مختصر تفسير ابن عاشور (15)

(أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) لم يكرر العامل واكتفى بأداة التشبيه إشارة إلى اختلاف الحالين، وعطفه عليه بـ(أو) دون الواو للتسوية كأنه يخيرك بين تشبيههم بالمستوقد أو بالصيب، والصيب المطر إذا نزل بشدة، وتقييده بالسماء دلالة على نزوله من أعلى ارتفاع، وما كان كذلك من المطر يكون مصحوبا برعد وهو الصوت والبرق وهو اللامع الناري، وكلاهما ينشأ في السحاب عن أثر كهربائي ناتج عن احتكاك سحابتين إحداهما أقوى من الأخرى كهربائيا، فتجذب القوية الضعيفة فإذا تكاثفتا وقع انشقاق شديد في الهواء نتج عنه فرقعة هوائية، وحصل بانقداح الكهربائين لمعان شديد.

(يجعلون أصابعهم في آذانـهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين {19} يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدر) {20} الخطف الأخذ بسرعة، وقوله (ولو شاء) لا يراد به الإخبار بقدرته على سلب أبصارهم وأسماعهم لأنه معلوم، بل المراد أنه لم يسلب منهم السمع والبصر مع استحقاقهم السلب إمهالا لهم وإقامة للحجة عليهم.

وفي الآية تشبيه حال المنافقين في تقلبهم بين الإيمان والكفر بحال قوم سائرين في ليل مظلم بأرض قد أصابـها مطر فيه رعد وبرق قد أزعجهم شدة صوته واستوحشوا من ظلمته وعشيت أبصارهم من برقه، فجعلوا يرقبون ضوءه إذا أضاء ساروا في ضوئه، وإذا أظلم قاموا أي: وقفوا، وإذا أرعد سكوا آذانـهم خوفا من ذهاب أسماعهم، فلا هم انتفعوا بالمطر ولا هم مشوا في ضوء البرق وقطعوا الطريق، فهذا حال المنافق في انتحال الإيمان تارة من غير أن ينتفع به، وانتحال الكفر تارة فتقرعه وتزعجه آيات القران.

(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) {21} خطاب إرشاد لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم بعد بيان صفات الفريقين لجبر خواطر أهل الإيمان وزجر أهل الكفر، والنداء فيه للتنويه بشأن العبادة لذلك عم بالخطاب جميع الناس، فشمل الموصوفين بخطاب المواجهة، ومن سيوجد بقرينة عموم التكليف وعدم إرادة التخصيص، قاله البيضاوي.

والأمر بالعبادة للمؤمنين بالمداومة والثبات عليها، وللمشركين بخلع ضدها وهو الشرك، ولزوم التوحيد، واحتج بـها المعتزلة لقولهم بخطاب المشركين بالفروع كالأصول، ورده الجمهور بأن المقصود بالعبادة التوحيد ونبذ الشرك وهو من الأصول لا الفروع، وإنما ذكر الرب إيذانا باستحقاقه للعبودية لقيامه بتدبير شؤون الخلائق ولهذا قال (خلقكم) وإفراده إعلاما بوحدانيته ومباينته لأربابـهم.

وقوله (والذين من قبلكم) إشارة للدهريين القائلين بخلق آبائهم لهم، والخلق الإيجاد بتقدير وتسوية، كما قال هرم بن سنان:

ولأنتَ تفري ما خلقتَ وبعـــ.....ــض الناس يخلق ثم لا يفري

والمقصود به الإيجاد من العدم وهو من خصائص الرب ولذا لا يسمى الخالق غيره، وإنما يسمى الإنسان مخترعا لأنه لم يوجد ما اخترعه من عدم، فإطلاقه في فعل عيسى عليه السلام أو غيره كما قال (تبارك الله أحسن الخالقين) مجاز بحسب الإطلاق اللغوي قبل شيوع إطلاق مادة (خلق) على ما لا يقدر عليه إلا الله وهو الإيجاد من العدم دون غيره من أنواع الخلق، قاله الغزالي.

و(لعلكم تتقون) أمرتكم بالعبادة رجاء أن تتقوا، لأن لعل حرف رجاء، وذكر الجوهري أنـها تفيد الشك، لأن الترجي يقتضي توقع الفعل وعدم الجزم بوقوعه، وإنما ساغ إطلاقها في فعل الله على معنى تعليل الفعل أي: أن العبادة علة للتقوى، قاله قطرب وابن الأنباري وأبو علي الفارسي، وهو يفيد إطماعهم وترغيبهم في الفعل كما قال الزمخشري.

وعند سيبويه والرضي أن الرجاء في حيز المخاطبين، واختار المصنف الفرق بين لعل الواقعة في مقام التعليل بأمر أو نـهي وبين المستأنفة، فالرجاء في الأولى على معنى إمكان الفعل وقرب وقوعه، وعدم وقوعه يعرف بقرينة خارجية.

(الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) صفة ثانية كــ(الذي خلقكم) أي: اعبدوا الذي خلقكم وجعل لكم الأرض فراشا..الخ، وفيه إيماء إلى سبب استحقاقه العبودية وهو عظيم قدرته بتمهيد سبل الحياة من مطعم ومأوى.

والسماء القبة الزرقاء التي هي كرة هواء تحيط بالأرض، وتشبيهها بالبناء لأنـها حاجز فوق الأرض يحميها من أضرار الفضاء بامتصاص الأشعة فوق البنفسجية ويحافظ على اعتدال مناخها، كالبناء الذي يرتفع سمكه عن الأرض ويقي ساكنه من الحر والبرد، كما قال (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) ومنه قولهم (بنى بأهله) للمتزوج لأنه يتخذ بيتا يسكن فيه معها.

فإن قيل: كيف امتن عليهم بما لا يعلمونه من كنه السماء والأرض؟ فالجواب أنه خاطبهم بما تدركه عقولهم من أن السماء تحميهم مما يسقط عليهم، والأرض تقيهم من السقوط، ثم تدرك الأجيال القابلة وجوه تأويله، ففي الآية من الإعجاز ما يوافق علوم الجيولوجيا، لأن الجعل يقتضي مرور خلق الأرض بأطوار تتهيأ فيها لصلاحيتها للعيش بما يظهر معه وجه الامتنان، وفي إنزال الماء إشارة إلى نشوء المطر بتبخر مياه الأرض وصعوده إلى طبقات الجو فيعمل الهواء البارد على تكثيفه سحاباً فتجتمع فيه فقاقيع الماء فيثقل وينزل كما قال تعالى (وينشئ السحاب الثقال) وقد ينشأ السحاب الندي من البحر فتجمعه الريح إلى بعضه ويرتفع بالحرارة وقلة الضغط، فإذا لقي البرودة وكثرة الضغط في أعلى الجو انماع ونزل بغزارة كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غُديقة) أخرجه مالك.

(فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) {22} الند: المساوي المماثل، ولما كان توحيده مستلزما عبادته ونفي الشرك به، عطف النهي عن اتخاذ الأنداد على موجب استحقاقه للعبادة وهو كونه الخالق المنعم، والمعنى اعبدوا ربكم وخالقكم الذي أنعم عليكم بـهذه النعم ولا تشركوا به، وعبر عن اتخاذ الأنداد بالجعل تعريضا بمساواتـهم لها معه حال الرخاء، ونبذهم دعاءها حال الشدة، ولهذا قال (وأنتم تعلمون) أي: حال كونكم عالمين بعدم نفعها وضرها.

ويحتمل أنه أراد بالعلم العقل، فيكون في الكلام تلميح بإيقاظ عقولهم إلى دلائل الوحدانية، والمعنى كيف تشركون مع الله من لا يخلق ولا ينعم حال كونكم عقلاء؟ فجمع لهم التوبيخ على الفعل وإيقاظ عقولهم، وهو أصل عظيم من أصول الدعوة والتربية كي لا ييأسوا من أنفسهم.