8) قراءة شحرور للقصص القرآني تحريف وتخريف

 

الزعم بأن رؤيا إبراهيم لم تكن وحياً

 

 

مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين

استكمالاً لما بدأناه في الحلقة السابقة من فضح لتلبيسات شحرور وأباطيله بالنسبة لقصة إبراهيم،عليه السلام، وتحريفاته لترسيخ مزاعم أن فكرة الرب تعالى واسمه هي من نتاج العقل البشري، والتي مرت بمراحل متعددة وتطورت بحسب تطور العقل الإنساني والتراكم المعرفي، فإن هذه الحلقة تهدف لتفنيد مزاعمه بأن رؤيا إبراهيم بذبح ولده لم تكن وحياً.

يقول شحرور بأن إبراهيم عليه السلام:" احتار ماذا يفعل ليتقرب من هذا الإله، فالناس يقدمون قرابين لآلهة مزيفة لا تملك ضراً ولا نفعاً لأحد، ... ظلت فكرة تقديم القربان لله تدور في رأس إبراهيم حتى سيطرت عليه، وبدأ يرى في المنام أنه يذبح ابنه، ثم تكررت الرؤيا حتى ترسخت، فقرر إبراهيم أن يحولها إلى فعل على أرض الواقع، بعد أن أيقن أنها ليست مجرد رؤيا بل تكليف وأمر إلهي[1]".

فمنطلق الرؤيا بحسب شحرور، شدة الانشغال حتى سيطرت على عقل إبراهيم ونفسه، ولاحقته في صحوه ومنامه، ولشدة وطأتها وضغطها، وصل بإبراهيم الحال أن يتحول هذا الوهم إلى يقين أنها ليست مجرد رؤيا بل أنها تكليف وأمر إلهي خلافاً للحقيقة والواقع!! 

لو كان شحرور يكلمنا من خارج الدائرة الإسلامية فلربما كان لكلامه وجه، ولكان له بعض العذر، فهو يقرر ويكرر ما هو مشهور لدى مدرسة التحليل النفسي، والتي لا ترى في الأحلام إلا أنها إفرازات لما يسيطر على النفس من مخاوف ورغائب وتمنيات وهواجس وشواغل، وانعكاسات الخارج على الداخل، ولكنه يوهمنا أنه يفسر آيات القرآن الكريم، ويجتهد في فهم التنزيل الحكيم، وما دام الأمر كذلك فليس في منطوق النص ولا مفهومه ما يدل على دعواه أنه:" ظلت فكرة تقديم القربان لله تدور في رأس إبراهيم حتى سيطرت عليه، وبدأ يرى في المنام أنه يذبح ابنه".

وقد تجاهل شحرور أن ( النظرية الإسلامية في الرؤى المنامية) – إن صح التعبير- لا تتوقف عند حديث النفس، وأن الرؤيا الصادقة جزء من بضع وأربعين جزءا من النبوة، وأن رؤيا إبراهيم عليه السلام وحي إلهي، حيث قسم الحديث النبوي ما يراه الإنسان في المنام ثلاثة أقسام؛ يقول عليه السلام: (الرؤيا ثلاثةٌ: منها تهاويلٌ منَ الشيطانِ لِيَحْزُنَ ابنَ آدمَ، ومنها ما يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ في يقظتِهِ فِيِراهُ في منامِهِ، ومنها جزءٌ مِنْ ستةٍ وأربعينَ جزءًا مِنَ النبوةِ )، وأن النص القرآني صريح في أن ما رآه إبراهيم رؤيا وحي.

ثم لا يلبث الشحرور أن يلوي عنق النص، حيث يستدل على رأيه بجواب إسماعيل لأبيه:? يا أبت افعل ما تؤمر?[ الصافات: 102]، بقوله:" إننا نفهم أن جواب إسماعيل لأبيه كان أن يفعل ما يؤمر لا ما يرى في المنام، لأن إسماعيل لا يقبل أن يقتله أحد بمجرد منام حتى لو كان أباه، فإذا كانت المسألة أمراً بالقتل فليفعل، وإن كانت رؤيا فلا"[2]. 

ثم يتفلسف شحرور ليقنعنا بأنه لا إشكال في أن يفهم الولد ما التبس على الوالد، حيث فهم إسماعيل أن الأمر لا يعدو كونه حلماً وليس تكليفاً إلهياً كما توهم والده، وقد فهّم الله تعالى سليمان ما لم يُفهم أباه داود عليهما الصلاة والسلام، وكأن المشكلة هي في هذه النقطة.

ولنقبل افتراضاً كلام شحرور بأن إسماعيل طلب من والده أن يفعل ما يأمره الله، فإن كان حقاً مأموراً بذبحه فليفعل، وإن كان ما رآه مجرد منام فلا، فبم يفسر الشحرور عدم تراجع إبراهيم ولا تردده؟ ألا يدل ذلك على أن الأمر كان تكليفاً إلهيا، أم سيشككنا في قدرات إبراهيم عليه السلام العقلية، في حين أن شحرور نفسه لطالما حدثنا عن إبراهيم رائد المنهج الاستقرائي!!

وبعد ذلك يتهرب من دلالة قوله تعالى:? فلما أسلما? والتي هي صريحة الدلالة في أن النبيين الكريمين قد استسلما للأمر الإلهي، وأنه ليس في الموضوع أي توهم، ليقرر الشحرور بأن هذا المقطع من الآية فيه:" إشارة إلى أن معركة المعاناة النفسية قد حُسمت لمصلحة التسليم لله تعالى، وإلى أن نار تنازع الأفكار وتجاذب الوساوس في أعماقهما قد انطفأ لمصلحة الإيمان والإنابة، وإلى أن الحيرة عندهما قد اطمأنت للطف الله"[3]، وقد كان المتوقع بدل أن يُحسم الأمر لصالح الأوهام والهواجس وتنازع الأفكار وتجاذب الوساوس، أن يفيء إبراهيم بعد أن يوضح له إسماعيل وجه الصواب على رأي الشحرور!!

ثم يناقض شحرور نفسه حين يفسر قوله تعالى:? وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا? بأن الموضوع كان امتحاناً لإيمان إبراهيم وإسماعيل وتسليمهما لله، والذي أثبتاه عمليا[4]، وما دام الموضوع امتحاناً عظيماً فإنه بالتأكيد كان أمراً وتكليفاً بالذبح، ونجح النبيان الكريمان الولد والوالد بامتياز في هذا الامتحان العظيم.

ويبقى أن نقول بأن كون الأمم القديمة كانت تذبح أولادها وتقدمهم قرابين للآلهة، لا يعني أن إبراهيم عليه السلام قد أراد محاكاتهم، ولكن يمكن أن نفهم الموضوع بطريقة معاكسة، وهي أن الله تعالى جعل هذا الابتلاء العظيم لإبراهيم، على تلك الشاكلة التي انتهت بفداء ابنه وعدم ذبحه، لحكم متعددة إحداها أن الله تعالى أرحم بنا وبأبنائنا ولا حاجة له سبحانه في أن نقتلهم ولا أن يعذبنا بقتلهم وحتى تكون القصة معلماً عظيما بارزاً في توقف الناس عن هذه العادة الجريمة التي تلبس لبوس الدين، وفي سورة الأنعام ما يشير إلى ذلك، وإن كان الكلام عن المشركين المعاصرين للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيها أن قتل الأولاد الذي كان يفعله المشركون كان من تزيين الشياطين ليهلكوهم:? وَكَذَ?لِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ?[ الأنعام: 135]، حيث ندد سبحانه بالفعل ونفّر ومنه ببيان أن المشركين هم الذين يفعلونه، وأنه من تزيين شياطينهم الذين لا يريدون لهم الخير بل يريدون هلاكهم، ثم أكد أن هذا الفعل منهم افتراء وتقوّل على الله بغير دليل فإنه سبحانه لا يأمر بذلك.

ويكفي التذكير بالآيات الأخرى التي نهت عن قتل الأولاد ذكوراً وإناثاً مهما كانت الأسباب والمبررات، ففي سورة الإسراء:? ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئاً كبيراً?[ الإسراء: 31]، وفي سورة الأنعام:? ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم?[الأنعام 151]، وقوله:? وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت?[ التكوير: 8،9].

وكان من اللافت أن يكون أحد بنود البيعة الأولى للأنصار في العقبة ألا يقتلوا أولادهم، وكان ذلك كذلك شرطاً في بيعة النساء اللواتي كن يهاجرن إلى المدينة كما سجلته سورة الممتحنة:? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى? أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ?[الممتحنة: 12].

------

[1] ) شحرور القصص القرآني، 2/ 109.

[2] ) شحرور، القصص القرآني، 2/ 111.

[3] ) القصص القرآني، 2/ 112.

[4] ) القصص القرآني، 2/ 113.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين