مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (153)

القسم الأول من أسئلة آية البقرة 186

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ١٨٦﴾ [البقرة: 186 ]

السؤال الأول:

هذه الآية جاءت بين آيات الصيام، فلماذا؟

الجواب:

بعد هذه الآية قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ ﴾ [البقرة:187] وهذا يدل على أنّ الصيام من دواعي الإجابة، ووقوع هذا الدعاء بين آيات الصيام إرشاد العباد إلى أنْ يلحوا بالدعاء ويكثروا منه؛ لأنّ الصائم مجاب الدعوة في صومه وعند فطره، فإذن وقوع هذه الآية بين آيات الصوم إرشاد للعباد إلى أنّ هذه فرصة ودعوة لهم إلى الدعاء؛ إذ إن الصائم لا ترد دعوته.

السؤال الثاني:

مع الآيات التي تبدأ بقوله تعالى (يسألونك) يأتي الجواب بـ (قل) على الأغلب، وهنا في الآية جاء الجواب مباشرة من دون (قل) فما دلالة ذلك؟

الجواب:

في هذه الآية لم يقل الله: فقل لهم إني قريب، وإنما تكفل تعالى بالإجابة مباشرة، على نحو ما خاطبهم مباشرة في قوله عز وجل﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ [البقرة:183] وما قال: قل لهم: كُتب عليهم الصيام، كذلك في الدعاء لم يقل: قل لهم، وإنما قال: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌۖ ﴾ [البقرة:186] مع أنه في آيات أخرى عندما يكون هناك سؤال، يقول: قل، مثلاً ﴿ وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى ﴾ [البقرة:222] أمّا في هذه الآية فتكفل الله تعالى بالإجابة مباشرة، هو سبحانه وتعالى يُدعى بلا واسطة، وهو يجيب مباشرة.

السؤال الثالث:

لِم لمْ يربط إجابة الدعاء في الآية بمشيئة الله كما في آية الأنعام: 41؟

الجواب:

قال تعالى: ﴿ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ ﴾ [البقرة:186] لم يقل: إنْ شئتُ أو إنْ شاءَ ربك، كأنه أجاب وقطع بالإجابة، بينما نلاحظ في آية أخرى: ﴿ بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ٤١﴾ [الأنعام:41] فلم يقطع بالإجابة، بينما في آية الصيام فالإجابةُ لا بد أنْ تكون بواحد من ثلاثة: إمّا يعجل له، أو يُدّخر له، أو يرد عنه بمقدارها من الأذى، كما في الحديث.

السؤال الرابع:

ما دلالة استخدام (إذا) بدل (إنْ) في الآية؟

الجواب:

استخدام (إذا) في الآية؛ لأنه سبحانه وتعالى أراد أنْ يكثر الناس من الدعاء ويلحوا فيه؛ لأنّ (إذا) تفيد الكثير والمقطوع به ولم يقل: (إنْ)؛ لأنّ (إنْ) تستعمل للشك والنادر والمستحيل الوقوع، أمّا (إذا) فهي لمقطوع الوقوع أو كثير الوقوع.

شواهد قرآنية:

ـ ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ ﴾ [البقرة:180] هذا مقطوع الوقوع فاستعمل (إذا).

ـ ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ ﴾ [الحُجُرات:9] هذه قليلة فاستعمل (إن).

السؤال الخامس:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا دَعَانِۖ ﴾ في نفس الآية؟

الجواب:

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ ﴾ وقوله ﴿ إِذَا دَعَانِۖ ﴾ فيه إشارة أنّ المطلوب من العبد الإكثار من الدعاء؛ ولذا عليه أنْ يكثر من الدعاء، وفيه أيضاً أنّ الدعاء شرط الإجابة، كما قال تعالى: ﴿ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ ﴾ فجعل الله تعالى الدعاء شرط الإجابة.

السؤال السادس:

ما فائدة تقديم الإجابة على طلب الدعاء؟

الجواب:

قدّم الإجابة على الدعاء من باب التوكيد، ومثاله قولك: إذا جئت إليّ أُكرمك، فأنت هنا بنيت الخبر على المجيء، لكن عندما تقول: أكرمك إنْ جئتني، تكون قد بنيت الخبر على الإكرام.

وهنا في هذه الآية ربنا بنى على الإجابة، فالإجابة بفضل الله متحققة، والله تعالى يريد من العباد أنْ يدعوه، والدعاء شرط الإجابة.

وفي هذه الآية قدّم الاستجابة على الإيمان؛ لأنّ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام، والإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أنّ العبد لا يصل إلى نور الإيمان إلا بتقدم الطاعات والعبادات. والله أعلم.