وقفة مع غزوة بدر

على ذِكْرِها فليَعرفِ الحقَّ جاهلُهْ=ويؤمنْ بأنَّ البغيَ شتّى غوائلُهْ

هيَ الغزوةُ الكبرى هوى الشركُ إذْ رَمَتْ=جحافِلُها العُظْمى ووَلَّتْ جحافلُهْ

وأصبحَ دينُ اللهِ قد قام ركنُهُ=فَأَقْصَرَ من أعدائِهِ مَنْ يُطاولُهْ

بَنَتْهُ سيوفُ اللهِ بالعزمِ إنَّهُ=لَأَصْلَبُ من صُمِّ الجلاميدِ سائلُهْ(1)

تلكم هي غزوة بدر التي نعيشُ سعداء في ذكراها الكريمة الخالدة، وأنعمْ بها من غزوة!.. وأنعمْ بذكراها من ذكرى!.. فهي أول لقاءٍ بين الإسلام والجاهلية ارتفعت فيه كلمةُ الحق، وانطلقت بشائرُ الهدى والنور، وخسئت فيه كلمةُ الباطل وانخذلت، وعادت يُجلِّلُها الخزي والعار.

لقد مضت السيوفُ المؤمنةُ تُطِيحُ بالرؤوسِ الكافرةِ العفنة التي لم تكتفِ أنْ حادت عن الحق، بل أسرعت، يحدوها العنادُ والكبرياء، تحاولُ صدَّ الآخرين عن المنهلِ العذب، وتسومُ مخالفيها سوءَ العذاب.

في يوم بدر التقت القلةُ المؤمنة بالكثرةِ الباغية ليكونَ لقاءٌ ضخمٌ كبير، فتكَ بالحاقدين الأفَّاكين، وحفر مجرىً جديداً في تاريخِ الحياة، وتحوُّلاً في مسيرةِ الدنيا صَوْبَ كلِّ ما هو صادقٌ وعاطر، ونافعٌ وشريف.

أهابَ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين أن يُقْدِموا دون خوف، وأن يجاهدوا بصدقٍ وعزيمةٍ ومضاء، فاللهُ ناصرٌ للحق، خاذلٌ للطاغوت، رافعٌ كلمتَه، مُهْلِكٌ أعداءه:

أهابَ رسولُ اللهِ بالجُندِ أَقْدِموا=ولا ترهبوا الطاغوتَ فاللهُ خاذلُهْ

أَمَا تنظرونَ الأرضَ كيفَ أظلَّها=من الشركِ دِينٌ أهلكَ الناسَ باطلُهْ؟

خذوه ببأسٍ ما تَطِيشُ سهامُهُ=فأنتمْ مناياهُ وهذي مقاتلُهْ

ونشبَ القتالُ حاراً عنيفاً متقداً، وطفق المؤمنون يَصْدُقونَ اللهَ ما عاهدوه عليه، وارتفع دعاءُ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، يدعو خالقَه ألّا تَهْلِكَ هذه العُصْبَةُ المؤمنة، وتنزَّلت رحمةُ الله على المسلمين، وكان لهم نصرٌ عزيز كريم:

مضى البأسُ بَدْرِيَّ المشاهدِ ترتمي = أعاصيرُهُ ناراً وتغلي مراجلُهْ

وراحَ رسولُ اللهِ يدعو إلهَهُ=فيا لَكَ من جندٍ طوى الجوَّ جافِلُهْ

تنزَّلَ نصرُ اللهِ تنسابُ من عَلٍ=شآبِيبُهُ نوراً ويَنْهَلُّ وابلُهْ

هوَ اللهُ يحمي دينَهُ ويُعِزُّهُ=فمنْ ذا يناويهِ ومَنْ ذا يصاولُهْ

لقد صدق المؤمنون جهادَهم، وثبتوا ثباتَ الجبال الشمّ، وأحدقوا بالعدو الكافر يُصْلونه نيرانَ بأسِهم العارمِ الصارم حتى تمزقَ شرَّ ممزَّق، وانهار شرَّ انهيار:

تمزَّقَ جيشُ الكفرِ وانحلَّ عِقْدُهْ = فخابتْ أمانيه وأَعْيَتْ وسائلُهْ

إن التاريخ كلَّه عِيالٌ على الإسلام، وإن تاريخَ الإسلام كلَّه عيالٌ على بدرٍ وما كان في يوم بدرٍ من مواقفَ للشرفِ والصدق، والجهادِ والبطولة، والفداءِ والإيمان، والتفاني والإيثارْ، صاغها رجالٌ كرامٌ عظام، سادةٌ نُجُب، أوفياءُ شرفاء.

فهذا عُمَيْرُ بن الحمام بيده تمراتٌ يأكلهن، حين سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يقاتلهم اليومَ رجلٌ فيُقْتَلُ صابراً محتسباً، مقبلاً غيرَ مدبر إلّا أدخلهُ اللهُ الجنة))؛ عندها يقول عمير: "بَخٍ بَخٍ!.. أفما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء!؟"، ثم قذف التمراتِ من يده وأخذ سيفه فقاتلَ الرومَ وهو يُنشِد:

ركضاً إلى اللهِ بغيرِ زادِ=إلّا التُقى وعملِ المعادِ

والصبرِ في اللهِ على الجهاد=وكلُّ زادٍ عُرْضَةُ النفادِ

غيرَ التُقى والبرِّ والرشاد

وما زال كذلك حتى استشهد.

وهذا أبو عبيدةَ بن الجراح رضي الله عنه يرى أباه في الصفِّ المشرك فينأى عنه إلى جهةٍ أخرى من المعركة، فيلحقه الأبُ مرةً بعد مرة يريد قتلَه، حتى إذا لم يكن من الصدام بُدٌّ التقى الأب الكافر، بولده المؤمن، وما مضى سوى قليلٍ من الوقت، حتى أطاحَ أبو عبيدة برأسِ والدهِ فسقط على الأرض مُجَلَّلاً بالخزيِ والعار، مَسُوقاً إلى عذاب النار.

وهذا عُمَيْرُ بنُ أبي وقاص يختفي وراءَ أخيه سعدٍ حتى لا يراه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمنعَه من الخروج لأنه صغير، لكنَّ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام رآه منفرداً فردَّه، فبكى عمير، فأجازه عند ذاك، وفاز بالشهادة التي خرجَ يرجوها.

وهذان فَتيانِ من الأنصار هما مُعاذ بن عفراء، ومُعاذ بن عَمْرو بن الجَمُوح يقفان في الصف المسلم يوم بدر يبحثان عن أبي جهل، حتى إذا عرفاه شَدَّا نحوه كالصقرين لا يباليان مَنْ كان يحيط به من فرسان قريش، وأخذا يضربانه حتى أَثْبَتَتْهُ الجراح، ثم أجهز عليه عبدالله بن مسعود.

إنها مواقفُ رجالٍ لا كالرجال، فهم تلاميذُ أذكياءُ أوفياءُ لإسلامهم العظيم الذي آمنوا به، وهم يعلمون أن التضحيةَ بالدنيا طلباً لرضوانِ الله تعالى وجنته من الدروسِ الأساسية التي على المسلم أن يَعِيَها فهماً وإدراكاً، ويلتزم بها عملاً وسلوكاً، وكذلك كانت كتيبة الإيمانِ يومَ بدر، فقد ضمَّت أولئك الرجال:

ضَمَّت حُماةَ الحقِّ ما عرفَ امرؤٌ=عِزاً لهم من دونِهِ أو جاها

الطالعينَ به على أعدائِهِ=موتاً إذا نشروا الجنودَ طواها

الخائضينَ من الخطوبِ غمارَها=المُصطلين من الحروبِ لظاها

الباذلينَ لدى الفداءِ نفوسَهمْ=يبغونَ عندَ إلهِهِمْ مَحْياها

ما آثروا في الأرضِ إلّا دينَهُ=دِيناً ولا عبدوا سواهُ إلها

سلكوا السبيلَ مُسَدَّدينَ تُضِيئُهُ=آيُ المُفصَّلِ يَتْبَعون هداها

قومٌ همُ اتخذوا الشهادةَ بُغْيَةً= لا يبتغونَ لدى الجهادِ سواها(2)

ودخل يومُ بدرٍ التاريخ، معركة فاصلة من كبرى معاركه، بالرغم من كل حاقدٍ أو حاسدٍ أو شانئ.

لقد عادت قريش بعد المعركة مهزومة جريحة، وطفقت تُعِدُّ ليوم الثأر.. لكن اليوم الماجد الأغر ظلّ يواصل أنواره في دفع مسيرة الهداية نحو نصرٍ تلو نصر، وامتدادٍ تلو امتداد، ذلك أن الراية المسلمة التي رَكَزها الحق في بدرٍ لم تمتْ، وليس لها أن تموت:

قُضِيَ الأمرُ يا قريشُ فسيري=للحمى واندبي على الأشلاءِ

واحذري الطيبَ أن يَمَسَّ غلاماً=في نَدِيٍّ أو غادةً في خباءِ

وأعِدّي للثأرِ حُمْرَ السرايا=واحشديها للوثبةِ الرعناءِ

يومُ بدرٍ يومٌ أغرُّ على الأيام=باقٍ إنْ شئتِ أو لم تشائي

رَكَزَ اللهُ فيه أسمى لواءٍ=وجثا الخلدُ تحت ذاك اللواءِ(3)

*****

(1) الأبيات وما بعدها من القصيدة نفسها للشاعر أحمد محرم في ديوانه: مجد الإسلام.

(2) الأبيات للشاعر أحمد محرم في ديوانه: مجد الإسلام.

(3) للشاعر عمر أبو ريشة، من مقدمة ديوانه: ملحمة النبي صلى الله عليه وسلم.