مختصر تفسير ابن عاشور (4)

أسباب النزول

وهي الحوادث التي نزل بعض آي القران لبيانـها، وفائدتـه الدلالة على إعجازه لأنه يقطع دعوى أنه أساطير الأولين، وقد أفرط بعضهم برواية الأخبار الضعيفة فأوهم أنه ما من آية إلا نزلت لسبب، والتحقيق أنه توقيفي لا يحل القول فيه إلا بالسماع ممن شاهدوا التنزيل، قاله الواحدي.

والجمهور أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن من آي الكتاب ما يختص فلا يسوغ تعميمه كما صنع الخوارج فإنـهم: (عمدوا إلى آيات في المشركين فوضعوها في المسلمين) قاله ابن سيرين، ولما قالوا لعلي في قصة التحكيم: (إن الحكم إلا لله) قال: (كلمة حق أُريد بـها باطل) وتنقسم أسباب النزول إلى خمسة أقسام:

الأول: ما يتوقف عليه فهم المعنى المقصود كتفسير المبهم.

الثاني: وقائع تزيد في فهم المعنى دون حصره فيها كقول أم سلمة: يغزو الرجال ولا نغزو؟ فنزلت (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) وكنزول آيات اللعان في عويمر العجلاني وآيات فدية الصوم في كعب بن عجرة.

الثالث: ما نزل في معين بقصد التمثيل كالآيات من سورة التوبة بلفظ (ومنهم) نزلت في أعيان المنافقين ولهذا سماها ابن عباس بالفاضحة.

الرابع: وقائع يعبر عنها المفسر بلفظ النزول والمراد أن الاية تشملها لا أنـها نزلت بسببها قاله الزركشي وحكاه ابن تيمية عن الجمهور خلافاً للبخاري، كقول ابن الزبير في مخاصمة الأنصاري له في شراج الحَرّة: ما أحسب هذه الاية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) إلا نزلت فينا.

الخامس: ما يبين المجملات ويوضح المشكلات كمن توهم أن (من) في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) للشرط فيشكل عليه عد الجور في الحكم كفراً، فإذا علم أنـها نزلت في النصارى تبين له أنـها موصولة قُصد بـها من ترك الحكم بالإنجيل فلا يُتعجّب من كفرهم بالقران، ومنه ما يبين وجه التناسب في الاية كقوله (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا..) فالملازمة بين الشرط والجزاء بينه قول عائشة: (هي اليتيمة تكون في حَجر وليها تشاركه في ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صَداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا لهن).

القراءات

وهو فن جليل مستقل بالتأليف، وله من التفسير حالان، فمنه ما لا يتعلق به لعدم تأثيره في المعنى كالإمالة والمد والغنة ووجوه الإعراب مثل (حتى يقول الرسول) هل هو بفتح يقول أو ضمه، ونحو ذلك.

وأجمع العلماء على أن شرط صحة القراءة: موافقة الوجه العربي ورسم المصحف الإمام وصحة السند في غير المتواتر لأنه حجة بنفسه ولذا صحت قراءة (وما هو على الغيب بظنين) بالمشالة لتواترها مع أنه في رسم الإمام بالضاد، ومثل (سارعوا إلى مغفرة) و(وسارعوا) ونحو (بوالديه حُسناً) أو (إحساناً) ولا تسوغ القراءة بما لم يصح سنده وإن وافق الرسم والوجه مثل قراءة ابن الزبرقان (إلا عن موعدة وعدها أباه) وقرأ (شأن يعنيه) و(في غرة وشقاق).

وقد كان للصحابة اختيار في القراءة على وفق عربية أقوامهم في وجوه الأداء، كقراءة ابن مسعود (إذ تثقفونه بألسنتكم) ونحوه لأُبيّ وسالم، فلما جمع عثمان المصحف الإمام على لغة قريش بتكليف زيد بن ثابت لشهوده العرضة الأخيرة، زالت هذه الوجوه بالتدريج، وقد قرأ رجل أمام علي (وطلح منضود) فقال: وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع وقرأ: (لها طلع نضيد) فقيل له: أفلا نحوله؟ فقال: (إن آي القران لا تـهاج ولا تحول اليوم) ودفن الحارث بن سويد مصحفاً له لمخالفته الإمام.

ثم انحصرت هذه الشروط في القراءات العشر وهي السبعة مع يعقوب الحضرمي وأبي جعفر المدني وخلف البزار، فهي المتواترة عند الجمهور، وذهب مالك والشافعي إلى أن ما دون العشر لا يُقرأ به ولا يؤخذ منه حكم.

وقد يروى في (الصحيحين) قراءات ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يجوز القراءة بـها لغير من سمعها منه لعدم تواترها، إذ لا يترك المتواتر للآحاد، وهي التي يسميها ابن جرير وابن جني وغيرهما بــ(قراءة النبي) وهو اصطلاح يوهم أن غيرها من القراءات لم يقرأ بـها النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن القراءات ما يتعلق به المعنى بياناً كقراءة (وظنوا أنـهم قد كذبوا) بالتخفيف والتشديد، أو زيادة كاختلاف القراء في (يصدون) بضم الصاد على معنى يصدون غيرهم عنه، أو بكسرها على معنى يصدون أنفسهم، ونحو (حتى يطهرن) بالتشديد للغسل والتخفيف للطهر.

وقد كان اختلاف القراءات في العهد النبوي كما في حديث البخاري أن عمر سمع هشاماً يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، فاختلفا حتى سمع منهما النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهما وقال: (إن هذا القران أنزل على سبعة أحرف).

