بعد أن سمح الثوّار بانتخابات حرّة نسبيًّا –سنعود إلى بيان سبب عدم كونها حرّة تمامًا- لم يكن من بدّ من القبول بنتائج هذه الانتخابات!
إلاّ أنّ إفرازات هذه الانتخابات بادرت بالسير في ركاب عدوّ الثوّار الأوّل اللواء المتقاعد خليفة حفتر ... وكان لهذا الانحدار في دعم مُحَارِبِ الثوّار تداعياته الخطيرة؛ فقد صار لزامًا على الثوّار الذين يسيطرون على الأرض ويُسطّرون أروع البطولات والملاحم في وجه الثورة المضادّة برعاية حفتر أن يلتزموا بأوامره وتعليماته، وصار هذا البرلمان هو الناطق السياسيّ باسم العمليّة العسكريّة التي يقودها حفتر ومن معه!!
في غضون ذلك تستمرّ قوّة الثوّار على الأرض في تحسّن مستمرّ، وتستمرّ سيطرتهم اليوميّة على مواقع جديدة كانت تتبع اللواء المتقاعد حفتر.
ولم يعد مقبولاً التنازل لمن يريد العودة بالبلاد إلى عهد سجن الإسلاميين، وانتزاع الحريّات، وتغييب المعارضين في السجون!!
ولمّا كانت الانتخابات قد جرت في أجواء ليست محايدة تمامًا؛ لكونها جرت ضمن محدّدات رسمها ووضعها الفريق الآخر المعادي للثوّار من خلال المؤسّسة القضائيّة التي تربّت على يد القذافيّ وفي مدرسته التربويّة والثقافيّة!! وجَدَ الثوّارُ المبرّرَ للعودة إلى (المؤتمر الوطنيّ الليبيّ) الذي يُشكّل الإسلاميّون الغالبيّة العظمى فيه، كما أنّ عدم تسليم (المؤتمر الوطنيّ الليبيّ) لسلطاته ومقرّاته وعهدته التشريعيّة والماليّة إلى (البرلمان) الجديد سهّل لجوء الثوّار لاستدعاء هذا المؤتمر للانعقاد لتشكيل حكومة جديدة مؤخّرًا.
يُتوقّع خلال الأيّام القادمة أن يكون هناك انشقاق كبير في الدولة الليبيّة بين مجموعة (حفتر) ومجموعة (الثوّار) الذين سيُشكّل كلّ فريقٍ منهم حكومةً، وسيكون لكلّ فريقٍ منهم وزراء وسيستدعي كلّ فريقٍ منهم دعمًا دوليًّا وتأييدًا وحشدًا للوقوف إلى جانبه بأيّ صورة من الصور!!
لكنّ الحقيقة التي لا مراء فيها أنّ الثوّار الذين يُشكّلون أغلبيّةً عسكريّة، وثقلاً سياسيًّا، وإمكاناتٍ ماديّة من قبل كونهم ما يزالون يُسيطرون على (المصرف المركزيّ الليبيّ) الذي تَرِدُ عائدات النفط إليه، ويُسيطرون بشكلٍ شبه محكمٍ على أهمّ ثلاثة مدنٍ في ليبيا (طرابلس: العاصمة، بنغازي: عاصمة المنطقة الشرقيّة، مصراته: العاصمة الاقتصاديّة والثوريّة) ويفرضون سيطرة تامّة على كلِّ المدن الكبرى في الوسط من زليتن إلى سرت واجدابيا، ولجناح أنصار الشريعة المتشدّد وجود أقوى في مدينة درنة، سيكونون بكلّ تأكيد أقوى على فرضِ رأيهم من مجموعة تجلس في أقصى شرق البلاد على الحدود المصريّة في (طبرق)، ومجموعة أخرى تملك قوّة عسكريّةً في أقصى غرب البلاد في (الزنتان)، ولن يدعمها في هذه المعركة أنّها تملك مؤيّدين في مختلف أنحاء البلاد.
إنّ من أهمّ مقوّمات انتصار الثوّار بالإضافة إلى الامتداد الجغرافيّ امتدادهم الفكريّ، فهم يُشكّلون طيفًا واسعًا من شرائح الليبيّين، فمنهم الذين ينتمون فكريًّا إلى الإخوان المسلمين (يمثّلهم الدروع التي تُسيطر وحدها تقريبا على طرابلس ومصراته) ومنهم من ينتمي فكريًّا إلى تنظيم القاعدة (يمثّلهم أنصار الشريعة الذين يُسيطرون على معارك بنغازي بمشاركة الدروع)، ومنهم الأشدّ تطرفا من ذلك ومنهم بعض الأفراد الذين لا يُقرّون بمنهجٍ إسلاميٍّ يصلح للحكم أصلاً، وهؤلاء وهؤلاء هم الأقلّ حضورًا وتأثيرًا وإمكانات.
كما أنّ المتشدّدين الذين ينتمون إلى الفكر الذي يُسمّى جهاديًّا متطرّفًا (تكفيريًّا) يملكون إمكانات ماديّة وإعلاميّة، فيُصدرون مطويّات ومنشورات وبيانات باسم الثوّار أحيانًا، وباسم (أنصار الشريعة) أحيانًا أخرى! ويجد الفريق الآخر نفسه مُحرَجًا أن يستنكرها!! وذلك لأنّها في الجملة تتحدّث عن ثوابت شرعيّة؛ لكنّ لغتها تتضمّن مصطلحات غير معتدلة، وكلمات غير منضبطة.
إن مشاركة التيّار المنتسب إلى السلفيّة زورًا في المعركة إلى جانب اللواء المتقاعد حفتر في الصفّ المقابل للإسلاميين لا يُمكن أن يُعدّ إلاّ امتدادًا لمواقف السلفيّة في كلٍّ من الحجاز وبلاد الشام ومصر الداعي إلى الوقوف في صفّ الطغاة والحكّام ضدّ الشعوب والثوّار والمجاهدين، وإن تعدّى في ليبيا مجرّد الوقوف بالقول إلى القتال في صفوف الطغاة !!
وأخيرًا لا يُمكن النظر إلى ما يجري في ليبيا بمعزلٍ عمّا يجري في كلٍّ من مصر وبلاد الشام، فتأثير توجّهات هذه الدول على حاملي السلاح بالإضافة إلى دولة الإمارات وبلاد الحرمين وتونس لا يخفى على مراقبٍ للساحة الليبيّة.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


