مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (152)

القسم الثاني والأخير من أسئلة آية البقرة 185

﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٨٥﴾ [البقرة: 185 ]

السؤال السابع:

ما دلالة ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ ﴾ في الآية؟

الجواب:

1ـ قوله تعالى: ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ﴾ أي: وأُنزِل آيات بينات واضحات الدلالة، ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ﴾ الواو: حرف عطف، بينات: معطوفة على هدى، والعطف يصح من دون تقدير، مثل: أقبل محمد وخالد، أي: أقبل محمد وأقبل خالد، لا يحتاج إلى تقدير فعل مغاير.

إذن التقدير: أُنزل القرآن هدى للناس، وأُنزل القرآن آيات بينات واضحات الدلالة من الهدى والفرقان.

وإعراب (وبينات) الواو: حرف عطف، وبينات: معطوف منصوب، وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، لكنّ الكلمة تدل على الصفة، والصفة لا نقصد إعرابها نعتاً، ولكن هي صفة.

2ـ اسم الفاعل أو اسم المفعول أو الصفة مشبهة أو صيغ المبالغة أو اسم التفضيل، هذه تسمى صفات، وهناك صفة مشبهة على وزن (فيعل) مثل ميّت، جيّد، طيّب، ليّن، هيّن، بيّن، وهذه صفات مشبهة.

السؤال الثامن:

ما دلالة قوله تعالى في الآية: ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾؟

الجواب:

﴿ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ أي: الفارق بين الحق والباطل، أي: أنزل الله تعالى بينات من الهدى.

والقرآن هو هدى للناس وهذا للعموم، وفيه آيات بينات تبين الحجج الدامغة على أنه من عند الله، وفيها أحكام عظيمة جداً تهدي الناس.

لذلك يكون: (هدى للناس) هذه عامة، و(بينات من الهدى والفرقان) خاصة.

السؤال التاسع:

في أول سورة البقرة قال: ﴿ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ٢﴾ [البقرة:2] وهنا قال: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ [البقرة:185] والآيتان في البقرة، فما دلالة ذلك في المعنى؟

الجواب:

القرآن فيه هداية عامة وفيه هداية خاصة، كما قال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ ﴾ [مريم:76].

فالهداية العامة هي ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ [البقرة:185] والهداية الخاصة هي ﴿ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ٢﴾.

وقوله تعالى: ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ [البقرة:185] أي: فيه آيات بينات تستدل منها على أنّ هذا القرآن قطعاً هو من فوق سبع سموات، وفيه دلائل آيات واضحة تحتج بها على أنّ هذا القرآن هو من عند الله،وفيه آيات أحكام هادية للناس في معاملاتهم تفرق بين الحق والباطل.

إذن هناك هداية عامة وهداية خاصة، واستخدم الكلمتين بالمعنيين هنا ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ [البقرة:185] هدى عام و ﴿ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ٢﴾ و ﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ ﴾ [البقرة:185] هدى خاص.

السؤال العاشر:

قوله تعالى في الآية: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ ﴾ [البقرة:185] كيف يشهد الشهر؟ هل يراه مثلاً؟

الجواب:

قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ [البقرة:185] أي: من كان حاضراً غير مسافر، أي: من كان مقيماً وليس مسافراً، وشهد الشهر ليس شاهد الهلال أو رأى الهلال. تقول: أشهِدتَ معنا؟ أي كنت حاضراً معنا؟ وقوله تعالى: ﴿ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ٧﴾ [البروج:7] وشرط الشهادة أنْ تكون حاضراً وليس مسافراً؛ لأنه ذكر المسافر فيما بعد.

السؤال الحادي عشر:

قال في الآية السابقة 183: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ [البقرة:183] باستخدام عليكم، فلماذا لم يقل مثلاً (لكم)؟

الجواب:

قوله تعالى في آية البقرة 183: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ لأنّ الله تعالى ذكر في نفس الآية ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ ﴾ و(على) هنا تفيد المشقة، والصوم فيه شدة وإلزام ومشقة؛ إذ يترك الصائم الطعام والشراب والمفطرات من الفجر إلى الليل ففيه مشقة؛ لذا لم يقل (لكم).

السؤال الثاني عشر:

قوله تعالى في الآية 185: ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ ﴾ ولم يستعمل (منكم) كما قال في الآية 184: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا ﴾ علماً أنه قال في الآية 185: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ ﴾ [البقرة:185] فلماذا؟

الجواب:

آـ في الآية (184) الخطاب للمسلمين لذلك قيّد؛ فلا بد أنْ يذكر ﴿ مِنكُم﴾ لئلا ينصرف المعنى للذين من قبلكم، فيُظن أنّ هذا حكم الأولين وليس لنا هذا الحكم، والخطاب في الآية (184) هو للمسلمين بدليل قوله تعالى في آخر الآية 183: ﴿ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣﴾ ولذلك كان لا بدّ من ذكر ﴿ مِنكُم ﴾.

ب ـ في الآية الأخرى رقم (185) الكلام للمسلمين، و قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ ﴾ [البقرة:185] فلا لزوم لذكر (منكم) لأنهم مخاطبون.

ج ـ لو قال في غير القرآن: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضاً) يكون تكراراً، ولا معنى أنْ يقال: (ومن كان منكم) لأنها مذكورة فلا تحتاج الإعادة.

السؤال الثالث عشر:

لِمَ لمْ يقل تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾ [البقرة:184] في الآية 185، كما قال في سابقتها 184؟

الجواب:

لأنه إذا قرأنا الآية نفسها ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ قال: يريد بكم اليسر، فكيف يقول: أنْ تصوموا خير لكم؟ وهذا من تمام رأفته ورحمته بنا سبحانه وتعالى.

السؤال الرابع عشر:

ما نوع (اللام) في قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٨٥﴾؟

الجواب:

هذه (اللام) فيها احتمالان:

1ـ احتمال أنْ تكون اللام مزيدة في مفعول فعل الإرادة، يعني يريد لتكملوا العدة، والقصد منها التوكيد؛ لأنّ فعل الإرادة يتعدى بنفسه ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ [البقرة:185] وهنا جاء بـ (اللام) وهو يقع كثيراً في مفعول فعل الإرادة للتوكيد، فاحتمال أنْ تكون هذه اللام مزيدة في مفعول فعل الإرادة بقصد التوكيد.

2ـ والآخر يحتمل أنْ يكون للتعليل والعطف على علّة مقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلِنَجۡعَلَكَ ﴾ في الآية ﴿ أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ٢٥٩ ﴾ [البقرة:259] وفي هذه الآية علّل بدلالة الواو العاطفة ﴿ وَلِنَجۡعَلَكَ) أي: أنّ هنالك عللاً أخرى محذوفة لا يتعلق الآن غرض بذكرها لأنها ليست فقط لهذه العلة، ولأنّ أصل السؤال أنى يحيي الله هذه بعد موتها؟ فأماته الله، وما ذكر تلك العلل المحذوفة، وإنما ذكر ما يتعلق بإرادة المتكلم وهو أنْ يجعله آية للناس.

وقد يكون العطف على مقدّر، كما في قوله تعالى ﴿ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ [النساء:36] في غير العلّة، فإن قيل: (وبالوالدين) على أي شيء معطوف؟

فالجوابُ: هو أنه ليس هناك شيء مذكور وإنما مقدر، والمعنى: أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا كثير في القرآن الكريم وفي لغة العرب.

السؤال الخامس عشر:

ما معاني الحرف (ما) في قوله تعالى في الآية ﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ ﴾ [البقرة:185]؟

الجواب:

(ما) تحتمل معنيين، بمعنى اسم الموصول الذي، والمصدرية بمعنى الهداية، ونرجح المعنيين وهما مرادان، أي: على الذي هداكم، وعلى هدايته لكم.

وقد يعين السياق أحياناً على فهم دلالة واحدة، كما في قوله تعالى: ﴿ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ ﴾ [الأحزاب:23]؛ لأنه بمجرد أنْ قال: ﴿ عَلَيۡهِۖ ﴾ [الأحزاب:23] تحدد معنى (ما)، ولو لم يقل: (عليه) لاحتملت ما الموصولة أو المصدرية، فطالما لم يحدد يُطلق.

السؤال السادس عشر:

لماذا ذكر الشكر بعد ذكر أحكام الصيام بقوله تعالى: ﴿ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٨٥﴾ [البقرة:185] ولم يقل مثلاً: تفلحون؟

الجواب:

السبب أنّ الصائم قد يَظُنُّ لأول وهلة أنّ هذه العبادة شاقة عليه، فإذا ما انتهى منها أدرك لطف الله سبحانه وتعالى به، وهذا ما نجده بعد الانتهاء من صيام يوم أو صيام شهر، فنشعر بفضل الله تعالى علينا وكيف أعاننا على القيام بهذه الفريضة، فندرك عظمتها ونستشعر آثارها في أرواحنا، فنتوجه إلى الله تعالى بالشكر على هذه العبادة العظيمة وعلى عونه لنا على أدائها. والله أعلم.