وتنازعوا في هذا الخبر فالجمهور على أنه محكم وذهب ابن عيينة وابن وهب واختاره الطبري والطحاوي وابن عبد البر والباقلاني وابن العربي أنه منسوخ بإجماع الصحابة بعده عليه السلام على كتابة الإمام بلغة قريش، ونـهي عمر لابن مسعود أن يقرأ (فتول عنهم عتى حين) على لغة هذيل.

وتنازعوا في معنى السبعة الأحرف على أقوال:

الأول: أن المراد الكلمات المترادفة للمعنى الواحد يتخير فيها القارئ، وجمهور هؤلاء على أن السبعة للتحديد بسبع لهجات هي في مضر عند ابن قتيبة وغيره، وعند أبي حاتم وأبي عبيدة وغيرهما في عموم العرب، واختار ابن عبد البر وعياض أن السبعة للتوسع لا التحديد إما في المرادفات عند عياض مثل قراءة أبي (كلما أضاء لهم مشوا فيه) وقرئ (سعوا فيه، مروا فيه) ومثل (انظرونا نقتبس) وقرئ (أمهلونا وأخرونا) ونحو هذا، وإما في نحو (سميعا عليما) (غفورا رحيما) إذا لم يخرج عن المناسبة وهو قول ابن عبد البر.

الثاني: أن المراد أنواع أغراض القران كالأمر والنهي والحلال والحرام والخبر والإنشاء والحقيقة والمجاز والعموم والخصوص والظاهر والمؤول ونحو هذا، وهو قول البيهقي وأبي الفضل الرازي وغيرهما.

الثالث: أن المراد سبع لغات مبثوثة في آيات الكتاب على التعيين لا التخيير، وهو قول ثعلب وأبي عبيد والأزهري وحكي عن ابن عباس، مثل ما في البخاري عن أبي هريرة قال: ما سمعت السكين إلا في قوله (وآتت كل واحدة منهن سكينا) ما كنا نسميها إلا الـمُدية، وتعقبه المصنف بأنه ينافي مقصد الحديث من التوسعة، ولا يستقيم مع العدد لما نقله السيوطي عن أبي بكر الواسطي أن في القران خمسين لغة.

الرابع: أن المراد الرخصة في كيفية النطق بلهجات القران كالفتح والإمالة والهمز والتخفيف، وفي المسألة أقوال أخرى ضعيفة، واختار المصنف أن المراد الرخصة في ترتيب آي السور حتى استقر على ترتيب العرضة الأخيرة، وغلط من توهم أن المراد القراءات السبع لأنـها كما قال أبو شامة أمر توفيقي لا توقيفي حتى أنكر أبو العباس بن عمار على ابن مجاهد في حصر القراءات في سبع لأجل هذا التوهم البعيد، وقبله حصرها ابن جبير المكي في خمس موافقة للمصاحف الخمسة التي بعث بـها عثمان إلى الأمصار.

والقراءات الصحيحة تنتهي إلى عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأُبي وأبي الدرداء وزيد وأبي موسى، وهي على مراتب فحكى ابن العربي الاتفاق على أن ما خالف الإمام من القراءات في الأداء والنطق لا في الرسم فهو متواتر، وأما ما اختلف فيه مما كان نطقه صالحا لرسم الإمام فهو مقبول وليس بمتواتر، فخرج ما خالف الإمام كقراءة ابن مسعود ونحوها، واختلف في القراءات المروية بأسانيد أصحابـها، فقال إمام الحرمين وابن سلامة الأنصاري متواترة، وقال ابن العربي وابن عبد السلام التونسي وأبو العباس بن إدريس والأبياريان بأنـها آحاد، وتوسط المازري فقال بتواترها عند أصحابـها دون عموم الأمة.

وأكثر وجوه الإعراب متواتر إلا ما ساغ فيه إعرابان مع اتحاد المعنى مثل (حتى يقول الرسول) (بنصب يقول) ورفعه، وما خالف الصحيح من وجوه العربية فالزمخشري يرده، والحق أن منه ما هو قوي لعدم انحصار العربية في نحاة البصرة والكوفة وإليه ميل الفارسي في (الحجة) كقراءة ابن عامر (وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قَتْلُ أولادَهم شركائهم) وأما ما خالف الإجماع فمردود كقراءة المعتزلة (وكلم الله موسى) بنصب اسم الجلالة ليقع الكلام من موسى.

وأما الترجيح بين العشر فجائز في اختيار ابن جرير والزمخشري وأفتى به ابن رشد كترجيح المشارقة لعاصم والمغاربة لنافع وبعض السودان لأبي عمرو بن العلاء، وقد يقع ذلك موافقة للمذهب كترجيح الأندلسيين لورش لتسهيل الهمزة لأن مالكا كره النبر في القران، وقراءة خلف البزار اختيار من قراءات الكوفيين فلم يخرج عن الكسائي وحمزة إلا في (وحرام على قرية) موافقة لحفص والجمهور، لا يقال إن الترجيح بين القراءات يلزم منه أن المرجوحة غير معجزة؟ لأن الإعجاز مطابقة الكلام لمقتضى الحال دون تفاوت، فيجوز أن تكون الراجحة أبلغ في الإعجاز دون أن تقصر المرجوحة عن أصل الإعجاز، وأيضا فالإعجاز حاصل بمجموع السورة وأقصرها ثلاث آيات، فكل مقدار ينتظم ثلاث آيات يجب أن يكون مجموعه معجزاً.