مختصر تفسير ابن عاشور (5)

قصص القران

القِصَّة جمع القِصَص: الخبر عن حادثة غائبة عن الـمُخبَر بـها، والقَصَصُ: اسم للخبر المقصوص، ولا ريب أن قصص القران لم تسق للتسلية والتفكُّه، وإنما قصد بـها التبيان والبرهان، ليقع بـها التذكير والاعتبار، ولهذا خالفت القصص من وجوه: أحدها: الإيجاز بطي ما يقتضيه الكلام كقوله: (وألفيا سيدها لدى الباب) فلم يذكر مجيء سيدها وطرقه الباب ونحو ذلك للعلم به، وثانيها: تفرقها بحسب مناسبة المقام ولذا يذكر في موضع منها ما لم يذكره في غيره لإظهار بلاغة القران بتكرير القصة في أسلوب بلاغي آخر أوقع في نفس السامع، وثالثها: اجتناب السرد التاريخي بذكر أشرف المواضيع.

وللقصص فوائد منها: التحدي لأهل الكتاب بقطع حجتهم لانفرادهم بعلم أخبار الرسل والأمم عن العرب، كما قال (تلك من أنباء الرسل نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) ومعرفة تاريخ شرائع الأنبياء وآدابـهم، ولذا لم يذكر من قصصهم إلا ما يتعلق برسوخ الإيمان وضعفه، دون ذكر أسمائهم وأنسابـهم وبلدانـهم.

ومنها معرفة أسباب هلاك الأمم للاتعاظ، وأسباب نجاتـها للاقتداء (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) وموعظة المشركين بذكر ما لحق من قبلهم من المكذبين (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) والإعجاز والتأثير بذكر ما لم تعهده العرب في خطابـها من الأساليب وهو أدعى لإيمانـهم، كالتوصيف والمحاورة في أحوال أهل الجنة والنار، فالقصص أبلغ في الموعظة لتوغل العرب في الجهل حتى لم تعد عقولهم تـهدي إلا بما يقع تحت الحس.

ومنها: تعريف المسلمين بالأمم والعوالم وعظمتها وسعتها لتطلب ما ينقصهم من عوامل النهوض والرقي، ودفع المسلمين إلى مخالفة ما قنع به العرب من كونـهم أمة تابعة للفرس والروم، بحضهم على تحصيل عوامل سيادة العالم كالأمم قبلهم، واليقين بأن قوة الله فوق كل قوة فيسعوا لتحصيل وسيلتي البقاء من الاستعداد والاعتماد كي يسلموا من تسلط غيرهم عليهم.

ومنها: اكتساب معالم المدنية والحضارة من شرائع الأمم السابقة، كقوله (وابعث في المدائن حاشرين) علمنا منه إرسال البريد للإعلام بالأمور المهمة، وقوله (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) جواز استرقاق السارق في قانون القبط، وقوله (فألقوه في غيابات الجب) عمل الآبار للمسافرين للاستقاء.

أسماء القران وترتيب سوره وآياته

القران: كلام الله المكتوب في المصاحف، الموحى به بواسطة جبريل، الدال على صدق الرسول، المنزل للتعبد والعمل به، المتحدى به العرب البلغاء أن يأتوا بمثله فعجزوا حتى تحداهم بسورة منه، فكان آية على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهذا قال: (ما من الأنبياء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي) رواه البخاري.

ولم يطلق القران على غير كتاب الله، وفي اشتقاقه وزنته أقوال: فالأكثر أنه فعلان من القراءة ولذا يهمز، وقيل مشتق من القرن لأن سوره قرنت ببعضها ولذا لا يهمز عند ابن كثير على لغة حجازية، وقيل من القرينة وهي العلامة الدالة على صدق المبلغ، فاشتقاقه على القولين من فعال.

وللقران أسماء أوصلها السيوطي إلى نيف وعشرين، أشهرها ستة: التنزيل: باعتبار نزول ألفاظه من السماء، والفرقان: غلب عليه كغلبة اسم التوراة والإنجيل على الكتابين فقال تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان) سمي به لكثرة تفرقته بين الحق والباطل، والكتاب: باعتبار أنه سيكتب ويجمع ففي هذا الاسم معجزة ظاهرة، والذكر: لأنه تذكير بما يجب اعتقاده والعمل به، والوحي: لإلقائه بواسطة الملك، وكلام الله: لقوله (حتى يسمع كلام الله) ولما جمعه أبو بكر قال لهم: التمسوا اسما؟ فقال بعضهم: الإنجيل، فكرهوه لأجل النصارى، فقال بعضهم: السفر، فكرهوه لأجل اليهود فقال ابن مسعود: رأيت بالحبشة كتابا يسمونه المصحف، فسموه به.

والآية: مقدار من القران مركب، ولو تقديراً كــ(مدهامتان) أي: هما مدهامتان، أو إلحاقا كفواتح السور، وسميت آية لأنـها دليل على أن القران وحي الله، وعلامة على إعجاز بلاغته، ولذا لا تسمى جمل الكتب قبله آيات لاختصاص القران بإعجاز آياته، وما ورد في الحديث من إطلاق الآية على نص التوراة فمحمول على التشبيه.

وتحديد الآيات توقيفي قاله الزمخشري كتحديد الفاتحة بسبع، والاختلاف في بعضه محمول على اختلاف الرواية أو الاجتهاد، وحكى الداني الإجماع على أن عدد الآيات ستة الاف واختلفوا فيما زاد، وحكى مكي الإجماع على ترك عد البسملة آية إلا في الفاتحة فتركها الجمهور خلافا للكوفي والمكي، وقد كان للمدنيين عددان فالأول لأبي جعفر بن القعقاع وأبي عبد الرحمن السلمي وشيبة بن نصاح وإسماعيل بن كثير ثم انفرد الأخير عنهم بعدد ثان، ونحوه لأيوب بن المتوكل البصري.

وكان عدد السور في العهد النبوي وبعده فعن ابن عباس لما نزلت آخر آية (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) قال جبريل: ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة، وفي البخاري عنه قال: إذا سرك أن تعرف جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من الأنعام.

وفواصل الآيات تابع لتقارب نطق الكلمات وتماثلها سجعا أو معنى لتمام الآية في الغالب، فهي من محسنات الكلام التي يقع بـها الإعجاز، لذا يستحب الوقوف عندها لأنه أوقع في نفس السامع وأتم للمعنى كما يقف عند سجع النثر وقوافي النظم، وعند أبي داود عن أم سلمة أنه عليه الصلاة والسلام كان يقطع قراءته آية آية يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) ويقف ويقول (الحمد لله رب العالمين) ويقف، ومن ثم أطلق أبو عمرو أن الوقف على رؤوس الآي سنة، وصرح به البيهقي في (الشعب).

وترتيب الآي من إعجاز القران لأنه توقيفي، فكان جبريل يوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على موضع الاية كما قال ابن الأنباري، فلو غُيّر لنزل عن حد الإعجاز، وقد قال مالك: (إنما أُلِّف القران على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فالأصل تناسب الآي في المعنى غالبا كما قاله الزركشي بدليل العطف بينها بالحروف المفيدة للاتصال دون ترتيب النزول، للاتفاق على نزول (غير أول الضرر) بعد نزول ما قبله وما بعده، وقد لا توجد مناسبة، لنزول الآية على سبب اقتضاه موضعها من السورة كقوله (حافظوا على الصلوات) ألا ترى أن بعض السورة مدني وبعضه مكي كالحديد فألحق المكي بالمدني بتوقيف لمناسبة معنى.

والأصل استقلال الآيات بالمعنى لكن لما كان غرض القران إصلاح المجتمعات بالتوحيد والأخلاق، ظهر التناسب بين آياته كالخطيب يتطرق لمواضيع شتى لكنه ينتقل من موضوع إلى آخر لمناسبة.