مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (155)

﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ١٨٧﴾ [البقرة: 187]

السؤال الأول:

ما دلالة كلمة (اللباس) في الآية ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ [البقرة:187]؟

الجواب:

جاءت هذه الآية لتعبر عما تحمله تلك العلاقة المقدسة بين الرجل والمرأة، وما يمثله كل واحد منهما لصاحبه، وذلك بتشبيه كل واحد منهما باللباس للآخر.

اللباس الذي يستر العورات ويدفئ صاحبه ويمنع عنه الأذى والضرر إلى غير ذلك من المنافع الكثيرة، فلو أردت أخي المؤمن وضع كلمة مكان (لباس) لما أدّت إلى المعنى المراد، ولما وسعت ذلك الشمول الذي احتوى عليه ذلك التشبيه الرائع.

السؤال الثاني:

ما أنواع اللباس وما منظومة اللباس التي ذكرت في القرآن؟

الجواب:

الثوب:

هو الثوب الظاهر الذي يستر العورة، وله معنيان:

ـ معنوي: خُلق ـ تقوى ـ مروءة، كقوله تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ٤﴾ [المدَّثر:4].

ـ مادي: لما نلبسه.

اللباس:

وهو يدل على السَّتر المادي والمعنوي ـ وهو الذي يستر السوءة ـ وقد ينزع اللباس نزعاً بالقوة، فاللباس يواري السوءة الحسية والمعنوية.

شواهد قرآنية:

﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ﴾ [الأعراف:26] يعني كل عبادة فيها جانب خفي وتوقير.

﴿ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ [البقرة:187] ماديٌّ ومعنويٌّ هو عدم إظهار سيئات الزوج أو الزوجة.

﴿ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ [الأعراف:27].

﴿ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ ﴾ [النحل:112].

﴿ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ ﴾ [الأعراف:26].

﴿ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ﴾ [الأعراف:26] أي: أنْ تؤديها خالصة لله وقلبك مخلص.

أنواع اللباس:

1ـ الجلباب: ثوب له أكمام ويقفل من الأمام ﴿ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ﴾ [الأحزاب:59].

2ـ كساء: هو الثوب الذي يُلقى على الكتف ﴿ وَٱكۡسُوهُمۡ ﴾ [النساء:5].

3ـ خمار: غطاء الرأس ﴿ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ ﴾ [النور:31].

4ـ سربال: كل شيء غليظ يقي من الحر أو البرد أو الضرب ﴿ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ ﴾ [النحل:81].

5ـ ريش: هو ما يدل على الترف وهو حلال مالم يؤد إلى الخيلاء ﴿ يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ ﴾ [الأعراف:26].

6ـ سابغ: كل شيء واسع وتام ومريح، ومنه: إسباغ الوضوء ﴿ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ﴾[لقمان:20].

7ـ مزمل: طريقة لبس الكساء إذا لف الإنسان نفسه بكسائه ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ١﴾ [المزَّمل:1].

8ـ إزار: ومنه المئزر، وهو معروف، والأصل في الأزر هو القوة ﴿ ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي٣١﴾ [طه:31].

9ـ غطاء: ما يُتغطى به، والغطاية: ما تغطت به المرأةُ من حشو الثياب تحت ثيابها كالغلالة ونحوها. وفي الحديث: أنه عليه السلام نَهَى عن أن يغطيَ الرجلُ فاه في الصلاة. قال ابن الأثير: من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك.

10ـ دثار: المدثر هو المتدرع بدثاره كالملتف باللحاف مثلاً ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ١﴾ [المدَّثر:1].

11ـ فراش: ما يوطئ من متاع البيت، ومنه المفروشات. قال تعالى: ﴿ مُتَّكِ‍ِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۢ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ ﴾ [الرحمن:54]، ﴿ وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ٣٤﴾ [الواقعة:34].

السؤال الثالث:

ما الفرق بين (لا تقربوها) و(لا تعتدوها) في الاستعمال القرآني؟

الجواب:

1ـ القاعدة في القرآن الكريم أن الله تعالى يستعمل في النواهي: ﴿ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة:187] ومع الأوامر يستعمل ﴿ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ ﴾ [البقرة:229].

وبناء على هذه القاعدة يتبيّن الفرق.

2ـ الحدّ هو الحاجز ونهاية الشيء الذي إنْ تجاوزه المرء دخل في شيء آخر، وشُبِّهت الأحكام بالحد؛ لأنّ تجاوزها يُخرج من حِلٍّ إلى منع.

السؤال الرابع:

ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ ﴾ [البقرة:187] و ﴿ وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ ﴾ [النور:18]؟

الجواب:

1ـ نستعرض بعض الآيات:

قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ١٨٧﴾ [البقرة:187].

وقال أيضاً: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ٢١٩﴾ [البقرة:219].

وقال أيضاً: ﴿ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ٢٢١﴾ [البقرة:221].

2ـ وردت في القرآن الكريم كلمة (آية)84 مرة، وكلمة (آيات) 295 مرة، وكلمة (آياتنا) 92مرة، وكلمة (آياته) 38مرة، وكلمة (آياتي) 14مرة، وكلمة (الآيات) 33 مرة.

3ـ المقارنة هنا بين كلمتي ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِۚ ﴾ و﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾ والاستعمال القرآني لهما هو أنّ (الآيات) عامة (وآياته) فيها إضافة إلى الهاء العائدة لله للتشريف والتعظيم؛ لذلك هي أخصّ وأهم، بينما الآيات أعم.

ولذلك نجد القرآن الكريم يستعمل كلمة: ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾ [البقرة:187] للمواطن الأهم والآكد من المواطن الأخرى، فاستخدمها القرآن الكريم في الأحكام المختصة في أحكام الحلال والحرام والمواضع الأهم.

شواهد قرآنية:

آية البقرة ـ 187 ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾.

آية البقرة ـ 219 ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾.

آية البقرة ـ221 ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾.

آيتا النور 58ـ و ـ 59﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾ و ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾.

آية النور 61 ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾.

نجد من دراسة الآيات القرآنية أعلاه ما يلي:

1ـ آية البقرة: 187 فيها أحكام عن الصوم وتفاصيله وهو أمر هام في الإسلام فجاء في آخرها: ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾.

2ـ آية البقرة: 219 ليس فيها أحكام تحريم الخمر بشكل واضح وإنما بيّن أنّ إثمه أكبر من نفعه وكذلك الميسر، وأنّ ما ينفقونه هو العفو، أي: ما زاد، فاستعمل ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾.

3ـ آية البقرة: 221 فيها أحكام بعدم التزاوج مع المشركين والمشركات، فجاء في آخرها بلفظة ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾ وهذا حكم هام بعدم الزواج والتزويج من المشركين والمشركات.

4ـ آية النور 58 فيها قوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ﴾ [النور:58] بينما في الآية 59 ﴿ َإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَ‍ٔۡذِنُواْ ﴾ [النور:59] وطلب الاستئذان في الآية الثانية أقوى وأهم من الآية الأولى؛ لأنّ الأطفال هنا قد بلغوا الحلم فجاء فيها ﴿ ءَايَٰتِهِۦ ﴾ بينما جاء بكلمة ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾ في آية النور الأولى.

5ـ آية النور:61 الموضوع يتعلق فيما إنْ أكل من بيوت الأقرباء وربما لا يأكل، فأمر الأكل مباح وليس مؤكداً؛ فجاء بكلمة ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ ﴾ والله أعلم.

السؤال الخامس:

ما دلالة اختلاف الفاصلة في آيات البقرة: [ 187ـ 221ـ 242ـ 266]؟ وكيف نميز بينهم في الحفظ؟

الجواب:

أولاً ـ لنستعرض الآيات:

قوله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ١٨٧﴾ [البقرة:187] الفاصلة (يتقون).

قوله تعالى: ﴿ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ٢٢١﴾ [البقرة:221] الفاصلة (يتذكرون).

قوله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ٢٤٢﴾ [البقرة:242] الفاصلة (تعقلون).

قوله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ٢٦٦﴾ [البقرة:266] الفاصلة (تتفكرون).

ثانياً ـ حفظ كلام الله تعالى إنما يتأتّى بالتكرار والمراجعة؛ لأنّ الآيات كما وُصفت كأنها الإبل الشاردة، لكن الإنسان يحاول أنْ يجد رابطة ما بين الآية وخاتمتها؛ حتى لا تلتبس عليه، ولا نقول هذه الآيات متشابهة، وإنما هي متقاربة متماثلة، وذكرنا سابقاً أنّ المتشابه هو الذي معناه مفهوم ولكن فيه مساحة للغيب.

ثالثاً ـ بشكل عام الآيات قد تكون للخطاب نحو: (لعلكم تتقون) أو للغيبة نحو: (لعلهم يتقون) وخطاب الغيبة يكون عادة عندما يريد الله أنْ يكون الحُكم عاماً مطلقاً وليس للمخاطبين في جزئية معينة.

﴿ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ﴾

1ـ وردت في سورة البقرة في أربعة مواضع في الآيات: [ 21- 63-179-187].

2ـ التقوى هي تجنب مخالفة أوامر الله.

3ـ تأتي هذه الفاصلة: ﴿ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ﴾ عندما يكون السياق بالأوامر: افعلوا أو لا تفعلوا.

﴿ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

1ـ وردت في سورة البقرة مرتين في الآيات:[ 219 -266].

2ـ تأتي هذه الفاصلة عند طلب التفكر إمّا بضرب مثل، وإمّا يكون جواباً عن سؤال حتى يتفكر الإنسان في الإجابة.

3ـ يلاحظ أن الآيتين: [ 219-266] تتعلقان بالمال.

﴿ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

1ـ التذكر هو الاتعاظ، أي: بأنْ تكون له عظة بذلك.

2ـ وردت في سورة البقرة في مكان واحد في الآية (221) كما وردت في باقي القرآن في ستة مواضع هي: [إبراهيم 25ـ القصص 43ـ 46ـ 51ـ الزمر 27ـ الدخان 58].

3ـ تأتي هذه الفاصلة في سياق حُكمٍ مخالفٍ للأعراف والتقاليد عندهم، فعند ذلك يُطلب منهم أنْ يكون لهم بهذا القرآن عظة وعبرة فلا يخالفوه.

السؤال السادس:

لماذا حذف فاعل ﴿ أُحِلَّ ﴾ [البقرة:187] وبناه للمجهول في الآية؟

الجواب:

حذف الفاعل وبناه للمجهول عند التحدث على الرَّفَث، وهو ما يحسن ألا يقترن بالتصريح بالفاعل فقال: ﴿ أُحِلَّ ﴾ [البقرة:187].

والله أعلم.