هَلُمّ أيّها الإنسانُ إلى الأسوة العظمى

أيّها الإنسانُ ! أنت كالزهرة المتفتّحة في روضة الربيع، تشدو البلابل على أغصانها، وتقبل عليها الفراشات، تتراقص بجوارها، وتأتيها النحلة ترشف من رحيقها، ويتمتّع الإنسان ببديع ألوانها، وعبق طيبها.. تقبل عليك الحياة كما تقبل العروس بأبهى حلّتها وأكرم بهجتها إلى عروسها، فربّما التبست عليك المسالك، وحار بصرك بين الموارد، فإذا أردت الرشد في العقل والفكر، والسداد في العمل والسلوك، وتمييز الحقّ من الباطل، والصواب من الخطأ، والتوفيق في جميع ما تُقدم عليه أو تحجم، والسير على صراط الله المستقيم، فاجعل من نبيّك المصطفى صلى الله عليه وسلم، ورسولك المجتبى أسوة لك في كلّ شأن.. فالتمس هديه، وتعرّف على سنّته، واحرص على أن تترسّم خطاه، تكن مهديّاً راشداً، مؤيّداً مسدّداً.. وتنل من رضوان ربّك في الآخرة ما يجعلك في فراديس الجنان في صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم هو الأسوة العظمى للمؤمنين في كلّ شأن من شئون الحياة..

فإذا كُنتَ طفلاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فانظر إلى طفولة النبيّ صلى الله عليه وسلم كيف كانت سامية عن الدنايا، تبدو على صاحبها علائم النجابة وسُموّ الهمّة.

وإذا كُنتَ يتيماً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كانت حياة هذا اليتيم بعيدة عن عُقَد اليتم، مدعاة لعطف كلّ منْ عرفه، فأحبّه وحرص على أن يتقدّم له بكلّ خير..

وإذا كُنتَ شَابّاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كانت حياة هذا الشابّ بعيدة عن أيّ صبوة من صبوات الشباب ونزواتهم، وكيف كان صلى الله عليه وسلم نموذجاً للشابّ العفّ الكريم، ذي المروءة والشهامة، حتّى كان حكماء الرجال يجلّونه، ويحتكمون إليه..

وإذا كنتَ زوجاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كان صلى الله عليه وسلم زوجاً ودوداً وفيّاً، يتواضع لنسائه، ويرفق بأزواجه، ويعدل بينهنّ، ويداعبهنّ ويُمازحهنّ، ويعينهنّ فيما يقمن به من خدمة..

وإذا كُنتَ أباً مُربّياً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كانت تربيته صلى الله عليه وسلم هي التربية المثلى لأولاده، وأولاد أولاده، ولأصحابه، ولأطفال المسلمين، ولكلّ من اتّصل به بأيّ سبب، وكان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، وكان له من أساليب التربية الفاعلة المؤثّرة ما لم يعرفه أحد في مثل عصرِه.! وما يجعَلُ المربّين الكبار تلامذَة بين يديه، يرتشفون من معين هَديه وتوجيهه..

وإذا كُنتَ تريد التعرّف الحقّ على النبوّة والأنبياء، وعلى رسالات الله تعالى لعباده على مدار التاريخ الإنسانيّ بدءاً من أوّل عهد الناس بالنبوّة ورسالات السماء، وإلى خاتمهم مُحَمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فدونك حياة هذا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم وسنّته، وما جاء به من القرآن الحكيم، فهو السجلّ الصادق الأمين، والتاريخ الدقيق لمنهج النبوّة ودعوة الأنبياء.. ولن تجد كتاباً سواه يسعفك في ذلك أو يدانيه..

وإذا كُنتَ من شداة الأدب العالي، وطلاّب الحكمة العميقة، تأسرك الجملة البليغة، وتبحث عن البلاغة المعجزة فقف إجلالاً واحتراماً أمام القرآن الذي جاء به مُحَمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، وتحدّى الثقلين أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.. وقف عند كلام أفصح من نطق الضاد صلى الله عليه وسلم، بإجماع كلّ من اشتغل بصنعة الأدب..

وإذا كُنتَ ملكاً أو رئيساً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، الذي لم يكن رسولاً ملكاً، وإنما كانَ رسولاً عبداً باخْتياره ورغبته، ولكنّه ملك القلوب بحبّه، ودانت رقاب العظماء لعظمة شخصيّته، ووقف ببابه الملوك والرؤساء، والأمراء والكبراء، ومع ذلك فلم يُر إلاّ خاشع القلب لربّه، متذلّلاً لعظمته، متواضعاً لعباد الله، قد وهب نفسه ووقته لكلّ فرد من أمّته..

وإذا كُنتَ مُديراً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كان يدير شئون الناس بالرفق والرحمة، يرحم الغافل، ويرفق بالجاهل، ويُعطِ كلّ ذي حقّ حقّه، ولا يرضى أن يظلم تحت رعايته أحد من خلق الله..

وإذا كُنتَ قائداً منتصراً، وفاتحاً غالباً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف لم يحمله انتصاره على أعدائه في مواطن كثيرة على أن ينتقم منهم، أو يُنكّل بهم، وإنّما كانت رحمته هي الغالبة، وعفوه عند المقدرة هو الخليقة التي حكمت علاقته بخصومه وأعدائه، فاستلّ من قلوبهم سخائم الحسد والحقد، وأقبلوا إلى دينه ودعوته مسلمين مستجيبين، وانقلب خصوم الأمس الألدّاء إلى أتباع أوفياء..

وإذا كُنتَ قائداً مهزوماً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف لم تلن له قناة، عندما نزلت به الشدائد، وأحاطت به الابتلاءات، ولم تهن قوّته، أو تضعف عزيمته، وإنّما كان عزيز النفس، رابط الجأش، عظيم الثقة بالله تعالى، والتوكّل عليه، كثير الضراعة إليه، والتذلّل بين يديه، كما كان شأنه كذلك في انتصاره وتمكّنه..

وإذا كُنتَ تاجراً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كان تاجراً بمال خديجة رضي الله عنها أميناً صادقاً، وكيف باع واشترى بعد نبوّته، ودان واستدان في مواقف مختلفة، فكان سمحاً كريماً، يجعل التجارة باباً من أبواب نصرة دينه، ونشر دعوته..

وإذا كُنتَ غنيّاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، يوم كانت تأتيه الأموال الكثيرة، التي كان يسعه أن يختصّ بها أو ببعضها أزواجه وأهله، ولكنّه كان يقسمها بين أصحابه، ويؤثرهم بها على نفسه وأهله..

ويوم أعطى المؤلّفة قلوبهم من الأموال ما لا تطيب به نفوس الملوك، ولا تقدر عليه..

ويوم كان حاله في فقره، لا يختلف عن حاله في غناه، لأنّه صلى الله عليه وسلم علّمنا أنّ حقيقة الغنى هو غنى النفس، وأنّ عفّة النفس أكرم صفات المؤمن وأعزّها..

وإذا كُنتَ عاملاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يعمل مع أصحابه في كلّ مناسبة، ولا يتميّز عنهم، ويحبّ العمل، ويحثّ عليه، ويرغّب به، ويدعو أمّته إلى إتقانه..

وإذا كُنتَ فقيراً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، يوم كان يجوع صلى الله عليه وسلم فيعصب على بطنه الحجر والحجرين من شدّة الجوع، ويطوي على الجوع ثلاثة أيّام صابراً محتسباً، لا يذوق فيها شيئاً، ويحمل أزواجه الكريمات على مثل حاله من الزهد في الدنيا والتقلّل منها..

وإذا كُنتَ طالباً متعلّماً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كيف كان عندما يتعلّم من جبريل عليه السلام، ويتلقّى عنه، يقبل عليه بكلّيّته، وينصت إليه بمسامع قلبه، ويتشوّق للقائه، وكيف كان ينصت لرأي أصحابه، ويطلب مشورتهم، ويتفهّم آراءهم، وربّما أخذ ببعضها دون أن يجد في نفسه غضاضة أو حرجاً..

وإذا كُنتَ مُعلّماً مُرشداً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فانظر إلى رفق النبيّ صلى الله عليه وسلم في تعليمه، وصبره على جهل الجاهل، وجفوة الأعراب.. وانظر إلى ترغيبه في العلم، وحثّه عليه، وتشجيعه على الاستزادة منه.. وانظر إلى أساليبه في التعليم، كيف فاقت أساليب عصره، بل أتى صلى الله عليه وسلم بأساليب في التربية والتعليم لم يعرفها الناس إلاّ في العصر الحديث..

وإذا كُنتَ خطيباً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فانظر كيف كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤثر بليغ القول وجوامعه، ويوجز في خطبته، ويجمع فيها حقائق الدين ومبادئه، ولا يطيل على الناس ولا يملّهم، ولا يذكر أحداً ولا يُعَيّنه..

وإذا كُنتَ مذكّراً واعظاً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم الناصح الأمين، والمرشد المبين، يتخوّل أصحابه بالموعظة بين الحين والآخر، كراهة السآمة عليهم، ولا يكثر عليهم، يجلّي لهم الحقائق، ويضرب لهم الأمثال، وكانت مواعظه تؤثّر في القلوب، وتذرف منها العيون، فيستجيب لها السعداء، وتزيدهم هدىً إلى هداهم.

وإذا كُنتَ قاضياً فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحرص على الصلح بين المتخاصمين، ويطلب البيّنة، ويتحرّى الحقّ، ويحكم بالعدل، ولا يحابي أحداً في الحقّ، ويحذّر من شهادة الزور وقول الزور.

وإذا كُنتَ آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلتكن رحيماً رفيقاً، واعياً حكيماً، بعيداً عن الغلظة والتعنيف، والاتّهام وسوء الظنّ..

وإذا كُنتَ داعياً إلى الله مرشداً، فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذْ كان مبشّراً للمؤمنين، ومنذراً للكافرين، حريصاً على هداية الناس أجمعين، صابراً على أذى الخلق ابتغاء وجه الخالق، يتجاوز عن جفوة ذي الغلظة، ويدعو له بالهداية، ولا ينتصر لنفسه..

وإذا كُنتَ عابداً لله متبتّلاً، قانتاً ذاكراً، فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذْ كان صلى الله عليه وسلم سيّد العُبّاد المجتهدين، قام من الليل حتّى تورّمت قدماه، وعندما قيل له: أتفعل ذلك.؟ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً.؟!)، وكان يصوم حتّى يقول أهله: لا يفطر، ويفطر حتّى يقولوا: لا يصوم..

وكان صلى الله عليه وسلم في كلّ باب من أبواب العبادة لا يدرك شأوه أحد، ومع ذلك فقد كان ينهى عن التنطّع في الدين والغلوّ، ويدعو أمّـته إلى التوسّط والاعتدال، وألاّ يحمّلوا أنفسهم من العمل ما لا يطيقون..

وإذا كُنتَ مدبّراً لشئون الدنيا فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يحبّ إتقان العمل وإحسانه، ويعدّ ذلك عبادة لله تعالى وقربة، وكان يدعو بسنّته وسيرته إلى الأخذ بالأسباب وإحكامها، والاجتهاد في عمارة الأرض، وابتغاء طيّب الرزق، ويرشد أمّته إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها..

وإذا كُنتَ مقيماً لعلاقات اجتماعيّة بين الناس، ومجالساً أو مصاحباً، فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يكرم جليسه ويؤثره، ويقبل عليه بوجهه وحديثه، حتّى يظنّ أنّه آثر الناس عنده، وأحبّهم إليه، ويؤلّف أصحابه ولا ينفرّهم، ويعينهم فيما هم فيه، ولا يتميّز على أحد منهم..

وأيّاً من كنت، وفي أيّ موقع من مواقع الحياة حللت، وكيف أصبحت أو أمسيت، وعلى أيّ حال بتّ أو أضحيت، فلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وقدوة مثلى، تضيء لك بنورها ظلمات الحياة، وتخرجك من متاهات الحيرة والضياع، ولن تستطيع أن تجد في غير حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يغنيك أو يجديك..

وانظر رعاك الله كم أصلحت حياته المباركة، وسيرته الشريفة العطرة، وهديه الممدود بوحي السماء، الموصول بنور الله المبين: من حياة أمم وشعوب، وأخرج الله بها أناساً من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة والعمى، إلى الخير والهدى، منذ أوّل البعثة النبويّة المباركة، إلى يوم الناس هذا، ومن مشرق الأرض إلى مغربها.!؟ وإلى ما شاء الله تعالى وأراد..

وقلّب النظر والمقارنة تارة أخرى فهل ترى إنساناً آخر غير المصطفى صلى الله عليه وسلم كان له مثل هذا التأثير، أو عشره أو عشر معشاره.؟

وصدق الله العظيم، ومن أصدق من الله قيلاً: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين}[الجمعة:2]... ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}[الجمعة:4].

ويقول سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[الأحزاب:40].

ويقول جلّ وعلا: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:29].