مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (135)

﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [البقرة: 165]

السؤال الأول:

قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [البقرة:165] أين جواب الشرط فى الآية؟

الجواب:

تأمل في قوله تعالى ﴿وَلَوۡ يَرَى﴾ فإنك لا تجد جواب (لو)، فالأصل في هذه الأداة (لو) أنْ تأخذ فعل شرط وجوابه، فتقول مثلاً: لو رزقني الله مالاً لتصدقت بنصفه، فلِمَ حذف جواب (لو) في الآية؟

لقد تم حذف جواب (لو) في الآية؛ لأنّ حذفه يوقع أثراً في نفس من وُجِّه إليهم الكلام أكثر مما لو ذكر جواب (لو)، كأنْ يقال: "لرأوا أمراً عظيماً" أو غيره، فقد ترك القرآن الكريم للخيال أنْ يذهب كل مذهب في تصور شدة الموقف وفظاعته، وأنت عندما تهدد إنساناً بقولك: "لئن لم تفعل" ثم تسكت، يُحدِث كلامك أثراً في نفس السامع أكثر مما يُحدِث قولك: "لئن لم تفعل لأضربنّك".

السؤال الثاني:

ما دلالات هذه الآية؟

الجواب:

1 ـ بعد أن بيّن اللهُ دلائل وحدانيته بالبراهين الساطعة في الآية السابقة، ذكر أنّ بعض الناس مع هذا البيان منْ يتخذ من المخلوقين معبودات كالأصنام والأوثان من دون الله، يحبونهم كحب الله في الطاعة والتعظيم والانقياد أو يسوّونهم مع الله، أو يحبونهم كحب المؤمنين لله.

2ـ وما أكثر الأصنام والأوثان التي يحبها الناس قديماً وحديثاً، ومن ذلك عبدة الشيطان في مجتمعاتنا، وكذلك كل ما يُعبد من دون الله، سواء كان ذلك الحب متمثلاً في محبة أهل القبور والأضرحة ممن يطلبون منهم حاجاتهم، أوفي محبة المال والزوجة والولد والمنصب والجاه حباً يخرجهم عن الحدود الشرعية المقبولة، أو في إطاعة الطواغيت المستبدين الظالمين، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ﴾ [الجاثية:23].

3ـ جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندّا وهو خلقك ).صحيح البخاري.

4 ـ ( الندّ ): المثل، ويُراد به هنا الأصنام أو كل ما سولت لهم أنفسهم عبادته وطاعته.

5ـ المؤمن يقول الله عنه: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ أي أشدُ من حب المشركين لآلهتهم، وحبُ المؤمن لربه حبٌ صادق نابع عن عقيدة وإيمان وإخلاص، وهو حبٌ لله ذي الجلال والكمال، ولا يعدلون به شيئاً في أي حالة من الحالات ضرّاء أو سرّاء أو في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم يعدلون في الشدائد إليه سبحانه، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، فحب المشركين هوائي، وحب المؤمنين عقلي، بالقلب والقالب، والنفس والوجدان، مع إيثار حب الله ورسوله على محبة كل شيء في الدنيا.

وحب المؤمن لله يتمثل فيما يصدر عنه من التعظيم لله والمدح والثناء والعبادة خالصة من الشرك، وهذا الحب يقترن به الرجاء والثواب والرغبة فيما عند الله من المنزلة والثواب.

6 ـ قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ فيه وعيد لأولئك الذين ظلموا أنفسهم بالظلم بالشرك واتخاذ الندّ، عندما يرون عذاب جهنم، عندها يتيقنون أنّ القدرة بيد الله وحده، فهو المنفرد بالقدرة والقوة، وليس بيد الأنداد الضعفاء العجزة،﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ لمن اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها ويتقربون إليها،ويكون ذلك يوم القيامة.

7 ـ قوله تعالى: ﴿إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ﴾ العذاب من فعل (عذّب)، الذال مشدّدة وهذا يعني أنهم فيه لفترة طويلة لأنّ أكثر وروده في القرآن في الآخرة ؛ لأنها طويلة، لذلك قال: ﴿شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾، بينما (العقاب) من عقب الشيء وتعقبه، فيدل على سرعة وقوعه وأكثر وروده في القرآن في الدنيا لسرعتها، وهذه الآية في الآخرة وهم يرون العذاب مباشرة فقال: ﴿شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾.

8 ـ هذه الآية تمثل القاعدة الرابعة من قواعد الإيمان وهي: محبة العبد لربه تفوق كلّ محبة، وقد سبق بيان القواعد الأخرى في آيات البقرة: [ 158 ـ159 ـ 163 ].

والله أعلم.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين