الجمعة 7 ذو القعدة 1439 - 20 يوليو 2018

فقه السيرة النبوية (19)

الاثنين 18 شوال 1439 - 2 يوليو 2018 96 عمر جبه جي
فقه السيرة النبوية (19)

الحلقة التاسعة عشرة :الهجرة إلى الحبشة.

لقد اشتد الأذى والبلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصل الأذى بالصحابة إلى درجةٍ لا تحتمل، وهذا ينذر بإفناء الجماعة المسلمة الناشئة، أو بتزايد الاحتقان في المجتمع مما يولد شرارةً تؤدي إلى انفجار المجتمع كله، فللشباب طاقة تحملٍ، ولديهم من القوة والعنفوان ما يدفعهم لرد الأذى بمثله، ولكن ذلك سيؤول كما ذكرنا سابقاً إلى مجزرةٍ تودي بالدعاة جميعاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ذلك كله، لذلك فتح لهم باب الهجرة إلى الحبشة .

الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة . 

اشتد البلاء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار؛ ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلب في دينه وعصمه الله منهم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجا مما أنتم فيه»، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.

هناك عدة أسباب لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة؟ منها: 

أ- النجاشي العادل

أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدل النجاشي بقوله لأصحابه: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد». 

و ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ثناؤه على ملك الحبشة بقوله: «وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه»، وكان يظهر هذا الصلاح عليه من خلال حمايته للمسلمين، وتأثره بالقرآن الكريم عندما سمعه من جعفر رضي الله عنه ، وكان معتقده في عيسى عليه السلام صحيحًا. 

ب- الحبشة متجر قريش.

إن التجارة كانت عماد الاقتصاد القرشي، والحبشة تعتبر من مراكز التجارة في 

الجزيرة، فربما عرفها بعض المسلمين عندما ذهبوا إليها في التجارة، أو ذكرها لهم من ذهب إليهم قبلهم وقد ذكر الطبري في معرض ذكره لأسباب الهجرة للحبشة: «وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاها من الرزق وأمنًا، ومتجرًا حسنًا». 

ج- الحبشة البلد الآمن. 

فلم يكن في حينها في خارج الجزيرة بلد أكثر أمنًا من بلاد الحبشة، ومن المعلوم بُعد الحبشة عن سطوة قريش من جانب وهي لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من القبائل، وفي حديث ابن إسحاق عن أسباب اتخاذ الحبشة مكانًا للهجرة أنها: أرض صدق، وأن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد فهي أرض صدق، وملكها عادل، وتلك من أهم سمات البلد الآمن.

د- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم للحبشة ومعرفته بها

ففي حديث الزهري أن الحبشة كانت أحب الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إليها ولعل تلك المحبة لها أسباب منها: 

* حكم النجاشي العادل. 

* التزام الأحباش بالنصرانية، وهي أقرب إلى الإسلام من الوثنية. 

* معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم بأخبار الحبشة من خلال حاضنته أم أيمن رضي الله عنها، وأم أيمن هذه ثبت في صحيح مسلم وغيره أنها كانت حبشية، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خبيرًا بطبائع وأحوال الدول التي في زمانه.

وقت خروج المهاجرين، وسرية الخروج والوصول إلى الحبشة 

غادر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في رجب من السنة الخامسة للبعثة، وكانوا عشرة رجال، وأربع نسوة، وقيل: خمس نسوة، وحاولت قريش أن تدركهم لتردهم إلى مكة وخرجوا في أثرهم حتى وصلوا البحر، ولكن المسلمين كانوا قد أبحروا متوجهين إلى الحبشة. 

وعند التأمل في فقه المرويات يتبين لنا سرية المهاجرين فقد «خرجوا متسللين سرًا» ولما وصل المسلمون إلى أرض الحبشة أكرم النجاشي مثواهم، وأحسن لقاءهم ووجدوا عنده من الطمأنينة بالأمن ما لم يجدوه في وطنهم وأهليهم. 

إن المتأمل في أسماء الصحابة الذين هاجروا لا يجد فيهم أحدًا من الموالي الذين نالهم من أذى قريش وتعذيبها أشد من غيرهم، كبلال، وخباب، وعمار رضي الله عنهم، بل نجد غالبيتهم من ذوي النسب والمكانة في قريش، ويمثلون عددًا من القبائل، صحيح أن الأذى شمل ذوي النسب والمكانة كما طال غيرهم، ولكنه كان على الموالي أشد في بيئة تقيم وزنًا للقبيلة وترعى النسب، وبالتالي فلو كان الفرار من الأذى وحده هو السبب في الهجرة، لكان هؤلاء الموالي المعذبون أحق بالهجرة من غيرهم، ويؤيد هذا أن ابن إسحاق وغيره ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ولم يذكر هجرتهم للحبشة. 

إن الهجرة من بلد المنشأ ومغنى الصبا أمرٌ يحز في النفس وهو مفسدةٌ تلحق بالإنسان بسبب بعده عن أهله وما اعتاد عليه من أجواء بلده، ولكن هذه المفسدة الظاهرة مغمورةٌ بما يحققه المهاجر من مصالح تتمثل في حفظ دينه وعرضه، واكتسابه مأوىً يستطيع فيه أن يمارس حريته الدينية.

لقد كانت هجرة الحبشة تحقيقاً للعديد من المصالح للمسلمين، ودفعاً للمفاسد التي لحقت وتلحق بهم، فمن المصالح المجتلبة ما يأتي: 

1. حفظ الدين بحفظ حملته، فالمسلمون قد كثر عددهم، وظهر الإيمان في مكة وتحدث الناس به، وثار كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم.

لقد كانت الخطة الأمنية للرسول صلى الله عليه وسلم تستهدف الحفاظ على الصفوة المؤمنة؛ ولذلك رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحبشة تعتبر مكانًا آمنًا للمسلمين ريثما يشتد عود الإسلام وتهدأ العاصفة، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشة ما أمنهم وطمأنهم، وفي ذلك تقول أم سلمة – رضي الله عنها –: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه" 

2. البحث عن قاعدة جديدة لحماية الدعوة: فمكة لم تعد تصلح قاعدةً للدعوة ولا لبناء دولة الإسلام في ذلك الوقت، لذلك كانت أنظار النبي تتوجه شرقاً وغرباً بحثاً عن قاعدةٍ جديدةٍ للدعوة، يقول في ذلك سيد قطب رحمه الله: "ومن ثم كان يبحث الرسول صلى الله عليه وسلم عن قاعدةٍ أخرى غير مكة، قاعدةٍ تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة، ولقد سبق الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثيرٌ من المؤمنين الأوائل، القول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قويةٍ، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس وجاهةً وقوةً ومنعةً من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجالٌ ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئةٍ قبليةٍ ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين".

ويعلق الدكتور منير الغضبان على كلام الأستاذ سيد بقوله: "وهذه اللفتة العظيمة من سيد –رحمه الله – لها في السيرة ما يعضدها ويساندها، وأهم ما يؤكدها في رأيي هو الوضع العام الذي انتهى إليه أمر مهاجرة الحبشة، فلم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة حتى مضت هجرة يثرب، وبدر وأحد والخندق والحديبية، لقد بقيت يثرب معرضة لاجتياح كاسح من قريش خمس سنوات، وكان آخرها هذا الهجوم والاجتياح في الخندق، وحين اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن المدينة قد أصبحت قاعدة أمينة للمسلمين، وانتهى خطر اجتياحها من المشركين، عندئذ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة، ولم يعد ثمة ضرورة لهذه القاعدة الاحتياطية، التي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سقطت يثرب في يد العدو" 

3. الدعوة إلى الله ونشر دينه في الآفاق، فقد كان هؤلاء المهاجرون من الصحابة سفراء الإسلام على الأرض الجديدة، وقد أسلم على يديهم ملك الحبشة النجاشي، وعددٌ لا بأس به من أهل الحبشة، فكان ذلك فتحاً جديداً للإسلام في العالم.

عودة المهاجرين 

عاش المسلمون ثلاثة أشهر من بدء الهجرة، وحدث تغير كبير على حياة المسلمين في مكة، وهناك ظروف نشأت لم تكن موجودة من قبل، بعثت في المسلمين الأمل في إمكان نشر الدعوة في مكة، حيث أسلم في تلك الفترة حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عصبية لابن أخيه ثم شرح الله صدره للإسلام، فثبت عليه وكان حمزة أعز فتيان قريش وأشدهم شكيمة، فلما دخل في الإسلام عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع وأن عمه سيمنعه ويحميه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. 

وبعد إسلام حمزة أسلم عمر بن الخطاب ، وكان عمر ذا شكيمة لا يرام، فلما أسلم امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازَّوا قريشًا. 

كان إسلام الرجلين العظيمين بعد خروج المسلمين إلى الحبشة، فكان إسلامُهما عزةً للمسلمين وقهرًا للمشركين وتشجيعًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجاهرة بعقيدتهم. 

قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. 

«لقد أصبح المسلمون إذًا في وضع غير الذي كانوا فيه قبل الهجرة إلى الحبشة، فقد امتنعوا بحمزة وعمر رضي الله عنهما، واستطاعوا أن يصلوا عند الكعبة بعد أن كانوا لا يقدرون على ذلك، وخرجوا من بيت الأرقم بن أبي الأرقم مجاهرين حتى دخلوا المسجد، وكفت قريش عن إيذائهم بالصورة الوحشية التي كانت تعذبهم بها قبل ذلك، فالوضع قد تغير بالنسبة للمسلمين، والظروف التي كانوا يعيشون فيها قبل الهجرة قد تحولت إلى أحسن، فهل ترى هذا يخفى على أحد؟ وهل تظن أن هذه التغييرات التي جرت على حياة المسلمين في مكة لم تصل إلى أرض الحبشة، ولو عن طريق البحارة الذين كانوا يمرون بجدة؟ 

لا بد أن كل ذلك قد وصلهم، ولا شك أن هؤلاء الغرباء قد فرحوا بذلك كثيرًا، ولا يستغرب أحد بعد ذلك أن يكون الحنين إلى الوطن، وهو فطرة فطر الله عليها جميع المخلوقات، قد عاودهم ورغبت نفوسهم في العودة إلى حيث الوطن العزيز مكة أم القرى، وإلى حيث يوجد الأهل والعشيرة فعادوا إلى مكة في ظل الظروف الجديدة والمشجعة، وتحت إلحاح النفس وحنينها إلى حرم الله وبيته العتيق». 

لقد رجع المهاجرون إلى مكة بسبب ما علموا من إسلام حمزة وعمر واعتقادهم أن إسلام هذين الصحابيين الجليلين سيعتز به المسلمون وتقوى شوكتهم. 

ولكن قريشًا واجهت إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما بتدبيرات جديدة يتجلى فيها المكر والدهاء من ناحية، والقسوة والعنف من ناحية أخرى، فزادت في أسلحة الإرهاب التي تستعملها ضد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم سلاحًا قاطعًا وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، وقد تحدثت عنه وكان من جراء ذلك الموقف العنيف أن رجع المسلمون إلى الحبشة مرة ثانية، وانضم إليهم عدد كبير ممن لم يهاجروا قبل ذلك. 

هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة

قال ابن سعد: قالوا: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مكة من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم، وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدًا، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الثانية أعظمها مشقة، ولقوا من قريش تعنيفًا شديدًا ونالوهم بالأذى، واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة ولست معنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم مهاجرون إلى الله تعالى وإليَّ، لكم هاتان الهجرتان جميعًا» قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله. 

وهاجر معهم كثيرون غيرهم أكثر منهم وعدتهم -كما قال ابن إسحاق وغيره ثلاثة وثمانون رجلاً إن كان عمار بن ياسر فيهم واثنان وثمانون رجلاً إن لم يكن فيهم، وثماني عشرة امرأة: إحدى عشرة قرشيات، وسبع غير قرشيات، وذلك عدا أبنائهم الذين خرجوا معهم صغارًا، ثم الذين ولدوا لهم فيها. 

سعي قريش لدى النجاشي في رد المهاجرين.

فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا، واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا واستقرارًا، وحسن جوار من النجاشي، وعبدوا الله لا يؤذيهم أحد، ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفدا للنجاشي لإحضار من عنده من المسلمين إلى مكة بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة إلا أن هذا الوفد خدم الإسلام والمسلمين من حيث لا يدري، فقد أسفرت مكيدته عند النجاشي عن حوار هادف دار بين أحد المهاجرين وهو جعفر بن أبي طالب، وبين ملك الحبشة أسفر هذا الحوار عن إسلام النجاشي، وتأمين المهاجرين المسلمين عنده. 

فعن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خيرَ جار (النجاشي) أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يُسلِمَهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت: فخرجا فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار وخير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشرف قومهم، لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم ثم إنهما قرَّبا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم, ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بَعَثَنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. 

قالت: ولم يكن شيء أبغضَ إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومَهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. 

قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا هَيْمُ الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم، ما جاوروني. كان عمرو بن العاص وهو يمثل في تلك المرحلة عداوة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مستوى كبير من الذكاء والدهاء والمكر، وكان قبل دخول جعفر وحديثه قد شحن كل ما لديه من حجة، وألقى بها بين يدي النجاشي من خلال النقاط الآتية:

* تحدث عن بلبلة جو مكة وفساد ذات بينها من خلال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم, وهو سفير مكة وممثلها بين يدي النجاشي، فكلامه مصدق لا يعتريه الشك، وهو عند النجاشي موضع ثقة. 

* تحدث عن خطورة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وربما سيزلزلون الأرض تحت قدمي النجاشي، كما أفسدوا جوّ مكة، ولولا حب قريش للنجاشي وصداقتها معه, ما تعنوا هذا العناء لنصحه «وأنت لنا عيبة صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف، ويأمن تاجرنا عندك» فلا أقل من رد المعروف بمثله، ولا أقل من وفاء حسن الجوار والعلاقة بين مكة والحبشة من تحذيره من هذه الفتنة المخيفة. 

* وأخطر ما في أمرهم هو خروجهم على عقيدة النجاشي وكفرهم بها «فهم لا يشهدون أن عيسى ابن مريم إله، فليسوا على دين قومهم وليسوا على دينك» فهم مبتدعة دعاة فتنة. 

* ودليل استصغارهم لشأن الملك، واستخفافهم به أن كل الناس يسجدون للملك لكنهم لا يفعلون ذلك، فكيف يتم إيواؤهم عندك وهو عودة إلى إثارة الرعب في نفسه من عدم احترام الدعاة له حين يستخفون بملكه، ولا يسجدون له، فكان على جعفر أن يفند كل الاتهامات الباطلة التي ألصقها سفير قريش بالمهاجرين. 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا