مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (154)

القسم الثاني الأخير من أسئلة آية البقرة 186

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ١٨٦﴾ [البقرة: 186 ]

السؤال السابع:

قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ﴾ وليس (أجيب الداعي)، فما دلالة ذلك؟

الجواب:

قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ﴾ وليس (أجيب الداعي)؛ لأنّ الدعوة هي المطلوبة بالذات، يجيب ما تريد أنت، أي: يجيب الدعوة. وربنا يغضب إذا لم يدعه العبد، ويحب الملحاح في الدعاء، وقد غضبَ ربُنا على أقوام لأنهم لم يدعوه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ٤٢فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام:42-43] وقوله: ﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ٧٦﴾ [المؤمنون:76] وقوله: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ١﴾ [الفَلَق:1] أي: ادعُ وقلها لا في نفسك فقط؛ لأنه عندما يقول العبد: (أعوذ) يعني أنه يحتاج لمن يعينه فينبغي أنْ يقولها.

السؤال الثامن:

جاء جواب السؤال في الآية في قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ ﴾ ولم يقل: (قل) فما دلالة ذلك؟

الجواب:

جاء جواب السؤال في قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ ﴾ ولم يقل: (قل)؛ لأنّ (قل) هنا يحتاج إلى مدة وإنْ كانت قصيرة فهي لا تتناسب مع القرب في الإجابة، فأراد ربنا سبحانه وتعالى أنْ يجعل القرب في الإجابة عن السؤال دون وساطة، فجعل الجوابَ منه لعباده مباشرة، وجاءت الفاء في الجواب ﴿فَإِنِّي﴾ لتفيد السرعة والمباشرة الفورية التي تتناسب مع هذا العطاء الرباني العظيم، فقال تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾.

ونلاحظ أنه لا يوجد غنة أو انفصال بين كلمة ﴿قَرِيبٌۖ﴾ وكلمة﴿أُجِيبُ﴾لأنّ بينهما إظهار شفوي، مما يدل على سرعة الإجابة. والله أعلم.

السؤال التاسع:

لماذا في هذه الآية تقدّم جواب الشرط على فعل الشرط؟

الجواب:

آـ في هذه الآية تقدّم جواب الشرط على فعل الشرط، ومعناه: أنّ الله تعالى يجيب دعاء العبد حتى قبل أنْ يبدأ بالدعاء.

ب ـ وفي الآية لفتةٌ أخرى: أنه في سياق القرآن كله عندما تأتي الآية فيها (وإذا سألك) أو (يسألونك) يأتي الردّ من الله تعالى لرسوله (قل) إلا في هذه الآية فقد جاء الردّ مباشرة من الله تعالى لعباده في خطاب مباشر ليس بين الله تعالى وعباده أي وسيط، حتى لو كان الرسول الكريم ﷺ، فما على العبد إلا الدعاء، والله تعالى يجيب دعاء عباده؛ فسبحانه وتعالى.

السؤال العاشر:

ما الفرق بين ذكر الياء وعدم ذكرها في ﴿عِبَادِي﴾ و﴿ عِبَادِ﴾ [الزُّمَر:17]؟

الجواب:

هذه ظاهرة في القرآن، (عبادي وعبادِ)، فأكثر الكلمتين مبنى أوسعهما معنى؛ وبيان ذلك أن كلمة (عبادي) أكثر من (عبادِ) في العدد؛ لأنها (عبادي) تشمل كل العباد، وذلك مناسب لسعة الكلمة وطولها وسعة المجموعة.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾ كل العباد تسأل، هذا لا يخص عبداً دون عبد.

وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [الإسراء:53] فكل العباد مكلفون أنْ يقولوا التي هي أحسن.

أمّا قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ١٧ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ﴾ [الزُّمَر: 17 - 18] ما قال: يستمعون الحسن وإنما أحسنه، وهؤلاء قليل.

السؤال الحادي عشر:

ما دلالة حرف الفاء في قوله تعالى: ﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي﴾؟

الجواب:

الفاء لطلب سرعة الاستجابة إلى الله والإيمان به ودعائه، وفي ذلك مسائل:

آـ كأنه تعالى يقول: أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقاً، فكن أنت مجيباً لدعائي مع أنك محتاج إليّ من جميع الوجوه، فما أعظم هذا الكرم!!!

ب ـ إجابة الله عبده فضل منه ابتداء، وأنه غير معلل بطاعة العبد.

ج ـ قوله تعالى: ﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي﴾ تبين أنّ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام، والإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أنّ العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات.

السؤال الثاني عشر:

هل هناك فرق بين: (أجاب واستجاب)؟

الجواب:

الفعلان: أجاب واستجاب بمعنى واحد، وقال أهل المعنى: الإجابة من العبد لله الطاعة، وإجابة الله لعبده إعطاؤه إياه مطلبه.

السؤال الثالث عشر:

ما الدروس المستفادة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ في الآية؟

الجواب:

1 ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ يدل على أنّ العبد لله، وقوله ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ ﴾ يدل على أنّ الرب للعبد.

2 ـ لم يقل: (العبد مني قريب) بل قال: أنا منه قريب، وفي ذلك سر نفيس، فإنّ العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو، هو في مركز العدم وحضيض الفناء فلا يمكنه القرب من الرب، أمّا الحق سبحانه فهو القادر من أنْ يقرب بفضله وبرحمته من العبد، فالقرب من الحق إلى العبد لا من العبد إلى الحق، فلهذا قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾.

3 ـ حذف الياء من (الداع) و (دعان) حتى لا يشعر العبد بطول الزمن بين الدعاء والإجابة.

السؤال الرابع عشر:

هناك إشكال: نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب، فلماذا؟

الجواب:

الآية وإنْ كانت مطلقة إلا أنها قد وردت آيات أخرى مقيدة، نحو قوله تعالى: ﴿ بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ ﴾ [الأنعام:41] فترك المشيئة له سبحانه من وجوه:

آ ـ الداعي لا بدّ له من شروط الدعاء المعروفة، مثل: التوبة، والإقلاع عن المعاصي، وكسب الحلال، والبعد عن الحرام، وطيب المأكل والمشرب، والإخلاص والتذلل لله.

جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قوله: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام فأنّى يستجاب له» رواه مسلم.

ب ـ الداعي لا بدّ أنْ يجد من دعائه عوضاً، إمّا إسعافاً بطلبه إذا وافق القضاء، فإن لم يتم ذلك فسكينة في نفسه وانشراح في صدره وصبر يسهل معه احتمال البلاء الحاضر.

ج ـ قال الله: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر:60] ولم يقل: في الحال، فإذا استجاب له بعد حين ولو في الآخرة كان الوعد صادقاً.

يقول الله في الحديث القدسي: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرَّبُّ: وعزتي لأنصرنَّكَ ولو بعد حين»[أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد].

د ـ قوله تعالى: ﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي﴾ لم يقل للعبد: أجب دعائي حتى أجيب دعاءك، وهذا تنبيه على أنّ إجابة الله عبده فضل منه ابتداء، فالله يجيب الدعاء وهو في غنى عن العبد، بينما العبد محتاج إلى الله. والله أعلم.