مختصر تفسير ابن عاشور (13)

(يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) {9} بدل اشتمال من جملة (يقول آمنا بالله) والخداع الإيهام بفعل أو قول وهو يروم خلافه، وهو مذموم إلا في الحرب والتظاهر به تغافلا بقصد العفو والحلم والكرم كما في الحديث (المؤمن غر كريم) وقال الفرزدق:

استمطروا من قريش كل منخدع...إن الكريم إذا خادعته انخدعا

والمخادعة إما من خادع الذي يقتضي فاعلين فالمعنى أنـهم يظنون خداع المؤمنين لحسن معاملتهم التي أمر بـها النبي صلى الله عليه وسلم مع سوء فعالهم، واختار الزمخشري أن (يخادعون) استعارة تمثيلية تشبيها للهيئة وهو حسن معاملة المؤمنين وإملاء الله لهم في مقابلة سوء تصرفهم وعليه قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وإما أن يكون من خدع للواحد فيكون للمبالغة وعليه قراءة الجمهور (يخدعون) وقيل معنى مخادعة الله أي رسوله، مجاز عقلي بإسناد المخادعة للرسول للملابسة أو مجاز حذف، وقيل مخادعة الله ورسوله لهم على سبيل المقابلة والرد بالمثل.

وقوله (وما يخدعون إلا أنفسهم) حال من ضمير (يخادعون) وهو كناية عن الضر، أي: يخادعون في حال كونـهم لا يضرون إلا أنفسهم (وما يشعرون) والشعور العلم بالأشياء الخفية ومنه الشاعر لعلمه بخفايا المعاني.

(في قلوبـهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) {10} استئناف بياني لجواب سؤال متعجب: كيف يحاولون خداع الله ورسوله والمؤمنين ولا يشعرون بأن ضرر الخداع لاحق بـهم؟ فأجيب (في قلوبـهم مرض) ولذا قدم الظرف للاهتمام ونكر المرض لتفخيم أمره وبيان أنه يزيد فيهم، وأصل المرض عارض يلم بالمزاج فيخرجه عن حد الاعتدال، وهو مجاز عن العوارض النفسية التي تفسد الأخلاق وتزيد فيهم ما أقاموا عليها، ولهذا قال (فزادهم الله مرضا) وتنكير (مرضا) الثاني لبيان أنه ينشأ منه أمراض أخرى، فإن المرض هنا النفاق وإنما يزيد في قلوبـهم لأنه يستر الأخلاق الذميمة المتولدة عنه كالكذب والخداع والخوف فتكون محجوبة عن الناصحين المرشدين.

وإسناد المرض إلى الله مجازاً لأنه خالق أصل،ه وقيل إن قوله: (فزادهم الله مرضا) دعاء عليهم كقول ابن الأضبط:

تَبَاعَد مني فَطْحلٌ إذ دعوتُهُ.....أَمِينَ فزاد اللهُ ما بيننا بُعدا

ورده المصنف بأنه خلاف عادة القران في الدعاء بالهداية، ولأنه الأصل في العطف بالفاء الإخبار ولذا قال (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) بيانا لما جره النفاق إليهم من فساد الحال بالعذاب الأليم أي: المؤلِـم في الدارين، وسببه (بما كانوا يكذبون) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الجمهور (يُكَذِّبون) أي: في دعوى إيمانـهم.

(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) {11} عطف على (في قلوبـهم مرض) بيانا لأحوال نفاقهم الذي منه دعوى الإصلاح مع كونـهم مفسدين، ووجوه فسادهم بالإصرار على النفاق وتوابعه والدعوة إليه والعمل به ببث النميمة والفتنة إذ الإفساد جعل الصالح فاسداً وأصله استحالة النافع بقلبه ضاراً أو تعطيل منفعته ولهذا حذف متعلق (تفسدوا) تأكيداً لعمومه.

وتقديم الظرف الماضي (وإذا قيل) للدلالة على تمكن المرض منهم بحيث لا ينفع معه نصح من بعض من اطلع على حالهم، لإصرارهم عليه بحيث خرج جوابـهم بــ (إنما) المفيدة لقصر الإصلاح فيهم وعبروا عنه بالجملة الإسمية المقتضية لدوامهم على الفساد كما قال عبد القاهر، ولهذا خرج الرد عليهم بقصر أبلغ منه بحصر الإفساد فيهم، فقال:

(ألا إنـهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) {12} لأن تعريف المسند يفيد قصر المسند على المسند إليه، كأنه قال لا مفسد إلا أنتم وصدره بحرف (ألا) للتنبيه على مبلغ إفسادهم وأكده بضمير الفصل (هم) ورفع توهم إصلاحهم بحرف الاستدراك (لكن) ثم نفى شعورهم بأن ما يتوهمونه إصلاحا آيل إلى الفساد، وعدم شعورهم إنما هو لغشاوة أبصارهم وختم قلوبـهم وسمعهم.

(وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنـهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) {13} دعوة لهم لإيمان ويحتمل أنه من بعض المنافقين الذين سئموا نفاقهم، وحذف مفعول (آمنوا) للعلم به أو استغناء عنه بالتشبيه في (كما آمن الناس) والمقصود بالناس من عدا المخاطبين، جيء به للإغراء والحث على الفعل كقول ابن البرَّاقة:

وننصُرُ مولانا ونعلمُ أنه.....كما الناسُ مجرومٌ عليه وجارمُ

فكان جوابـهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) استفهام إنكاري للمبالغة في التبرؤ من الإيمان وشبهوه بإيمان السفهاء تأكيداً وتشنيعاً، إذ السفاهة خفة العقل وضعف الرأي الداعي لسوء التدبير، قال السمؤال:

نخافُ أن تسفَهَ أحلامُنا.....فنخْمُلَ الدهرَ مع الخاملِ

وهذه عادة أهل الفساد إذا أعياهم الحق أن يرموا المصلحين بالسفه بـهتاناً، ولهذا خرج الرد عليهم أبلغ من جوابـهم بقصر السفاهة عليهم وتأكيدها فيهم كما مر، فيلزم انتفاء ضدها الذي هو الحلم والعقل عنهم إذ الضدان لا يجتمعان، وأكده بنفي علمهم بسفاهتهم وإنما نفى العلم دون الشعور لأن السفاهة لا تخفى بحيث يحتاج معها إلى الشعور بخلاف النفاق.