مختصر تفسير ابن عاشور (10)

سورة البقرة

مدنية اتفاقا وهي أول ما نزل بـها وقيل قبلها المطففين، نزلت في آخر الأولى أو أول الثانية واستمر نزولها إلى ما بعد سنة ثمان لما قيل إن قوله (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) آخر ما نزل، وسميت بقصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها، وتسمى سنام القران أي: أعلاه، وسماها خالد بن معدان (فسطاط القران) لإحاطتها بالمعاني والأحكام حتى مكث ابن عمر ثماني سنين يتعلمها، وأغراضها ثلاثة: التشريع، والتزكية والاعتبار، وإصلاح المجتمع، وعددها (285) آية عند الحرمين والشام، وعند الكوفيين (286) وعند البصريين (287).

(الـم) هذه حروف التهجي وعددها في القران (14) نصف حروف المعجم فما ذكر يدل بالصوت على ما أهمل، قطعت وكتبت بصورتـها لا بأسمائها اتباعا لسنة رسم المصحف، ويعرب (طسم) إعراب المركب المزجي كحضرموت إلا (كهيعص) فلا يعرب لأنه لا نظير له في الأسماء إفراداً وتركيباً، وعند الجمهور أنـها جزء آية لأن الصحابة كانوا يقولون (حم تنزيل) و(ألم تنزيل) خلافا لبعض الكوفيين في عد بعض الحروف المقطعة آيات مستقلة، وعليه صحح بعض الحنفية الصلاة بـها.

وفي تأويلها أقوال: أحدها: أنـها رموز على ثناء أو أعلام وأوصاف أو أفعال الباري وأسماء النبي صلى الله عليه وسلم أو الملائكة وهو قول ابن عباس والربيع والقرظي والضحاك وغيرهم واختاره ابن عربي وابن مُلوكة التونسي، الثاني: أنه غيب استأثر الله بعلمه وهو قول الشعبي وسفيان، الثالث: أنه علامة لكلمة فــ(ألـم) أنا الله أعلم ونحوه، كقوله:

بالخير خيرات وإن شراً فا....ولا أريد الشرَّ إلا أن تا

أي: وإن شراً فشر، وقوله (تا) أي: تشاء، ونظيره قول الآخر:

قلنا لها قفي قالت قاف...لا تحسبنّي قد نسيتُ الإيجاف

أراد بقاف: وقفت، ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) أي: أق مكان أقتل، وقوله (كفى بالسيف شا) أي: شاهداً.

الرابع: أنـها أسماء للسور كتسمية الحوت نون، والجبل قاف، قال العبسي:

يذكرني حاميمَ والرمحُ شاجر....فهلا تلا حاميمَ قبل التقدُّمِ

وهو قول زيد بن أسلم وغيره وحكي عن الخليل وسيبويه واختاره الفخر والقفال، ويرده أن لبعض السور أسماء مع كونـها مفتتحة بـهذه الحروف.

الخامس: أنـها أسماء للقران، قاله قتادة والسدي والكلبي، السادس: أنـها قسم قاله الأخفش، ورد بأن حرف القسم لا يحذف إلا مع اسم الجلالة عند البصريين، وبكراهة الجمع بين قسمين كقوله (نون والقلم) عند الخليل، وتعقب بأن غير البصريين قد جوز الحذف في غير اسم الجلالة، وبأن الجمع بين قسمين وارد عن العرب ومنه:

والله والله لنعم الفتى الـــ......حارثُ لا النكسُ ولا الخاملُ

السابع: وهو الراجح أنـها من المتشابه لتبكيت المشركين وإظهار عجزهم عن معارضة القران قاله المبرد وقطرب والفراء واختاره الزمخشري، الثامن: أنـها للتعليم قاله عبد العزيز بن يحيى، تنبيها للعرب على فوائد الكتابة لإخراجهم من أميتهم وإعادتـهم إلى ما كانوا عليه من العلم بالكتابة فإن ضخم بن إرم أول من علم العرب الكتابة ووضع حروف المعجم.

التاسع: أنـها لتنبيه العرب كي يقبلوا على سماع القران قاله قطرب وثعلب والأخفش وأبو عبيدة.

(ذلك الكتاب) إشارة إلى ما نزل بمكة، وقيل إليه وإلى ما سينزل بالمدينة تنبيها على نفاسته واستحالة معارضته والإتيان بمثله على عادة العرب في الإشارة بالبعيد لما كان نفيسا صعب المنال قاله السكاكي، وقد حقق ابن مالك تعاقب أسماء الإشارة في القريب والبعيد لمعنى مقصود كالتنبيه، ومنه قول خُفاف:

أقول له والرمحُ يأطر متنَهُ.....تأمل خُفافاً إنني أنا ذلكا

أو لقلة الاكتراث، ومنه قول قيس بن الخطيم:

متى يأتِ هذا الموتُ لا يلفِ حاجة....لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءَها

وقيل أشار إلى المعنى الحاصل بالحروف المقطعة، أي: ذلك المعنى الذي نزل بمكة وتألف من حروفكم هو الكتاب فما أعجزكم عن معارضته، والكتابة الجمع والضم كقوله:

لا تأمنن فَزارياً خلوتَ به...على قَلوصك واكتُبها بأسيارِ

وفيه إشارة إلى وجوب كتابة القران ليحفظ ومن ثم كانت كتابته فرض كفاية كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.