مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (148)

﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ١٨١ فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨٢﴾ [البقرة: 181-182]

السؤال الأول:

خُتمت الآية 182 بقوله تعالى: ﴿غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨٢﴾ وخُتمت آية البقرة 181 بقوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٞ١٨١﴾ فما دلالة ذلك؟

الجواب:

ختم الآية: 181 بالسمع والعلم لمـّا قال قبلها: ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ﴾ [البقرة:181] ليكون مطابقاً.

وختم الآية 182 بالمغفرة والرحمة لمـّا قال قبلها: ﴿فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ﴾ ليطابق المعنى.

السؤال الثاني:

ما دلالة هاتين الآيتين؟

الجواب:

الآية (181):

1ـ الآية جرت مجرى الوعيد في تغيير الوصية، ولا ذنب على الموصِي ولا الموصَى له، وإنما الإثم على من بدّل.

2ـ إقامة الظاهر مقام المضمر لزيادة الاهتمام بشأنه، ولو جرى على نسق الكلام السابق لقال: فإنما إثمه عليه وعلى من يبدله.

الآية (182):

1ـ بيّن في هذه الآية أنّ المراد بالآية السابقة هو التبديل من الحق إلى الباطل، أمّا إذا غيّره عن باطل إلى حق فقد أحسن.

2ـ (الجَنَف): الميل في الأمور، والعدول عن الاستواء، والانحراف عن الحق. يقال: جَنف يجنِفُ بكسر النون في الماضي، وفتحها في المستقبل.

3ـ الفرق بين الجنف والإثم أنّ الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم، والإثم هو العمد.

4ـ المجاز المرسل في (خاف) فقد جاءت بمعنى الظن أو التوقع، والعلاقة في هذا المجاز السببية، لأنه تعبير عن السبب بالمسبب.

5ـ جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الرجلَ ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله).

6ـ لذلك من أوصى بشيء فيه ظلم، فعلى وليّ أمر الميت وأولي الأمر بالمعروف أن يردوه إلى الصواب. والله أعلم.

السؤال الثالث:

قوله تعالى في الآية: ﴿جَنَفًا﴾ أي: مَيلاً، فما كلمات منظومة الجنح في القرآن الكريم؟

الجواب:

هذه هي مجموعة (جَنَحَ) وتشمل كل أنواع المَيل، وكلها صغائر تدل على أنّ الفعل المحرم لم يُرتكب:

1- جنح:

هي بداية الميل في الغالب وليس ميلاً كاملاً.

﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ ﴾ [الأنفال: ٦١].

2- زاغ:

هو الميل من الصواب إلى الخطأ، والزيغ هو النقص في الصواب.

﴿ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ٥ ﴾ [الصف: 5].

3- جنف:

خاص بالحكم عندما يكون قاضياً فيميل عن الحق قليلاً، مثل أنْ يميل قلب الأب إلى الذكور وليس هو الحكم بالظلم.

﴿ فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ ﴾ [البقرة: 182].

4- حنف:

ميل من الباطل إلى الحق ومن الخطأ إلى الصواب ﴿ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا ﴾ [آل عمران:67] وحنفاء، أي: ليس لديهم أي ميل للشرك، وهو عكس الزيغ.

5- راغ:

هو ميل لكنْ لاحتيال ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ﴾ [الذاريات:26] من باب اللياقة وإكرام الضيف بأنْ يميل المضيف إلى أهله بطريقة خفية حتى يهيأ الطعام لضيفه.

6- عدل:

عَدَلَ بمعنى مال مع اعترافه بأنّ ميلَه ليس صحيحاً ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ٦٠﴾ [النمل:60].

7- زلّ:

ميل مرغم عليه ولا يقصده، كما يقال في زلة اللسان أو زلة القدم ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [البقرة:36] ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ٢٠٩﴾ [البقرة:209].

8- ألحد:

هو الميل إلى كتمان الحق وهو أخطر أنواع الميل، والملحد هو الذي مال إلى كتمان التوحيد.

﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٨٠﴾ [الأعراف: 180].

والله أعلم.