التدين المشوَّه

التدين المشوَّه

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
السبت، ٣٠ ذو القعدة ١٤٣٤ هـ - ٥ تشرين الأول ٢٠١٣
1319

إبراهيم إسماعيل

كلنا يعرف العبارة الماركسية الشهيرة «الدين أفيون الشعوب» ولعلَّ كلام كارل ماركس جاء لأنه لم يرَ من الأديان التي يعرفها ديناً يعمل لنهضة الإنسان والمجتمعات، فاختار هو ومن معه المنظومة الوضعية الاشتراكية التي رأوا بنظرهم -القاصر- أنها الأنسب لواقع الحياة.

 لست معنياً بالدفاع عن الأديان التي هي أفيون للشعوب، لكنني معنيٌّ بالذَّبِّ عن الإسلام الدين السماوي الحق، الذي حفظه الله من التحريف، الدين الشامل الذي عالج أمراض النفوس، وصحَّح ضلال العقائد، وأعلى من شأن الأخلاق، ورفض الظلم وتوعَّد الظلاَّم، ناصر الحق وإن كان ضعيفاً، وعادى الجور وإن كان قوياً، أعلى من شأن المبادئ، وشرَّع لإعمار الأرض بالخير والعدل والإحسان، فهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وهو الدين الذي يَصْلُحُ ويُصْلِحُ كل زمان ومكان، وهو الدين الذي بشر خير البشر صلى الله عليه وسلم بأنه سيبلغ حيث بلغ الليل والنهار، وأن العاقبة له، فلا يمكن للتشريعات الوضعية مهما بلغت من الإتقان؛ أن تضاهي التشريعات السماوية.

لكن الناظر اليوم في واقع المسلمين يرى عجباً، إذ أنه يرى نوعاً من التدين، وفهماً للإسلام لا يمكن أن يخرج عن مضمون عبارة كارل ماركس «الدين أفيون الشعوب»، فما هي الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الفهم المشوَّه، هذا ما سأحاول الحديث عنه بنقاط موجزة سريعة، إن شاء الله تعالى:

1)    اختزال الإسلام بأجزاء من الدين دون أجزائه الأخرى: إن الناظر في واقع كثير من التجمعات أو الكيانات الإسلامية باختلاف مشاربها من صوفية أو سلفية أو غير ذلك، يجد أن كلّ جماعة من هذه الجماعات تركز في خطابها على عناوين معينة وقضايا يدور نشاطها حولها، حتى أنك بعد حين تكاد لا تعرف من الإسلام إلا هذه القضايا!!

ثم إن الخطاب العام في المساجد والفضائيات يدور حول هذه النقاط فمثلاً: في بعض البلاد الإسلامية لا تُعنى خطبة الجمعة إلا بالحديث عن الأخلاق، عن الصدق والأمانة والوفاء و... وتَغيب أو تُغيَّب جوانب أخرى من  الإسلام أكثر شمولية، جوانب حضارية وتشريعية متكاملة، وينعكس هذا الخطاب على المخاطبين.

والخلاصة أننا أصبحنا أمام دين يُعنى بأجزاء فقط والتي قد تكون أمور أخلاقية أو روحانية..

2)    تشويه الفطرة والتجهيل: وأعني بتشويه الفطرة أو تلويثها أن الراغب بالالتزام أو طالب العلم الجديد يأتي بفطرة نظيفة وهو يصبو نحو الوصول إلى حالة من التدين والالتزام الصحيح، ولكن الذي يحدث أن عملية تعليمه يشوبها الكثير من التجهيل والمغالطات ونفخ بعض الجزئيات، وتقزيم بعض الكليات، وتغييب لعقلية الموازنات وترتيب الأولويات، ثم يُغذى كل ذلك بحالة من التعصب للجماعة والتحذير من أي فهم خارج هذا السياق، وربما يتخلل ذلك شيء من التعريض بخلق وعقل ودين كل من هو خارج هذا الفهم، وبالتالي نرى أن هذا الطالب الجديد قد تشوهت فطرته وانحرفت..

3)    المغالطات: والمغالطات المنتشرة في خطاب البعض تتمثل بالاستشهاد بنصوص وشواهد ووضعها في غير سياقها، أذكر مرة أنني حضرتُ خطبة جمعة عند د.توفيق بن محمد سعيد رمضان البوطي، فقال في خطبته أنه سيتحدث عن الأوضاع في سوريا ولكن لن يقول رأيه أبداً، وسيكتفي بالآيات والأحاديث الصحيحة، وبالفعل ساق عشرات النصوص والتي يقصد بها شرعنة فعل النظام وتخطئة الثورة السورية، ثم بعد أن انتهى فقال: أيها الناس هذا ليس كلامي وإنما هو كلام الله فلو كان كلامي فخذوه وضعوه في القمامة ولكنه كلام الله فكيف ستتعاملون مع كلام الله!!

وهنا نلاحظ أنه لم يكتف بالمغالطات وإنما يحاول إلزام الناس بها بطريقة الإيمان أو الكفر فما معنى أن لا يقبل الإنسان كلام الله؟!

وكذلك رأينا د.علي جمعة في مصر كيف يستشهد بحديث الخروج على الحاكم أيام مبارك، ثم بعد سقوطه صار يستعمل مبررات شرعية لتصرف الثوار، وبعد الانقلاب على الرئيس مرسي عاد ليستعمل نفس الحديث الذي يحرم الخروج على السيسي ويبيح قتل مخالفيه!!

ومثل هذا كثير جداً نسأل الله السلامة.

4)    التعايش مع الظلم ثم التبرير له ثم الكذب ثم تحريف الدين لموافقة الهوى:

يمكن أن يتفهم الإنسان أنه لا يستطيع إصلاح كثير من الفساد، وهو غير مكلف بما لا يستطيعه أصلاً، فإذا رأى الإنسان فساداً ولا يستطيع تغييره فهذا لا يبيح له أبداً ألا يراه فساداً فضلاً على أن يغض كامل النظر عنه.

وفي حالات الاصطفاف والتخندق عندما تكون الدولة الظالمة هي القوة، ودعوة الإصلاح هي الضعيفة لربما يُؤْثر البعض السلامة فلا هو يناوئ ظالماً ولا ينصر مظلوماً، - وهذا الأمر قد يكون مفهوماً-، ولكن أن يقوم هذا الإنسان بالتشهير بالمظلوم وتعداد أخطائه والسكوت عن فعل الظالم فهذا بحد ذاته بداية استدراج نحو الضلال إذ أنَّ الخطوة الأخرى ستكون دفاعاً عن موقفه من هذا التصرف، وهي تبرير الموقف، ويتبع التبرير المغالطات التي هي ضرب من ضروب الكذب والتدليس فما هي النتيجة؟

النتيجة: هي أننا أصبحنا أمام دين محرَّف حيث يؤمن ببعض الكتاب إنْ وافق الهوى، ويلوى عنق بعض الكتاب الآخر ليوافق الهوى أيضاً وهو من أفعال اليهود وغيرهم من الأمم الضالة.

هذه بعض الأسباب التي تؤدي إلى تديُّن مشوَّه يمكن وصفه بأنه أداة لتخدير الشعوب، نسأل الله تعالى السلامة..

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...