الأربعاء 7 ربيع الأول 1440 - 14 نوفمبر 2018

الهجرة النبوية .... صياغة إنسان وبناء وطـن (1)

الأربعاء 2 محرم 1440 - 12 سبتمبر 2018 108 حسن أبوغدة
الهجرة النبوية .... صياغة إنسان وبناء وطـن (1)

تمهيد: 

مضى عام هجري وجاء عام هجري جديد ، وفي كلٍّ منهما معانٍ وعبر توثق الصلة بين الحاضر والماضي ، وتذكِّر بدور الهجرة في صياغة إنسان ونشوء مجتمع متميز ، كانت منه الانطلاقة الأولى نحو حضارة عالمية متكاملة ، نَعِم الناسُ في ظلالها الوارف قرونا عديدة . 

فما حقيقة تلك الهجرة ؟ وما المعالم والعبر التي نستلهمها منها في بناء الإنسان ونماء الأوطان ، وتجاوز واقع كليل إلى مستقبل جليل ؟

معنى الهجرة: 

الهجرة ـ في اللغة ـ من الهجر ، وهو ترك الشيء والابتعاد عنه ، يقال : هجر الرجل صاحبه : تركه وابتعد عنه ، وهاجر الرجل من بلده : انتقل منه إلى بلد آخر. وانطلاقا من هذا المعنى اللغوي غَلَب استعمال لفظ " الهجرة " على الهجرة من " مكة المكرمة " إلى " المدينة المنورة " التي قام بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، نجاةً بأنفسهم ودينهم من أذى قريش واضطهادها وتعذيبها لهم، ثم جاء لقب " المهاجرين " مقابِل لقب " الأنصار " وهم المؤمنون من أهل " المدينة " ، وتآخى الجميع في اللـه على السراء والضراء ، بقيادة النبـي الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم .

عمر والتاريخ الهجري :

لم تكن هجرة النبي في بداية شهر " المُحَرَّم " كما يظن كثير من الناس، وإنما كانت في ليلة ( 27 ) من شهر صفر سنة ( 14 ) من البعثة النبوية ، الموافقة لليلة ( 13 ) أيلول / سبتمبر سنة ( 622 ) للميلاد...

وتذكر الروايات التاريخية : أنَّ أول من اعتمد التاريخ الهجري وأمر به في ضبط الحوادث والوقائع هو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وهو الذي جعل شهر " المحرَّم " بداية لكل سنة عربية " قمرية " ، وذلك لمناسبة انصراف الناس من موسم الحج وعودتهم إلى بلدانهم وأوطانهم . ...

وكان الناس قبل ما فعل عمر يؤرخون حوادثهم ويضبطون وقائعهم ومناسبا تهم " بحادثة الفيل " المشهورة ، التي أراد بها أبرهة وجنوده هدم الكعبة المعظمة ، فأرسل الله تعالى عليهم طيراً أبابيل .

وقد يتساءل المرء : لماذا اتُّخِذت الهجرة بداية للتاريخ في الإسلام دون غيرها من المناسبات ، كولادة النبي ، أو بعثته ، أو وفاته ، أو فتح مكة ، أو حجة الوداع ، ونحوها من المناسبات الجليلة في تاريخ الأمة الإسلامية ؟

إن الوقائع والشواهد العملية لتؤكد على بعد نظر عمر وعمق تفكيره في اتخاذ هذا القرار الحكيم ، حيث أدرك أن الله تعالى أعزَّ الإسلام بالهجرة ، وأنها كانت مناسبة عملاقة لولادة الأمة الإسلامية ضمن دولة وكيان سياسي ذي سيادة وحكومة وشعب وإقليم ، بعيداً عن أذى قريش واضطهادها .

ولقد أيَّد الصحابةُ عمرَ فيما ذهب إليه ، ووافقوه في هذا الاختيار ، لأنهم وجدوا أن تلك الهجرة منحتهم ـ بحق ـ معاني الحرية الدينية ، والاستقلال في اتخاذ القرار ، فضلا عن العزة والمنعة والسلطان ، ولقد تبيَّن لاحقا للمنصفين من الباحثين : أن الهجرة كانت فاتحة عهد جديد في حياة العرب والمسلمين ، بل في حياة الإنسانية كلها ، حيث قامت الحضارة الإسلامية المتميزة في عقيدتها وسلوكها وتسامحها الإنساني ، وأضاءت حياة الأمم والشعوب لعدة قرون .

معالم الصياغة والبناء في الهجرة المباركة:

تذخر الهجرة النبوية بالعديد من معالم صياغة الإنسان وبناء الأوطان على مدار الزمان واختلاف المكان ، وجدير بنا أن نستظهر منها الفوائد والعبر في الحياة المعاصرة ، ونحن تتطلع إلى نهضة كريمة تحقق لنا مزيدا من الأمن والرخاء والسمو والتواصل مع أنفسنا ، ومع العالم المعاصر على تنوع ثقافاته ومصالحه ومن هذه المعالم والعبر ما يلي :

1ـ اعتماد السنن الكونية في الإصلاح والبناء والنهوض: 

لقد كان راسخا في نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الأخذ بالأسباب ـ بعد التوكل على الله تعالى ـ من أهم العوامل المساعدة على تغيير الواقع المرير وإصلاح الأفراد والنهوض بالمجتمعات، وهذا ما يلاحظ في بعض مجريات وقائع الهجرة النبوية ، حيث جرى فيها التخطيط والإعداد للأمر الكبير ، وللجزئية الصغيرة، وكان الحذر والحيطة وافتراض الاحتمالات حاضرةً في كل حال وشأن ، وحركة وسكون ، ولم يكن في حسبان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يترك موضعا للصدفة وللحظوظ المجهولة ، بل كان يُعِدُّ لكل احتمال ما يناسبه .

وإن أي إنسان مادي ـ لا يؤمن إلا بالمادة والمحسوس ـ لو وضع فـي موضع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الهجرة ، وطُلِب منه الإعداد لها ، لما استطاع أن يفعل ما فعله النبي ، ناهيك عن أن يزيد عليه ، وها نحن نستعرض بعض ذلك :

أ ـ أعدَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الزاد والراحلة ( الإمدادات الغذائية ووسائل النقل ) قبل أيام من بدء الهجرة .

ب ـ كتم خبر هجرته إلا عن خاصته وأقرب الناس إليه وآمنهم على أسراره .

ج ـ أمر عليًّا ـ رضي الله عنه ـ أن ينام في فراشه تمويها على قريش.

د ـ اختار أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ وهو أقرب الناس إلى قلبه، ليصحبه في هذه الرحلة الصعبة المخاطر ، لما عرف فيه من حب له وتضحية في سبيله ، مع رجحان عقل وجميل صبر وتحمُّل .

ه ـ اختار غار ثور ( الواقع في جنوبي مكة ) ليمكث فيه أياما ، يموِّه على قريش التي تطلبه وتطارده ، علما بأن الطريق الأقصر إلى المدينة هو في الاتجاه شمالي مكة لا جنوبيها .

و ـ مكث في الغار ثلاثة أيام حتى يهدأ البحث عنه وييأس العدو الذي يطارده من الوصول إليه ، وهذا ما حدث فعلا .

ز ـ جند أبو بكر بعض أبنائه للإتيان بأخبار قريش، وإمداد المهاجرَيْنِ المختفيَيْنِ ببقية مستلزمات السفر عند الانطلاق من الغار باتجاه المدينة.

ح ـ اتفق المهاجران المطارَدَان ـ مسبقا ـ مع عبد الله بن أُريقط ـ وهو غير مسلم ـ ليكون دليلهما في استكمال الطريق نحو المدينة في يومِ كذا ، وذلك بعد الاطمئنان إلى مهارته في معرفة الطريق البعيد عن أعين الناس ، واختبار وفائه لهما ، وأنه أهل لتحمل المسؤولية في كتم الأخبار وتنفيذ مخطط الرحلة إلى نهايته.

وبهذا يتضح أن اتِّخاذ الأسباب المادية والعمل بسنن الله الكونية في الإصلاح والنهوض والبناء والتنمية أمر ضروري في حياة الأفراد والمجتمعات الإسلامية المعاصرة ، بل هو واجب شرعي لا يسع تركه ؛ إذ لو شاء الله تعالى لحمل رسوله وانتقل به إلى المدينة ـ كما حدث في الإسراء به من مكة إلى القدس ـ ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك ؛ ليتعلم المسلمون درسا بليغا في أن بناء الأوطان وصياغة الإنسان ونوال المجد والوصول إلى الآمال التي تحتاج إلى التخطيط المتقن والعمل الجاد والأخذ بالأسباب المادية المستطاعة.

وللحديث بقية يتبع 2 من 2

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات