مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (147)

﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ١٨٠﴾ [البقرة: 180]

السؤال الأول:

ما الفرق بين استعمالي الفعل (حضر) و(جاء) مع الموت؟

الجواب:

انظر الجواب في آية البقرة: 133.

السؤال الثاني:

ما دلالة استعمال (إذا) في الآية؟ وما الفرق في الاستعمال بين (إذا) و (إن)؟

الجواب:

(إذا) تستعمل فيما هو كثير وفيما هو آكد وفيما هو واجب، و(إنْ) لما هو أقلّ في عموم الشرط، وقد يكون مستحيلاً وقد يكون قليلاً، وتفصيل ذلك:

1ـ (إنْ): تستعمل في القرآن الكريم في المعاني المحتملة الوقوع أو المشكوك في حصولها أو المستحيلة أو المفترضة:

شواهد للمعاني المشكوك في حصولها:

﴿ وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ ﴾ [الأعراف:143].

شواهد للمعاني المحتملة:

﴿ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ ﴾ [البقرة:191].

﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ ﴾ [البقرة:230].

﴿ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ ﴾ [المائدة:6].

شواهد للمعاني المستحيلة:

﴿ قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ٨١﴾ [الزخرف:81].

﴿ يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ ﴾ [الرحمن:33].

شواهد للمعاني المفترضة:

﴿ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ﴾ [القصص:71].

2ـ (إذا): تستعمل للمقطوع بحدوثه والكثير الوقوع كما في الآيات:

﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ [البقرة:180].

﴿ وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ ﴾ [النساء:6].

﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ ﴾ [الجمعة:10].

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ ﴾ [النساء:86].

﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ ﴾ [الأعراف:204].

شواهد إضافية: [ آل عمران25 ـ المائدة 2 ـ الأعراف 34 ـ التوبة 5 ـ النور59 ـ البقرة 282 ـ يونس12].

3ـ شواهد مشتركة تتضمن(إذا وإنْ) معاً:

﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة:180].

﴿ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ ﴾ [البقرة:196].

﴿ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ [البقرة:239]

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا ﴾ [البقرة:282]

﴿ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ﴾ [النساء:25].

﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ [التوبة:5].

شواهد إضافية: [ المائدة6ـ الأعراف131ـ الروم 36ـ البقرة 239ـ النساء 101ـ البقرة 229ـ230ـ 231ـ الرعد5 ].

4ـ ملاحظات عامة:

أـ (إذا) و(إنْ) من أدوات الشرط.

ب ـ وردت (إذا) في القرآن الكريم في أكثر من (362) مرة، لم ترد في موضع واحد غير محتمل الوقوع، بل هي كلها إمّا مقطوع بوقوعها أو كثير الوقوع، بخلاف (إنْ).

ولمّا كانت (إذا) تفيد الجزم بالوقوع، غلب معها الفعل الماضي، لكونه أدل على الوقوع، باعتبار لفظه، بخلاف (إنْ) التي تستعمل في المعاني المحتملة، والمشكوك فيها، فإنه غلب معها الفعل المضارع.

وقد وردت (إذا) في القرآن الكريم ـ شرطية وظرفية ـ في أكثر من (362) مرة، منها (18) فقط ورد معها الفعل المضارع، بينما ورد الفعل الماضي مع البقية.

ج ـ إذا كان فعل الشرط ماضياً فإنه يفيد افتراض حصول الحدث مرة أو وقوعه جملة، في حين أنّ الفعل المضارع قد يفيد تكرار الحدث، أو يفيد تطاول الحدث.

د ـ وقد وردت (إنْ) في القرآن الكريم في حوالي (554) مرة. والله أعلم.

السؤال الثالث:

ما إعراب كلمة ﴿ ٱلۡوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة:180] في هذه الآية؟

الجواب:

الوصيةُ: نائب فاعل مرفوع.

السؤال الرابع:

كيف عطف الأقربين على الوالدين، وهما أقرب المقربين والعطف يقتضي المغايرة؟

الجواب:

الوالدان ليسا من الأقربين؛ لأنّ القريب من يدلي إلى غيره بواسطة كالأخ والعم ونحوهما، والوالدان ليسا كذلك، وحتى لو كانا منهم لكان تخصيصهما بالذكر لشرفهما، كقوله تعالى: ﴿ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ ﴾ [البقرة:98].

السؤال الخامس:

ما دلالة هذه الآية؟

الجواب:

1ـ هذه الآية فيها وصيّة مجملة مردّها إلى العُرف، بالنسبة للوالدين والأقارب الوارثين، وكان ذلك قبل تحديد أنصبة المواريث في سورة النساء، ولكن هل نسخت هذه الآية؟ والجواب:

آ ـ عند جمهور أهل العلم نسخت هذه الوصية للوالدين والأقربين بآية الميراث في سورة النساء: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ ﴾ [النساء:11].

ب ـ وقيل: إنها غير منسوخة، وإنها نزلت في حق من ليس بوارث من الوالدين والأقربين بسبب الكفر أو الحَجْر أو نحوه، فشُرعت الوصية لهم قضاء لحق الأبوة والقرابة، فهي مستحبة في حق من لا يرث.

أي أنها خاصة بغير الورثة، لأنّ الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجازتها الورثة لسبب خاص كأن يكون معاقاً أو نحوه.

2ـ هذا هو الحكم التشريعي الثاني: الوصية عند الموت.

والله أعلم.