، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (التبيان): (إن منبت هاتين الشجرتين حقيق أن يكون من جملة البقاع الشريفة، وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته عيسى بن مريم، كما أن طور سينين هو الجبل الذي أوحي إلى موسى فيه، وهذا البلد الأمين هو مكة المكرمة).

ثالثاً: أحياناً يكون الغرض من القسم توجيه النظر إلى الآيات المكنونة، والمشاهد الطبيعية، لتوصل منها إلى خالقها، والتأمل فيها تأملاً يُبين مبلغ نعمتها، وأنها غير جديرة بالعبادة، وإنما الجدير بالعبادة هو خالقها سبحانه: كالقسم بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والشمس وضحاها، وكالقسم بالفجر وليال عشر، وبالنجم إذا هوى، وما أشبه ذلك.

رابعاً: من أسرار القسم أنَّه لو كان الاستدلال على أمور لا تتعلق بها الرغبة أو الرهبة، مثل ما نرى في العلوم الطبيعية والرياضية، كان ذكر الأدلة فيها أولى بالتصريح، فأما والاستدلال على أمور نفسية، من حث واستنكار وزجر وردع، فالاحتياج أكثر إلى ايراد الأدلة على وجوه مختلفة: من أساليب القول متفاوتة في الوضاحة واللطافة والقوة والحدة، سريعة التأثير قريبة الاقناع، لأنَّ أكثر الآراء الاعتقادية إنما هي نتيجة التلقين، والتلقين هو في الحقيقة يتوقف على قوة الاقناع وأساليب التأثير.

هذا إلى أن في القسم ايجاز في الاستدلال والعرب لذكائهم كانوا يحبون الايجاز، وطبيعة لغتهم تساعدهم على ذلك، ولذلك لا ترى شيئاً من القرآن إلا ومعناها أوفر من اللغط فإن أطنب قولاً من وجه، أوجزه من وجه آخر، فهو لا تنقضي عجائبه ولا تفنى أسراره.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة الأزهر، المجلد الثلاثون، رمضان 1378 - الجزء 9

يتبع 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا