الخميس 26 جمادى الآخرة 1441 - 20 فبراير 2020

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" -1-

الاثنين 3 شعبان 1440 - 8 أبريل 2019 662 المهندس مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير

 

الاستعاذة

قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ(199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200) ]. {الأعراف}.

[وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ(98) ]. {المؤمنون}.

[... ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(36) ]. {فصِّلت}.

فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها , وهو أنّ الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عن طبعه ـ الطيِّب في الأصل ـ إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة من العدوِّ الشيطانيِّ لا محالة , إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً , ولا يبتغي غير هلاكِ ابنِ آدم لشدَّةِ العداوة بينه وبين أبيه آدمَ عليه السلام من قبل .

والشيطان في لغة العرب : مشتَقٌّ من ـ شطن ـ إذا بَعُدَ , فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر وبعيد بفسقه عن كل خير , وقيل هو مشتَقٌّ من ـ شاط ـ لأنه مخلوق من النار .

روى مطعم بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : «الله أكبر كبيراً، ثلاث مرات، والحمد لله كثيراً، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً»، ثلاث مرات ثم قال صلى الله عليه وسلم : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من هَمزِه ونَفخِه ونَفثِه» .

والرَّجيمُ: معناه المرجومُ أي: ملعونٌ، كما قال تعالى للشيطان:[قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ] {الحجر:34}

والاستعاذة هي: الالتجاء والاستجارة إلى الله تعالى لتجنُّب ودفع كل ذي شر، ولطلب كل ذي خير , وجاء بالصيغة الفعلية لتدلَّ على الحدوث والتجدُّد .

والاستعاذة لا تتمُّ إلا بعلم العبد بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية, وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية , وأنّ الله تعالى وحده هو القادر على إيجاد جميع المنافع ودفع جميع المضار , فإذا حصل هذا العلم , حصل للقلب انكسار وتواضع وخضوع .

والآياتُ تطلب منا الاستعاذة من الشيطان قبل أن نقرأ القرآن ؛ ذلك لأن كل مخلوق إذا اتجه إلى خالقه واستعاذ به يكون هو الأقوى برغم ضعفه لأنك جعلت الله في جانبك , ونحن حينما نصفي جهاز استقبالنا لحسن استقبال كلام الله ,لا نفعل ذلك بقدراتنا نحن ولا بقوتنا ولكن بالاستعانة بقوة وقدرة الله , لماذا؟ لأن معوِّقات المنهَج عند الإنسان المؤمن إنما هي من عمل الشيطان.

وعطاء الله في القرآن الكريم متساوٍ لجميع الخلق ولكن كل إنسان يأخذ على قدر إيمانه، فالقرآن يُقرأ والناس تسمع , ولكن هل يتقبل الجميع القرآن تقبُّلاً متساوياً ؟ بالطبع لا.

والله سبحانه يريدنا عندما نقرأ القرآن أن نُبعِدَ الشيطانَ عن أنفسنا قبل أن يُبعِدَنا هو عن منهج الله وعن آياته .

وبما أننا لا نرى الشيطان وهو يرانا ولا نعرف أين هو, بينما هو يعرف أين نحن , فلا بد من أن نستعيذ بقوةٍ تستطيع أن تقهره , فطلب الله منا أن نستعيذ به وأن نلجأ إليه لأنه هو القادر على أن يحمينا ويصفي قلوبنا ونفوسنا من همزات الشياطين ، فيحسن استقبالنا للقرآن وآياته فتمسّ آياتُه قلبَك ونفسَك وتكون لك هدىً ونوراً .

سؤال : هل من فرق بين الرجيم والمرجوم؟

جواب : عندنا لغتان: فعيل ومفعول. فعيل نسميها صفةً مشبَّهةً كأن الرجم لازم له . وعندما نقول : مرجوم، في لغة تميم تقول: مفعول، وفي لغة الحجاز تقول أحياناً: فعيل , لكن هنا ليست بفارق اللغة، وإنما اختيرت الصفة المشبهة التي تدل في الغالب على الثبات , وهذا يعني أنّ صفة الرجم لاصقة به. أمّا المرجوم فقد يكون مرجوماً الآن لكن لا يكون مرجوماً بعد ساعة، بينما (رجيم ) هو صفته اللاصقةُ به أي أن عليه هذا الرجم دائماً.

سؤال : ما الفرق بين الفعلين ( أعوذ ) و ( ألوذ ) ؟

جواب : العياذ : للفرار من الشر , و اللياذ : لطلب الخير . قال الشاعر :

يا من ألوذ به فيما أؤمله=ومن أَعوذ به مما أُحاذره

من لطائف الاستعاذة :

1ـ في قوله :(أعوذ بالله) عروج من الخلق إلى الخالق .

2ـ الاستعاذة اعترافٌ بعجز النفس وبقدرة الرب .

3ـ أنّ الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان .

4ـ أنّ سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك .

5ـ الشيطان عدوٌّ للإنسان .

6ـ الاستعاذة طهور للفم مما كان يتعاطاه العبد من اللَّغو والرَّفث وتطييبٌ له وهو يتهيأ لتلاوة كلام الله , وهي أيضاً تنظيف للقلب من لَوث وسوسة الشيطان .

7ـ إنما قال : (أعوذ بالله) ولم يذكر اسماً آخر بل ذكر (الله)؛ لأنّ هذا الاسم أبلغُ في كونه زاجراً عن المعاصي عن سائر الأسماء والصفات؛ ولأنه فقط الإله المستحق للعبادة.

8ـ عندما يقول العبد (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) دلّ ذلك على أنه لا يرضى بأن يجاور الشيطان .

9ـ الشيطان اسم، والرجيم صفةٌ، فذكر الحق سبحانه الاسم والصفة , فكأنّ الله يقول لك إنّ هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفاً من السنين فلما تكبر رجمناه وطردناه , وأنت لو جلس معك لحظة واحدة لألقاك في النار، فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه، فقل: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ).

10ـ للعبد عَدُوَّان : أحدهما ظاهرٌ والآخر باطنٌ وهو مأمور بمحاربتهما لكن محاربةُ العدو الباطن ـ وهو الشيطان ـ أولى؛ لأنه إن وجد فرصةً فهي في الدين واليقين، وإنْ غلبك كنت مفتوناً , وأمّا العدو الظاهر ففي متاع الحياة الدنيا، وإنْ غلبك كنت مأجوراً.

11ـ أدخَلَ الألفَ واللامَ في (الشيطان) ليكونَ تعريفاً للجنس؛ لأن الشياطين كثيرة مرئيةٌ وغير مرئيةٍ .

12ـ كأنه تعالى يقول : (إنه شيطان رجيم , وأنا رحمن رحيم) فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم .

13ـ أعوذ : فعل مضارع يصلحُ للحال حقيقةً وللمستقبل مجازاً .

والله أعلم .

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا