مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (151)

القسم الأول من أسئلة آية البقرة 185

﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٨٥﴾ [البقرة: 185 ]

السؤال الأول:

ما الفكرة العامة لهذه الآية؟

الجواب:

الملاحظ أنه تعالى ذكر الفريضة أولاً، فقال: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣﴾ [البقرة:183] ولم يحدد وقتاً ولا مدة وإنما ذكر الفريضة، ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة فقال: ﴿ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ ﴾ [البقرة:184] ولم يُحّددها، ثم بيّن بقوله: ﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ﴾ [البقرة:185] فيما بعد، والآن تعيّن الوقت للصيام وحدّد وأصبحت الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، أي: الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرين سنة.

وللعلم فإنّ القرآن نزل به جبريلُ فأصبح سيدَ الملائكة، ونزلَ به على محمد فأصبح سيدَ الرسل، ونزل القرآن في رمضان فأصبح سيد الشهور، ونزل به في ليلة القدر فكانت خير الليالي.

السؤال الثاني:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ﴾؟

الجواب:

في ذلك دلالتان:

آـ إمّا ما ذكرناه آنفاً، أي: ابتداء إنزال القرآن فيه.

ب ـ أو أنزل في شأنه القرآن، أي: في تعظيمه.

إذن فيها دلالتان أنه نزل فيه وأنه أُنزل في شأنه القرآن، وهو من باب تعظيم هذا الشهر، والاحتمالان مرادان، ولمّا قال تعالى: ﴿ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ١﴾ [القدْر:1] أي: أنزلناه في ليلة القدر وأُنزل في تعظيمها قرآن. وفي قوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾ [البقرة:185] يعود الضمير (فيه) على الشهر كله.

السؤال الثالث:

لِم لمْ يقل ربنا مثلاً: (أنزلنا فيه القرآن) كما قال في آية الحديد: ﴿ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ ﴾ [الحديد:25]؟

الجواب:

لم يقل: (أنزلنا فيه القرآن)؛ لأنه يتكلم عن شهر رمضان، وليس على مُنزِل القرآن، ولو قال: (أنزلنا) يكون الكلام عن الله سبحانه وتعالى وليس عن الشهر، ولو قال: (أنزلنا) يعود الكلام إلى ضمير المتكلم، لكنه يريد الكلام عن الشهر تعظيماً لهذا الشهر.

بينما قال: ﴿ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ ﴾ [الحديد:25] تعظيماً لله تعالى وعظمته والنعمة التي أنعمها على خلقه.

وكما قال تعالى في آية فصلت 42: ﴿ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ٤٢﴾ أُنزل إليك ثم قال: من لدن حكيم حميد؛ لأنّ الكلام عن الكتاب ﴿ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ٤١﴾ [فُصِّلَت:41] وفي تعظيم الكتاب، وليس عن الله سبحانه وتعالى.

والفعل في آية البقرة 185 مبني للمجهول أو ما لم يُسمّ فاعله ﴿ أُنزِلَ ﴾ [البقرة:185] والفاعل مُضمر محذوف ليس له ذكر؛ لأنّ سياق الكلام عن شهر رمضان، وليس على مُنزل القرآن.

السؤال الرابع:

في الآية قبلها قال: ﴿ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ ﴾ وهذا جمع قلة، والشهر ثلاثون يوماً، وجمع القلة حتى العشرة فكيف نفهمها؟

الجواب:

يجوز من باب البلاغة للتكثير وضع أحدهما مكان الآخر كما يستعمل القريب للبعيد والبعيد للقريب، لكنْ ذكرنا سابقاً أنّ هنالك أمرين:

آـ الأمر الأول: أنه تهوين الأمر على الصائمين بأنه شهر، أياماً معدودة وهو لا يقاس بالنسبة للأجر، فأنت تصوم هذه الأيام وهي قليلة جداً بالنسبة لأجر الله العظيم وما سيعطيك ربك من فضله مقابل ثمن قليل من أيام الصوم؛ فهي معدودات.

ب ـ ومن ناحية قالوا: إنّ الصيام كان فعلاً ثلاثة أيام في الشهر ﴿ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ ﴾ وكان مخيراً بين الفدية والصيام، فإذن كان فعلاً أياماً معدودات (ثلاثة أيام).

إذن تؤخذ من باب التهوين، وأنها قليلة بالنسبة لما سيعطيك الله تعالى، فهي قليلة، وبالتالي هي هينة على الصائم.

السؤال الخامس:

ما إعراب كلمة ﴿ هُدٗى ﴾ في الآية؟

الجواب:

هناك احتمالان:

حالٌ، أي: هادياً للناس، أو مفعول لأجله، أي: لأجل هداية الناس. والمفعول لأجله لا يشترط أنْ يسبق بلام، وإنما هذا معنى المفعول لأجله كما في قوله تعالى:

ـ ﴿ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ ﴾ [النساء:114] لم يقل: لابتغاء مرضاة الله، ليس فيها لام ولكنْ هي في المعنى هكذا.

ـ ﴿ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ ﴾ [البقرة:19] من الحذر، و﴿ حَذَرَ ﴾ مفعول لأجله.

والمفعول لأجله بيانُ عِلّةِ الفعل وسبب حدوثه، أي: السبب الذي من أجله حدث الفعل، كما تقول: أدرس طلباً للنجاح.

وقوله تعالى: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ هذه الهداية غير موجودة لولا القرآن، فلولا القرآن لم تكن هنالك هداية، فإذن هي ابتغاء علة لم تكن حاصلة، لكنْ بالقرآن يحصل هذا الأمر.

ولذلك لفظة ﴿ هُدٗى ﴾ إمّا حال وإما مفعول لأجله، وبهذه الطريقة يجمع معنيين معنى الحالية ومعنى المفعول لأجله، ولو أراد الحالية فقط لقال: (هادياً للناس).

السؤال السادس:

ما الفرق بين (هادياً) و(هدى)؟

الجواب:

هادياً: اسم فاعل، وهدى مصدر، وهناك فرق كبير بينهما، حتى لو كان التنصيص على الحاليّة في كليهما.

وهناك فرق بين المصدر واسم الفاعل، أي: هناك فرق كبير بين (أقبل راكضاً) و(أقبل ركضاً) وكلتاهما حال، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا ﴾ [الأنفال:15] ما قال: (زاحفين) هذه حال، وكما في قوله تعالى أيضاً: ﴿ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ ﴾ [البقرة:260] لم يقل: (ساعيات) مع أنها حال، لكن لماذا اختار المصدر؟

والجواب أنّ اسم الفاعل يدل على الحدث وذات الفاعل، فعندما تقول: قائم، فهذا يدل على القيام مع الشخص الذي اتصف به، إذن (قائم) فيها شيئان: الحدث وهو القيام، وذات الفاعل.

لكن (القيام) هو المصدر المجرد، ليس فيه نفس الارتباط الذي مع اسم الفاعل، وعندما تقول: أقبل راكضاً، راكضاً يدل على الحدث وصاحب الحدث، أمّا: أقبل ركضاً، فقد تحوّل الشخص إلى مصدر، هو صار ركضاً.

وهذا ليس قياساً عند الجمهور، مع أنه يقع كثيراً.

وربنا تعالى لما ذكر إبراهيم في قوله: ﴿ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ﴾ [البقرة:260] قال (سعياً) وما قال: (ساعيات)؛ لأنه ليس فيهن شيء يُثقِلُهن من المادة؛ إنهن يتحولن من أقصى الهمود إلى حركة، أي: هنّ أصبحن سعياً، ولو قال: ساعيات فهذا يعني فيها صفة من الصفات ففيها الحدث وصاحب الحدث، و هناك فرق بين (أقبل ماشياً) و (أقبل مشياً) ليس فقط ماشياً، وإنما تحوّل إلى مشيٍ.

وفي قوله تعالى: ﴿ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى ﴾ [البقرة:185] يذكرون في الإخبار بالمصدر عن الذات أو العكس أو الوصف، فتقول: (محمد ساعٍ) هذا أمر عادي، لكنْ (محمد سَعْيٌ) هذا لا يجوز إلا على ضرب من التجوُّزِ، أي: محمد تحوّل إلى سعيٍ، ولذلك لمّا قال تعالى لنوح عليه السلام: ﴿ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ﴾ [هود:46] لم يقل: (عامل) وإنما (عملٌ) أي: ابنك تحول إلى كتلة عمل غير صالحة ولم يبق فيه شيء من البشرية والإنسانية، ولذلك لا يجوز هذا إلا على ضرب من التجوّز والمبالغة.

والله أعلم.