الاثنين 5 شوال 1439 - 18 يونيو 2018

حوار مع صديقي المثقف (2): الرجوع لأهل العلم تحضر أم تخلف؟!

الأحد 26 رمضان 1439 - 10 يونيو 2018 101 أحمد الدمنهوري
حوار مع صديقي المثقف (2): الرجوع لأهل العلم تحضر أم تخلف؟!

قلتَ (في نقاشنا السابق): إن تقليد أهل العلم يدل على التحضر وموافق لفطرة الإنسان.. فكيف ذلك؟

نعم، تقليد «أهل العلم» لا كل تقليد لأي شخص: فطرة وتحضر.

فكيف ذلك؟

هو فطرة؛ لأننا نقلد الطبيب في وصفاته الطبية، ونُسَلِّم له قوله بل نسلم له أنفسنا إن قال: «إن المرض خطير يحتاج إلى عملية – مثلًا» إن كان طبيبًا ثقة مأمونا، فلِمَ يُعاب على علماء الشريعة إن طلبوا ممن لا يعلم أن يسلِّم لهم ما أنفقوا فيه أعمارهم، وهم إن كانوا أهلًا للثقة، فالتقليد ليس صفة ذم بل هو مقتضى العقل السليم؛ فالقاعدة الفطرية تقول: «حين تكون جاهلًا أو حين لا تملك أدوات البحث العلمي فإنك تسأل من يعلم ومن يملك تلك الأدوات».. هكذا بكل بساطة.

فكيف يكون تحضرًا؟

المجتهد: هو الباحث المتخصص الذي يملك أدوات بحثه بلغة عصرنا، وطلب ذلك من كل إنسان وإن لم يكن تخَصَّص ودرس خروج عن مقتضى العلم إلى الفوضى باسم التحرر أو العقلانية أو تكليف للناس بما لا يطيقون. والعالَم المتحضر يتجه نحو العلم، والعلم تراكمي بطبيعته، وهذا التراكم المعرفي يحتاج إلى تفرغ ودراسة طويلة وامتلاك للأدوات، وذلك لتحصل المَلَكَة العلمية التي لا تكون إلا بعد ممارسة طويلة.

بل أزيد وأقول: إن التقليد ضرورة عقلية لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد، قبل أن يكون توجيهًا شرعيًا، والقول بغير ذلك جهل وغرور أو غفلة وسفسطة.. ويمكنك أن تضيف إلى معلوماتك: أننا جميعا مقلدون في أمور، فأنت لا تتأكد بنفسك من كيفية عمل السيارة قبل شرائها بل تقلد المهندس الذي صنعها وتقلد من وثقت فيه فرشحها لك لتشتريها. وأنت تقلد الطبيب في وصفاته، فالتقليد والاجتهاد متجاوران متعاقبان.

نعم أنا أقلده في شراء سيارتي، لكنني أتأكد منها قبل الشراء بنفسي..

فهل تستخرج موتور السيارة وتدرس كيفية عمله وتقارنه بغيره لتختبر قوته بنفسك! ثم إذا لم تكن درست هذا، فهل ترجع لشراء الكتب التي تتعلم منها كيفية صناعة الموتور لتتعلم بنفسك كيف يعمل لتتأكد من صدق كلام المهندس أو البائع؟! ثم ما الذى يدريك أن هذه الكتب التي اشتريتها صحيحة، فلم لا تجرب بنفسك من البداية حتى لا تقلد مؤلفي هذه الكتب؟!

فهمت الآن ما تقصد.. فما معنى كون التقليد والاجتهاد متجاوران متعاقبان؟

المعنى أن المتعلم يقلد حتى يتقن أصول العلم، فإذا استوعب نظرياته استطاع عندها أن يطوره، وله في كل مرحلة مسلمات يتلقاها بالتقليد، حتى يصل لمرحلة يستطيع فبها أن يدلي برأيه، وسيجد أنه يفعل ذلك في مسائل دون أخرى، حتى يتمكن من الاجتهاد في كثير من المسلمات أو كلها، لذا كان الاجتهاد عند أهل العلم درجات تتفاوت، وحين يطور شيئًا من العلم فإنه يسمى متخصصًا أو مجتهدًا فيما بحثه وطوره، ومن اجتهد في مجال فهو مقلد في آخر، فهما متعاقبان في العلم الواحد، أي يقلد لفترة ثم يكون مجتهدًا. وهما متجاوران في علمين مختلفين، بمعنى أن المجتهد في علم يقلد غيره في علم آخر أو فن غير فنه، لذا أقول إن التقليد سمة حضارية، وضرورة عقلية قبل أن تكون حكمًا شرعيًا؛ وذلك حتى تستقيم الحياة ويأخذ كل منا بخلاصة مجهود الآخر دون اضطرار لأن يبدأ من الصفر في كل مرة!

فهمت أن التقليد لابد منه في أمور حياتنا، فما علاقة هذا بإمكانية أن أستخدم عقلي في الأمور الدينية وأن أصل فيها إلى رأي يخصني؟

لك استخدام عقلك، لكن وفق قوانين العلم لا بمجرد ما يبدو لك، أو بمجرد طروء فكرة على ذهنك، لأن للمتخصصين أو لنقل للمجتهدين نظرًا خاصًا في المسائل، أو قل عقلًا خاصًا، فالعقول متفاوتة كمالًا ونقصًا، حدةً وضعفًا، كالطبيب يرى أن فلانًا من الناس مريض، وإن لم يبد عليه ذلك، وإن لم يعرف المريض نفسه ذلك، أو كمهندس الكمبيوتر يدرك خللًا في جهازك الشخصي بمجرد العمل عليه لخمس دقائق، ربما لا تدركه أنت وأنت تعمل عليه لسنوات! ذلك لأن التخصص يعطي لصاحبه عقلًا زائدًا بحيث لا يتساوى مع غيره من الناس حين ينظر للأمر نفسه، لذا ميز الله أهل العلم ومدحهم، كما قلت سابقًا.

