مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (138)

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]

السؤال الأول:

ما الفرق بين كلمتي ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ في آية البقرة [170] ﴿بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾ و﴿وَجَدۡنَا﴾ في آية المائدة [104] ﴿حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾ وآية لقمان [21] ﴿مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾؟

الجواب:

1ـ الفعل (ألفى) في اللغة يستعمل في الأمور المادية فقط، وقسمٌ من النحاة يقولون: إنه لا يأتي في أفعال القلوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ﴾ [الصافات:69] وقوله: ﴿وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ﴾ [يوسف:25].

2ـ أمّا كلمة ﴿وَجَدۡنَا﴾ فهي تأتي مع أفعال القلوب، كما في قوله تعالى ﴿لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء:64] وقد تأتي أحياناً في الأشياء الحسّية.

3ـ وعندما يذكر القرآن كلمة ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ يريد أنْ يذمّهم أكثر وينفي عنهم العقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة:170].

ولو لاحظنا آية سورة المائدة [103] ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ فالذي يُشرّع ليس عنده علم ولكن عنده عقل.

4ـ وعندما يذكر كلمة (وجدنا ) ينفي عنهم العلم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة:104] وكذلك في سورة لقمان ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ٢٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [لقمان: 20، 21].

5ـ وقد تنفي العلم عن أحدهم ولكنه يبقى عاقلاً، لكن إذا نفى عنهم العقل أصبحوا كالبهائم، فكلمة (ألفينا ) تأتي إذن في باب الذمّ.

السؤال الثاني:

ما الفرق بين ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ في آية البقرة[170] وبين ﴿لَا يَعۡلَمُونَ ﴾ في آية المائدة [104]؟

الجواب:

﴿يَعۡقِلُونَ﴾ تعني ما ينشأ عن الفكر والتدبر، وليس كل الناس يستطيعون هذا ؛ ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها من غيرهم الذي عقل.

والذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل؛ لأنّ الذي عقل هو إنسان قد استنبط، وأمّا الذي علم فقد أخذ علمه من غيره لكنه لم يتعقله، لذلك نفيُ العلم عن شخص أبلغُ من نفي التعقل؛ لأنّ معنى (لا يعلم) أي: ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه هو، أي: لا يعلم ولا يعقل كالحيوانات تماماً، بينما عندما يقول الحق: ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا.

السؤال الثالث:

هل يختلف نوع المخاطب في آية البقرة [170] وآية المائدة [104] حتى اختلف الأسلوب في الآيتين؟

الجواب:

آية البقرة 170.

تتحدث عن قوم بسطاء غُفْلٍ يمكن أنْ يتغيروا وأنْ يتعلموا وأنْ يهتدوا إذا وجدوا الرعاية والعناية، أي: أنّ الآية تتحدث عن الناس في أول الدعوة والذين اتبعوا ما صادفوا آباءهم عليه دون أن يكون لهم رأي أو تصميم سابق أو عقيدة سابقة، بل إنّ آباءهم أيضاً لا يعقلون.

وهذه الآية من سورة البقرة التي هي متقدمة في النزول على سورة المائدة، وهي آخر سور القرآن نزولاً.

آية المائدة 104.

تتحدث عن رؤوس الكفر وهم قساة الناس، وهؤلاء قولهم عن إصرار وعقيدة، وأنهم يعتقدون أنّ آباءهم قد اختاروا هذا الطريق عن علم ومعرفة.

 الملاحظات:

1ـ في آية البقرة أنت أمام قوم في أول الطريق لم يعتقدوا رأياً بعد، فيُقال لهم: اتبعوا ما أنزل الله، بينما في آية المائدة فهم في موقع اختاروه ورضوا به وتمسكوا فيقال لهم: دعوا ما أنتم عليه وتعالوا إلى ما أنزل الله.

2ـ في الرد في آية البقرة نجد كلمة ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ أي: أننا وجدنا رأياً سابقاً وليس لنا رأي محدد فاتبعنا ما وجدنا عليه آباءنا.

أمّا في آية المائدة فكلمة ﴿حَسۡبُنَا﴾ تعني: يكفينا، وهذا يدل على أنهم يعرفون ما هم فيه وما يدعون إليه وهم مقتنعون به؛ من أجل هذا قالوا: ﴿حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا﴾ [المائدة:104] أي: أنّ الأمر قائم ومستتب من قبل ولم يكن مفاجأة لهم.

3ـ في آية البقرة استخدم ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ وفي آية المائدة استخدم ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ والذي لا يعقل يتعلم، أمّا الذي يعلم فقد عَلِمَ ودرس وفهم وتعلم وتمسك بما تعلمه.

4ـ قوله تعالى: ﴿أَوَلَوۡ﴾ في الآيتين هي واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام فنقلتها إلى معنى التوبيخ والتقريع، وإنما جُعلت همزة الاستفهام للتوبيخ؛ لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة.

والله أعلم.

السؤال الرابع:

ما دلالة الفرق في رسم كلمتي ﴿ءَابَآؤُهُمۡ﴾ ﴿وَالِدٖ﴾ بالألف الصريحة، ورسم كلمتي﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ ﴿وَٰلِدَةُۢ ﴾ بدون ألف وسطية؟

الجواب:

1ـ كلمة ﴿ ءَابَآؤُهُمۡ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم حوالي(64) مرة، وكلها بالألف الصريحة.

2ـ كلمة ﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم حوالي(11) مرة، وكلها بدون الألف الصريحة.

ويوحي عدم وجود ألف صريحة في كلمة ﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ بالرغم من وجودها في كلمة﴿ ءَابَآؤُهُمۡ ﴾ بأنّ الأمهات أكثر التصاقاً بأولادهن، وخاصة في مرحلة الحمل والرضاعة ؛ وهو التصاق مادي وروحي.

3ـ كلمة ﴿ وَالِدٖ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم (3) مرات، وكلها بالألف الصريحة، وذلك في الآيات:[ لقمان 33(مرتان) ـ البلد3 ].

4ـ كلمة ﴿ وَٰلِدَةُۢ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم (3) مرات، وكلها بالألف غير الصريحة، وذلك في الآيات:[ البقرة 233ـ المائدة 110 ـ مريم 32 ].

ويوحي عدم وجود ألف صريحة في كلمة ﴿ وَٰلِدَةُۢ ﴾ بالرغم من وجودها في كلمة ﴿ وَالِدٖ﴾ بأنّ الأمهات أكثر التصاقاً بأولادهن. والله أعلم.