السبت 21 رمضان 1440 - 25 مايو 2019

حوار مع اللاقرآنيين ( 6 - 8)

الأحد 12 جمادى الآخرة 1440 - 17 فبراير 2019 140 بلال فيصل البحر
حوار مع اللاقرآنيين ( 6 - 8)

هذا بحث نافع كتبه الأستاذ البحاثة بلال فيصل البحر في الرد على القرآنيين، ونشره باسم :" الفَنْقَلةُ مع اللاقرآنيين". والفنقلة – كما هو معلوم - محاورة الخصم بأسلوب فإن قالوا قلنا. ونتابع نشره في موقعنا ، وهذه الحلقة السادسة.

فإن قال بعضهم: قال الله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب) فالقرآن كاف عن السنة.

قيل: قال القرطبي: (قال أهل التأويل: المراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأُمم) واللاقرآنيون خالفوا القران في هذه الآية فتأولوها على ترك السنن والاستغناء بالقران عنها، مع أن القران أمرنا برد تأويله إلى الرسول وأهل العلم بالتأويل، ولا قائل من أهل العلم بالتأويل بـهذا الذي قالوه في الآية.

فإن قالوا: الحديث ظن، والله يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً).

فيقال لهم: هذا مصداق جهلكم بالقران الذي أخبرنا أن الظن نوعان: باطل، وهو التخرّص الذي من جنس تخريصكم في السنة، وظن حق، أقامه القران مقام اليقين في العمل لا في الدلالة، كما قال تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنـهم مواقعوها) وقال: (الذين يظنون أنـهم ملاقوا ربـهم). وقال دريد بن الصمة:

فقلتُ لهم ظُنوا بألفيْ مُدَّجج ... سَراتـهمُ في الفارسي الـمُزرَّدِ

وقد أجمع العلماء على أن الله تعبدنا بالظن الراجح، ولهذا كان غالب علم الفقه ظنون كما قال الشوكاني في (أصوله) وبه تعلم أن تعلقهم بظنية غير القران من الحديث ثبوتاً ودلالة، تخديش في الجلامد، وضرب في حديد بارد.

وقد أجمع العلماء كما نقله غير واحد من المفسرين كابن رجب والجلال السيوطي وغيرهما، على أن من لم يعرف العربية لم يحل له أن يتكلم في تفسير القران، وقد قال مجاهد: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب) فكيف بمن يجحد شيئاً من البيان النبوي للقران، والله يقول: (لتُبيّن للناس ما نُزل إليهم).! 

وقد جهَّل القاضي أبو الوليد بن رشد من زعم عدم الاحتياج إلى اللغة في تفسير القرآن وأفتى بتعزيره، فكيف بمن يجحد الاحتياج إلى السنن النبوية فعلية كانت أم قولية أم تقريرية أم خلقية وصفاتية، في تأويل القرآن.!؟

فإن قال بعضهم: قال الله: (فبأيّ حديث بعد الله وآياته يؤمنون)؟ وقد زعم بعضهم أن الآية تعم كل حديث غير القران فيدخل الحديث النبوي، وهو من الجهل بالاصطلاح فإن الحديث هنا هو قصص الماضين وأخبارهم التي ساقها الله في كتابه، لأن بعض المشركين كالنضر بن الحارث كان يصد أهل مكة عن سماع الذكر بقصص أسفنديار ورستم فيستملحون حديثه. 

ولهذا قال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص) وقال: (الله نزل أحسن الحديث) فالحديث في كتاب الله هو الكلام في القصص والأخبار، وأما إطلاق الحديث على الكلام النبوي فهو اصطلاح حادث، وقد تقرر أن اللغة حاكمة على الاصطلاح فلا يسوغ تفسير نصوص الشارع به، فإن القران لم يسمِ الكلام النبوي حديثاً، وإنما سماه الحكمة.

ولم يقل أحد من المفسرين بما فهموه منها أن المراد السنة، لأن هذه الآيات مكية قبل أن توجد أحكام السنن المفصَّلة أصلاً، إذ العهد المكي كان يغلب على الآيات النازلة فيه، المواعظ والتوحيد والأخبار، فكذلك السنة التي هي بيان للذكر الحكيم، غلب عليها الكلام في ذلك، وأما الكلام في الأحكام التفصيلية فلم يعهد إلا في نصوص العهد المدني، قرآنا وسنةً. 

على أن قولهم باتباع القران لا يخلو أن يكون داخلاً في عموم قوله تعالى: (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) فعلى فهمهم تكون الآية متناولة حديثهم في القرآن الذي هو فهمهم وتفسيرهم له، وبالتالي يشمله النهي عن الإيمان به في هذه الآية، لأنه من غير القران، فتأمل كيف وقع اللاقرآنيون في عين ما نـهوا عنه.!

ويقال لهم: أخبرونا عن السنة: هل تخالف آيات القران وحديثه أم لا؟ 

فإن قالوا: تخالفه، فقد كفروا بالنص والإجماع المتيقن، وإن قالوا: لا تخالفه، سقط قولهم وتعلقهم بالآية.

وإن قالوا: منها ما يخالفه وهو خبر الواحد،

قيل لهم: كل أخبار الآحاد تخالفه أو بعضها؟ فإن قالوا: كلها فهو جهل وكذب مخالف للواقع، ومكابرة ظاهرة لا يتشاغل بـها، وإن قالوا: بعضها، عاد البحث السابق في خبر الواحد المخالف للأصول، فثبت أن السنة داخلة في عموم آيات الله، لأنـها تفسير هذه الآيات.

ويلزم على تأويلهم الفاسد أن يقع التضاد والتناقض في كتاب الله، فكيف ينهى عن حديث غير حديث القران، ويكون الحديث النبوي داخلاً في النهي، والقرآن قد أمر باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً في غير موضع منه، فهل أمر بما نـهى عنه؟ واللازم فاسد فالملزوم مثله.

الحلقة الخامسة هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا