وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِینَ

فمكرهم حادث متجدد بتجدد الزمان والمكان، والوسائل والخطط والأفكار، بدهاء وخفاء، وهو مكر جماعي دولي بدلالة صيغة الجمع، ودون ذكر متعلق الفعل في السياق؛ للقوة والعموم في كل صغيرة وكبيرة يمكرون ويخططون!

ثم قابل مكرهم الجماعي بمكره الإلهي" ويمكر الله" وغاير بدقة نظم الآية في نسق التعبير، إذ أبرز الاسم الظاهر فاعل المكر وهو لفظ الجلالة الدال عليه سبحانه" الله" ليبرز في هذا المكر دلالات القوة؛ باستحضار جميع صفاته وأسمائه، من قوة وحكمة وقهر وجبروت وعزة....،

وانه مكر يسري بقدرته الإلهية في كونه وخلقه بستر وخفاء، ومكر أعدائه مشكوف دون غطاء؛ فغيب مكرهم بإسناده إلى ضمير الواو دون الاسم الظاهر إذ قال سبحانه: " ويمكرون"

ثم كرر لفظ الجلالة مرتين متجاورين؛ للدلالة على جمع الوصفين من تجدد حدث المكر مقابل تجدد مكرهم، وللثبات في وصف خيرية هذا المكر واتساعه وقوته واستمراره إذ قال:

" وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِینَ"

فارتفع لفظ الجلالة بالفاعلية في الفعلية، والابتدائية في الاسمية؛ ليغاير بين وصفين، وصف عارض حادث متجدد مقابلة مكرهم بمكره سبحانه، دون أن يكون ذلك وصفا ثابتا له، ثم ثبات وصف مكره بالخيرية واستمراره، وأنه خير من كل أشكال المكر وأنواعه وأصحابه.

"وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِینَ"

فالمكر بالماكرين الأشرار خير كله، و الخيرية في أفعاله وأعماله سبحانه وصف ثابت له.

ودلَّ ذلك أن مكره بالماكرين من خلقه الكفار و الأشرار، هو قدر كوني، ومراد شرعي، دعا إليه عباده المؤمنين؛ ليكونوا ستارا لقدره، ينفذ من خلالهم، مع طلاقة قدرته لخرق نواميس الكون معجزة لأنبيائه، أو كرامة لعباده، كما حصل مع أنبيائه، من فلق البحر، وإبطال حرارة النار، وثاني اثنين إذ هما في الغار.

وهو الله المتصرف في كونه وخلقه، سبحانه العزيز الجبار.