إن قلنا هذا في الطب وشؤون الحياة فكيف يقال في أمور الدين؟ فالنصوص معلومة ومعانيها سهلة؟

يا صديقي هذا ينطبق على الأمور الدينية كذلك لأن الإسلام «علم» كما أنه «دين»، فهو «علم» بمعنى أن له قواعد ومناهج وأدوات، وفيه متخصصون تفرغوا لتحقيق مسائله، فهذا العلم له أهله كما هو مقتضى العقل السليم. وهو «دين» بمعنى أن كل مسلم مخاطب به، ومما خوطب به المسلم وجوب سؤال أهل العلم فيما لا يعلمه في قوله تعالى: «فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».

وكي تتأكد من ذلك؛ فالقرآن مثلًا كُتب بلغة العرب، فهل يصح للفرنسي الذي لا يدري لغة العرب أن يستنبط من القرآن، أم أننا نقول له: «تعلم اللغة أولًا»؟

نقول له: «تعلم العربية أولًا»..

أرأيت إن قال: «إن لدي عقلًا للفهم فلم يجب عليَّ تعلم اللغة؟».. فهل يكون مصيبًا؟

كلا ، يكون مخطئًا..

ومن أراد أن يتقن لغة من اللغات فهل يحفظ بعض المفردات، أم أنه لا بد أن يفهم التراكيب ويقرأ القصص والروايات، ويسمع أهلها مدة من الزمن حتى يُحَصِّل ما عند أهل تلك اللغة من تصرفات في كلامهم تبين مقاصدهم التي ربما لا تفهم بمجرد ظاهر الألفاظ؟

لابد مع المفردات من فهم التراكيب ومعرفة مقاصد أهل اللغة طبعًا..

قل مثله هنا، لفهم نصوص الشريعة لا بد من مقدمات علمية، أي لا بد من تحصيل علوم وأدوات تساعد على الفهم، لذلك وضع العلماء شروطًا للمجتهد في أمور الشريعة مثل: معرفة «لغة العرب» ومعرفة «أصول الفقه» الذي هو علم الفهم وكيفية تحصيل فهم سليم لا مغلوط، واشترطوا «العلم بنصوص القرآن والسنة» لتكون الصورة كاملة لا مجتزأة، واشترطوا كذلك «العلم بعلوم القرآن والسنة» المشتملة على قواعد تعين على فهم تلك النصوص، وهذه القواعد مأخوذة إما من الطبع السليم أو من مجمل النصوص نفسها أو من العقل الصحيح كذلك.

لكن أليس علماء الدين بشر يخطئون ويصيبون؟

لاشك أنهم كذلك، لكن الذى يدرك خطأهم ويرُدُّ هذا الخطأ من يعرف الخطأ العلمي من صوابه وفق موازين العلم، بمعنى أن الذي يرُدُّ على أهل التخصص أمثالهم من المتخصصين، أو قل: «الجماعة العلمية»، فلا يصح لجاهل أن يعترض على عالم لأنه لا يفهم مصطلحات العلم ولا قواعده، فالاعتراض لمجرد عدم الفهم ونسبة الخطأ للعالم لمجرد عدم الفهم غفلة وخطأ وعُجب بالنفس، والتعلم لابد فيه من تواضع واستيضاح بأدب!

فهل تعطيني مثالًا على ما قلت إنه نظر خاص أو عقل أوسع لأهل التخصص في الشرع؟

حتى أثبت لك ذلك تأمل معي: هل مجرد النظر في الدليل يُحَصِّل الناظر به الدلالة، بحيث يستطيع الاستنباط؟ بمعنى آخر: هل مجرد النظر في النص القرآني أو النبوي يجعلك تلقائيًا تفهم كل ما حواه من معان؟ ماذا تعتقد؟!

أقول: نعم..

اصبر إذًا على الجواب.. يقول علماء أصول الفقه: «الدليلُ ليس بمُعْطٍ الدلالة من نفسه، وإلا لما تَخَلَّفَت عن ناظر فيه».

ثانية واحدة.. هذه القاعدة ليست في القرآن ولا السنة؛ فلا تلزمني بها!

قولك معناه : «أنا غير ملزم إلا بما في القرآن والسنة»، هذه في حد ذاتها قاعدة لم تأت في القرآن والسنة!

لكن القرآن والسنة يدل عليها..

فلم لا تقول مثله في قاعدتنا، وكل ما تقرؤه من قواعد أهل العلم دل عليها القرآن والسنة أو مأخوذة من العقل الصحيح أو الطبع السليم الذين زكاهما القرآن والسنة.. ويمكننا أن نتناقش في أي قاعدة شئت لأثبت لك أن قواعد العلماء «إنسانية» في كثير من الأحيان قبل أن تكون «شرعية»!

كيف تكون قواعد الشريعة «إنسانية» كما تقول.. كيف ذلك لا أفهم هذا.. أليست قواعد لفهم الدين؛ فهي دينية لا علاقة بغير المتدينين بها؟!

فلنبدأ بهذا في المرة القادمة، ولنشرح عندها قاعدة «الدليل ليس بمعطي الدلالة من نفسه..»، إن سلمت لي بها واعتبرتها من دلالات القرآن والسنة..

إن شاء الله نلتقي..

في الخدمة؛ إن استمر الحوار على هذه الوتيرة الهادئة، لنخرج بنتيجة.. فالصياح والمقاطعة وعلو الصوت مزعج ولا فائدة فيه، وطلب الحق فضيلة يذعن لها كل عاقل!

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا